الجوري والكمري يسائلان جدوى الانتخابات بين محدودية المؤسسات وغياب المعنى

يطرح الحديث عن الانتخابات التشريعية أسئلة تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي وشعارات الحملات ووعود المرشحين، لتطال جدوى العملية الانتخابية نفسها، ومدى قدرتها على إنتاج مؤسسات تمثيلية قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين وتحقيق التغيير. وفي هذا السياق، يرى الدكتور منير الجوري، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، أن النظام السلطوي يبذل مجهودا كبيرا في تنظيم انتخابات تشريعية، وينفخ فيها من الدعم المادي ومن مظاهر التنافس الانتخابي والترويج الإعلامي حتى يظهرها كانتخابات حقيقية قادرة على تحقيق الغاية المطلوبة منها. إلا أن ذلك "سرعان ما ينهار وينطفئ بريقه عندما يطرح عليها سؤال الجدوى، ومدى قدرتها على تحقيق تمثيل شعبي حقيقي وإفراز مؤسسات بصلاحيات واختصاصات تمكنها من الوفاء بالوعود التي يوزعها المرشحون بسخاء كبير على المواطنين في خطاباتهم وتصريحاتهم".
وبهذا، فإن الرهان على الانتخابات من طرف الدولة، بحسب الجوري، هو "إيجاد مؤسسات للواجهة الديمقراطية، فارغة من كل تأثير أو فعل أو سلطة تقريرية نافذة، ليفتح المجال لاتخاذ القرارات الاستراتيجية واعتماد السياسات العامة من خارجها ودون محاسبة"، فيما يبقى دورها هي، يضيف، منحصرا في "حسن تنزيل تلك القرارات والتعليمات والسياسات، وحسن تسويقها، وإيجاد المبررات لإقناع المواطن بها، ثم تلقي النقد وتحمل مسؤولية فشلها".
أما رهان الفاعل الحزبي على هذه الانتخابات، فيمكن تقسيمه إلى أصناف، وفق عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة: رهان الأحزاب الفاسدة هو الحصول على مقاعد تمكنها من ممارسة فسادها تحت حصانة سياسية آمنة، ورهان الأحزاب الإدارية صنيعة السلطة هو تأمين فرجة سياسية وبديل تعتمده السلطة لتدوير وتنشيط الفعل السياسي والانتخابي، ورهان الأحزاب صاحبة المشاريع الجادة هو محاولة تحقيق مستوى من مستويات التغيير الجزئي المنحصر داخل الرقعة السياسية الضيقة المسموح لها باللعب فيها.
من جهتها ترى الأستاذة خديجة الكمري، عضو المجلس الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، أن الحديث عن جدوى الانتخابات يأخذنا إلى الحديث عن مدى انعكاسها بالإيجاب على ذلك الذي يدلي بصوته، طمعا أن تحمل صناديق الاقتراع أجوبة لأزماته المركبة، وأن يكون لصوته القدرة على تغيير الواقع إلى الأحسن ولو بشكل متدرج. أما أن تكون العملية برمتها مجرد "إعادة تدوير لنفس الإخفاقات السابقة، وإنتاج لنفس الأزمات التي لا تزيد إلا استفحالا وتعمقا، فهنا يجب الوقوف ليسائل المواطن وعيه السياسي، حتى لو كان بدائيا، عما يجب عليه فعله أمام عملية تفضي إلى حائط مسدود ونتائجها محسومة، أو مسيجة بشروط إيقاعاتها مضبوطة على نغمات المخزن".
وتضيف الكمري أن هذا المخزن نفسه هو "السبب المباشر للتردي الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتج الفقر وقسم البلد إلى مغربين: مغرب المليارديرات ومغرب الفقراء، ضمن سياسات الريع واحتكار الثروة وتضارب المصالح وغياب تكافؤ الفرص". مغرب لم يعد فيه للمواطن فرصة للارتقاء الاجتماعي عبر تعليم جيد وفرص شغل تحفظ الكرامة وتضمن وسائل العيش، مغرب تمت خوصصة قطاعاته الحيوية وبات مواطنوه رهائن لأصحاب المال والنفوذ، وحكوماته المتعاقبة لم تحم الكتلة الناخبة من جشع من يتاجر باحتياجاتهم الأساسية.
وفي مقابل هذه الصورة، يرى الجوري أن كل ذلك يصنع مشهدا حزبيا عاجزا ومؤسسات تمثيلية عقيمة، لا من حيث قابلية التغيير والإصلاح، ولا من حيث القدرة على تحقيق تطلعات المواطنين وانتظاراتهم، ولا من حيث خلق فضاء لربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرا أن "الذي يحكم لا يحاسب، والذي يحاسب لا يحكم".
وتذهب الكمري إلى أن أمام صورة بهذه القتامة؛ "سؤال الجدوى يفقد الشرعية أمام سؤال المعنى الذي يجب أن يترجم الوضع إلى منطق يفهمه العقل ويستطيع مناقشته ليصل بالنتيجة إلى سؤال الجدوى في مرحلة تالية"، معتبرة أن هذا هو الترتيب المنطقي. وتضيف: "فإذا لم يكن هناك معنى للانتخابات التي لم تنقذ المغرب من أزماته عبر حكومات متتالية وبرلمانات لا تقوم بالدور التشريعي اللازم ولا الدور الرقابي المفترض، فأي حديث عن الجدوى".
وفي السياق نفسه، يطرح الجوري حصيلة التجربة الحكومية والمؤسساتية باعتبارها مؤشرا على محدودية الرهان على الانتخابات، قائلا إن "تعاقب الحكومات خلال عشرات السنين الماضية يؤكد أن أي رهان عليها للنهوض بشؤون البلاد والمواطنين يبقى رهانا خاسرا، وإن الانتخابات الجارية لا تقل عجزا عن سابقتها في تحقيق الآمال المنتظرة".
ومن جهتها، تتساءل القيادية في الجماعة، تحت سؤال المعنى، عن كيفية عدم تقييم العمل الحكومي للائتلاف الثلاثي الذي "حكم" طيلة ولاية كاملة عرفت كل أنواع الخروقات، مضيفة أن أعضاءه "اليوم يخرجون هم أنفسهم للتنديد بها، كل منهم يخلي مسؤوليته ويلقي باللوم على الآخر". ومع ذلك، تقول إنهم في حملاتهم الانتخابية يعدون بـ"الجنة للمواطن الكادح" الذي أنهكته مستويات التضخم التي بلغت المدى، والمرأة المتعطشة للإنصاف، والشباب الذي التهم البحر نصفه والبطالة والمخدرات تهدد الباقي!
ويخلص الجوري إلى أن هذه الرهانات "تنبئ بمزيد من الجمود السياسي، وتضع البلاد في اختناق اجتماعي وحقوقي، وتراكم الفشل على مختلف المستويات"، فيما ترى الكمري أن "الأمر بات مكشوفا ولم يعد هناك التباس إلا لمن يريد أن يبرر من أجل مصلحة ضيقة أو انتهاز فرصة متاحة". أما السؤال عما يجب فعله، فتعتبر أن جوابه "جلي لكل ذي لب يمتلك القليل من المنطق والموضوعية"، مضيفة: "فلا فائدة من فتح باب قبالة حائط يمنعك من الخروج".






