نازه والدويشي يتحدثان ضمن "ليلة الوفاء" عن فلسطين في شعر الإمام

ضمن فعاليات الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وبمناسبة إصدار مجموعته الشعرية الكاملة، نظمت جماعة العدل والإحسان "ليلة الوفاء" حول موضوع "الإمام عبد السلام ياسين شاعرا: شعرٌ يلهم... ووفاءٌ يدوم"، وتخللته جلسة حول "فلسطين في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله".
مسيّر الجلسة، عبد القادر الدحمني أشار إلى أن اللقاء ينعقد في ظلال ذكرى منيفة نستفيء فيها ظلال شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، ونستظل كذلك بظل قضية الأمة الأولى: قضية فلسطين وقضية القدس. وأضاف وهو يقدّم ضيفي المأدبة الكاتبة والأديبة حسناء الدويشي، أستاذة اللغة العربية الحاصلة على الإجازة في الأدب العربي وماجستير في الفكر الإسلامي المعاصر، وصدر لها «بوح الضياء»، ولها مجموعة قصصية للأطفال قيد الطبع بعنوان «باقة الريحان»، كما أسهمت في كتاب جماعي بعنوان «قلم ونور: المنهاج المندمج لتعليم الكبار». ثم قدّم كذلك الكاتب القاص رضا نازه، الحاصل على الإجازة في القانون باللغة الفرنسية من جامعة محمد الخامس، وصاحب «الذمة المعكوسة» و«صف وصفوة»، والحاصل على جائزة ناجي نعمان للإبداع الأدبي بلبنان.
وطرح المسير على الأستاذة حسناء الدويشي السؤال عن كيفية تقديم الإمام عبد السلام ياسين للقضية الفلسطينية في شعره: هل تحضر كما تحضر في أشعار الآخرين بوصفها نكبة وضعفًا وبكائيات، أم تحضر من زاوية أخرى أعمق وأصالة؟ فأجابت الدويشي مؤكدةً أن جلوسها في هذا المقام شرف عظيم لعِظم الشخص وعظم القضية، ثم أضافت أن حضور القضية الفلسطينية في شعر الإمام لا ينفصل عن حضورها في مشروعه التربوي التغييري التجديدي؛ فهي قضية مركزية متجذرة، ولها مركزيّتها لأنها جزء من عقيدة الأمة المتمثلة في المسجد الأقصى.
وأضافت المتدخلة أن فلسطين في شعر الإمام تتحول إلى اختبارٍ لصدق الأمة ومؤشرٍ على عودتها إلى حضارتها العمرانية الأخوية المتحصنة بشعب الإيمان، التي منطلقها توحيد الله وغايتها إعلاء كلمته والجهاد في سبيله. وحين تساءل المسير ضمنًا عن طبيعة هذا الحضور: أهو حضور ندبٍ وحسرة كما يفعل كثير من الشعراء؟ أجابت بأن شعر الإمام لم يخلُ من الألم، غير أن أفقه لا يقف عند الوجدان الجريح، بل يمزج ألمًا وأملًا، وألمًا وبشارة، وفيه تشخيص للداء ووصف للدواء.
وقالت حسناء إن الألم يتجلى في الحديث عن تخلف الأمة وتجزئها وانهزامها واستبداد حكامها وما آل إليه المسجد الأقصى المبارك، ثم استشهدت بأبيات الإمام رحمه الله قائلةً:
طالتْ يدُ الأعداء فانفَضَّتْ جمُوعْ --- تركوكَ يا قدسَ الصلاة وهمْ خُنُوعْ
قد كنتَ للأَصحابِ أولَ قِبْلَةٍ --- يُولُونَ نحْوَكَ بالوجوه وهم خُشُوعْ
إلى أن يقول:
ومضى الزمانُ فجاء خَلْفٌ خامِلٌ --- أَلِفَ الُخضوع لحاكم، أَلِفَ الركوعْ
ثم علّقت موضحةً أن المقصود من وصف الألم ليس الاستغراق في الحسرات، بل تحريك الهمم وحفز الإرادات لتقوم النفوس من غفلتها وتنفض الأمة عنها وهنها، وتُشمّر للنهوض لبناء غد الأمة المأمول، الذي يشكّل تحرير فلسطين أول بوادر إشراقات فجره المنتظر.
وأضافت أن الإمام يغلّب البشارة وأفق العودة، ويعوّل على إرادة الأمة بعدما تتعافى من دائها وتعدّ عدتها لتحسم القضية لصالحها. ثم قالت إن الإمام لا يترك الإرادات التي يريد تقويتها في مهاوي الإحباط والعجز أو الخنوع، بل يبشر بموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء في القرآن الكريم، وختمت ببيتٍ رأته جامعًا لمعنى الرجاء:
أبشر يا قدس الصلاة فقد بدت --- شمس الخلافة ثانيًا ولها سطوع
ثم تحوّل المسير بالسؤال إلى القاص رضا نازه، فقال إن شعر الإمام معروفٌ بكونه شعر ذكر وتذكير لا يتورع عن ذكر النبأ العظيم وخبر الآخرة والتذكير بالله والقبر ووصف معارج الروح، فكيف يلتقي شعر بهذه المواصفات مع شعر يتناول القضية الفلسطينية، وهي قضية عُرفت تاريخيًا بوصفها قضية نضالية وسياسية؟ وهل يمكن الجمع بين هذين البعدين في شعر الإمام؟
وأجاب رضا نازه موضحا أن ديدنه هو النثر وأنه "متطفل" على الشعر، وأن ما سيقوله هو فهمٌ نسبي لمقصود الإمام من القضية الفلسطينية في الشعر. ثم قال إن في رؤية الإمام شقًّا للعدل وشقًّا للإحسان؛ فبالنسبة لشق العدل، قدّم الإمام عبد السلام ياسين رؤية شاملة تجعل الأمة كلها "فلسطينية" من وجه ما، لأن واقع الدول القطرية والحضائر المسيّجة على الأمة المُمزّعة الممزقة، يستدعي قيامها من جديد لاستعادة السيادة والمكانة، وفلسطين في هذا السياق مقياس و“بارومتر” لعزة الأمة، فإذا كانت القدس في يد الغزاة دلّ ذلك على حضيض الأمة.
وأضاف رضا نازه رابطًا هذا المعنى بسُننٍ تاريخية في الارتفاع والانخفاض، واستحضر خبرًا عن بكاء سيدنا أبي بكر رضي الله عنه عند سماع آية "اليوم أكملت لكم دينكم"، وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم له عن سبب بكائه، ليخلص إلى أن بلوغ الحضيض يستدعي أيضا سنّة الصعود، وأن الأمة الآن في صعود بإذن الله. ثم قال إن الإمام ياسين كان "يرجّي" الأمة دائمًا؛ فحين يتكلم عن القتلى والشهداء في فلسطين لا يتحدث عنهم كمفقودين في حرب، بل كقربان لنهوض الأمة من كبوتها، وكسُلّمٍ لتحقيق مقام الشهادة مع "المنعم عليهم" من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وعاد المسير إلى الأستاذة حسناء متسائلًا أين يمكن أن نُموضع الإمام وشعره في تناول القضية الفلسطينية ضمن خريطة الشعراء القدماء والمعاصرين؟ أجابت الدويشي بأن نقطة الانطلاق هي أن الأستاذ عبد السلام ياسين أولًا رجل تربية وصاحب مشروع تغييري، وأن شعره امتداد لهذا كله، فهو لا يكتب الشعر من أجل الشعر وإنما خدمةً لمشروعه، وهذه وحدها كافية لتحديد تموضعه.
وأضافت أنه إذا قورن بشعراء معاصرين مثل سميح القاسم ومحمود درويش والبياتي، فهؤلاء ينطلقون من اعتبار فلسطين قضية وطنية أو قومية وانتصارًا لفضاء الذاكرة أو لِبعد قومي، بينما ينطلق الإمام، كغيره من الإسلاميين بصفة عامة، من إسلامية القضية. ثم قالت إن الاختلاف حاصل حتى بين الإمام وبين شعراء يكتبون من داخل المشروع الإسلامي مثل سيد قطب وعبد الرحمن العشماوي ومحمد إقبال وغيرهم وحتى شعراء المقاومة؛ فهو عندها شاعر تربوي منهاجي أكثر منه شاعر مقاومة مباشرة، لأن التربية تغلب في خطابه وتوجيهه.
وبيّنت أن الاتفاق بينه وبين الإسلاميين يتمثل في إسلامية القضية ورفض الاحتلال واستنهاض الأمة وتوظيف المعجم القرآني، لكن الاختلاف يظهر على مستوى التشخيص: فالأستاذ عبد السلام ياسين يحدد العدو الأول في الاستبداد ثم المحتل، بينما يضع كثير من الشعراء الإسلاميين المحتل في المرتبة الأولى. وأضافت أن الإمام في سبل العلاج يبدأ بالتربية ثم إسقاط الاستبداد ثم إعداد جيل القرآن، في حين يجعل آخرون الحل في المقاومة وجهاد العسكر بوصفه المدخل الأول، كما وصفت خطاب الإمام بأنه تربوي تحليلي هادئ، غير أنه يحمل حفزًا على تربية المؤمن "الشاهد بالقسط" الذي يُعوَّل عليه لبناء الأمة المستضعفة.
وختمت حسناء الدويشي بذكر نقطة محورية رأت أنها تتفرد عند الإمام، وهي ربط تطهير القدس بتطهير القلب، ثم أوردت أبياتًا تؤكد هذا المعنى:
وإنك رحمن رحيم بخلقه --- برحمتك ارحمنا لدى غضبة الحشر
مليك تقوينا وتؤتي خلافة --- وتنزع ملك الظالمين أولي الجبر
وإنك قدوس تطهر قلبنا --- نخلص أرض القدس من قبضة الكفر
وأضافت أن هذا الارتباط بين التطهير القلبي وتطهير القدس يعني تربية خلفٍ طاهر هو المعول عليه لتطهير القدس، وأن هذا من أثر كون الإمام رجل تربية وصاحب مشروع.
وعاد الدحمني أخيرًا إلى الأستاذ رضا نازه ليقدم ما جادت به قريحته من تأملات فيما كتبه الإمام، فأجاب نازه بأنه كتب تفكرًا وتأملًا في قطف "فلسطين فلسطين":
فِلِسْطينُ فلسطينُ --- بَجَنْبِ العُرْبِ إِسْفِينُ
ولَوْ للعُرْبِ تمييز --- وفُلْكُ العُرْبِ مشحونُ
لأَلْقَوْا مِن شِعاراتٍ --- لها بالدينِ تهوينُ
وقالوا: نحن إسلامٌ --- لنا بالدين تمكينُ
وقُدْسُ اللهِ نَفْدِيه --- فَقُدْسُ الله مسجونُ
جِهادُ الكُفْرِ مذهبُنا --- ومفروضٌ ومسنونُ
صلاةُ الله نُهديها --- مِنَ الأملاكِ تأمينُ
وأضاف نازه أن مطلع القطف "فلسطين فلسطين" زوج نداء واستغاثة، أصالة وبالنيابة، مثنات تطلب استجابة كأنها فرض عين. الخطب طوفان وغرق، والاستجابة ليست فرض كفاية. وجسد السفينة في جنبه إسفين، "في جنب العُرب إسفين". آلة النجاة ومركبها يتهددها فَوران الماء في غير مَظِنَّتِه، فهو نذير كماء يفور من تنور.
وتابع نازه وهو يوسّع المشهد الرمزي أن السؤال في القطف: فهل من بقية تمييز لدى العُرب؟ وجمعهم ما عاد سالمًا بل صار جمع تكسير. العُرب لا المسلمين، العرب مادة الإسلام، ولكن في سياق نذارة هنا، كنذارة من النبي صلى الله عليه وسلم حين تعارّ ذات ليلة قائلًا: "ويل للعرب من شر قد اقترب". لم يقل ويل للمسلمين، وقع الخف على الخف تنزيهًا لوصف المسلمين عن الذكر في مساق جاهلية مناتها الصهيونية الأخرى، وفتنة بلاء عظيم يتنزّل حين انحصر العرب في دائرة نسب عربي ونشب نفطي، وفتنة سراء ودهيماء، وبنيان تطاول به رعاء الشاء، وبؤسٍ يُنسي الباقي من أولئك أنهم في الدين إخوة هؤلاء.
وقال أيضًا إن "فلك العرب مشحون" تعني أن لا جغرافيا بقيت ولا يابسة صلبة يقف عليها جمع التكسير، رغم ظاهر شساعة قواعد الإسلام، غرباء وأهل ذمة منعكسة لا يملكون ناصية أمرهم. بحر طوفان هائج مائج يُغرق الأوطان، ولا نجاة سوى في الفلك المشحون. لكن النظر بعيني القطف يمزج صورتين: سورة نوح وفلكه والكرب العظيم "ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم"، وسورة يونس والفلك وبطن الحوت ونجاة بصدق العودة والاضطرار والنداء في الظلمات أنْ "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
وأردف بأن الأمة اليوم في طوفان وفي بطن فتنة، كأن فرعون وهامان وقارون والسامري وتسعة رهط تحالفوا حلف الأحلاف ولعقة الدم، والمستضعفون يتطلعون لحلف مطيبين ورجاء دولة أولياء محسنين محبوبين. لا جغرافيا ولا تاريخ، كل شيء يتربص به الانحراف والانجراف ومحو الذاكرة، والفلك مشحون بجيل تائه أثقلته شعارات زائفة ومذاهب وأوهام لها بالدين توهين. ولا فلاح للعرب إلا أن قاموا وقالوا: "نحن إسلام" كما قال القطف. لم يقل: قالوا نحن مسلمون فقط، بل نحن إسلام، إسلام كامل بدرجات إسلامه وإيمانه وإحسانه، وعدل هو أوثق عراه، وترقب ساعتَيه: ساعة خلافة يانعة رائقة، والساعة الأفق المستقبلي الحق يوم يقوم الناس لرب العالمين. وقالوا نحن إسلام كامل كما استخبره الروح الأمين في مجلس الصادق الأمين. وقالوا نحن إسلام في اللحظات العصيبة لا يكفي أن تكون نعت إسلام، بل قم وصر مصدره. وهل يصدر من لم يرد؟ ثم المرتوي على ريّ راوية وتضلعه، فلينظر أحدكم على أي وارد ركب وُروده، يَنصره يُسعفه على أمر يحاوله.
وختم نازه تأمله بالقول إن عبارة "وقدس الله نفديه" تجعل القدس جودي سفينة الأمة، إن حطّت عليه من جديد أفلحت، وقيل: "اهبطي بسلام منا وبركات"، واستغفار يطهره، وصلوات تنوره، وتوحيد يَعمُره. "وصلاة الله نهديها"، وأملاك تؤمن تهيمن على قائم شعره دعاؤه، وشعره دعاؤه، وكذا صار على المنوال نثره.









