تقرير بيزا الدولي يضع المدرسة المغربية في ذيل الترتيب

أعاد صدور نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (Pisa 2025) سؤال جودة المدرسة المغربية إلى الواجهة، فقد انخفض أداء التلاميذ البالغين 15 سنة في القراءة والرياضيات والعلوم مقارنة بدورة 2022، واستقر المغرب ضمن المراتب الأخيرة بين الدول والاقتصادات المشاركة بعيدا عن المتوسط المسجل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وكشفت الأرقام أن أغلبية واسعة من التلاميذ لم تبلغ الحد الأدنى من الكفايات الأساسية.
وشمل التقييم 6978 تلميذا في 179 مؤسسة تعليمية، يمثلون نحو 87 في المائة من المغاربة في هذه الفئة العمرية. وحصل المغرب على 321 نقطة في القراءة، و355 في الرياضيات، و358 في العلوم، ثم 374 نقطة في حل المشكلات الحاسوبي. وبالمقارنة مع سنة 2022، خسرت القراءة 18 نقطة، والرياضيات 10 نقاط، والعلوم 7 نقاط.
تراجع جديد في المواد الأساسية
وبقيت النتائج المغربية بعيدة عن متوسط دول المنظمة بفارق بلغ 140 نقطة في القراءة، و108 نقاط في الرياضيات، و124 نقطة في العلوم. كما واصل المنحى نزوله منذ أول مشاركة للمغرب سنة 2018، إذ بلغ التراجع التراكمي 38 نقطة في القراءة، و19 نقطة في العلوم، و13 نقطة في الرياضيات. وجاء المغرب في المرتبة 83 من أصل 91 في العلوم، وفي المركز 87 من أصل 90 في القراءة، ثم المركز 80 من أصل 90 في الرياضيات.
وتبدو صورة التعثر أكثر حدة عند النظر إلى مستويات الكفاية، إذ وجد 73.2 في المائة من التلاميذ المغاربة دون المستوى الثاني في القراءة والرياضيات والعلوم مجتمعة، مقابل 19.7 في المائة في متوسط دول المنظمة. ولم يبلغ الحد الأدنى سوى 13 في المائة في القراءة، و16 في المائة في الرياضيات، و23 في المائة في العلوم. أما المتفوقون في مجال أساسي واحد على الأقل فلم تتجاوز نسبتهم 0.1 في المائة، مقابل 11.9 في المائة داخل دول المنظمة. وتكتسب القراءة ثقلا خاصا، لأنها تدخل في فهم المسألة الرياضية والتعليمات العلمية والمعلومة الرقمية، ولذلك يمتد ضعفها إلى مواد أخرى حتى حين لا يكون الاختبار لغويا في ظاهره. وتكشف هذه النسب أن أزمة المدرسة تتجلى في ضعف التميز وتمتد إلى تعثر واسع في المهارات التي يفترض أن يكتسبها التلميذ قبل بلوغه سن الخامسة عشرة، وفي مقدمتها فهم النص واستعمال المعرفة في وضعيات عملية.
خصاص وغياب وفوضى داخل الفصول
ولا تنفصل النتائج عن ظروف التعلم داخل المؤسسات، فقد أفاد مديرو مدارس تضم 69 في المائة من التلاميذ المشاركين بأن نقص المواد التعليمية يعرقل التدريس، وارتفعت النسبة إلى 76 في المائة عند الحديث عن خصاص الطاقم المساعد. ورغم تراجع نسبة التلاميذ في المؤسسات المتضررة من نقص المدرسين من 56 في المائة سنة 2022 إلى 36 في المائة، بقي أثر الخصاص واضحا في باقي موارد المدرسة. وقال 73 في المائة من التلاميذ إن مدرس العلوم يهتم بتعلم كل واحد منهم، وذكر 76 في المائة أنه يواصل الشرح إلى أن يفهموا. غير أن 41 في المائة أفادوا بأن الضوضاء والفوضى تعطل معظم حصص العلوم أو كلها، بينما قال 36 في المائة إنهم لا يستطيعون العمل بصورة جيدة خلالها، بما يكشف محدودية الجهد الفردي للمدرس أمام بيئة صفية مضطربة.
وسجلت إفادات التلاميذ نسبا مرتفعة من الغياب والتأخر خلال الأسبوعين السابقين للاختبار؛ إذ قال 36 في المائة إنهم تغيبوا يوما كاملا على الأقل، و62 في المائة إنهم غابوا عن حصة أو أكثر، و59 في المائة إنهم وصلوا متأخرين. وهي مؤشرات تفيد بأن جزءا مهما من الزمن المدرسي يضيع قبل الوصول إلى قياس أثر الدروس والمناهج. وترى المنظمة أن توسيع التعليم الثانوي ليشمل فئات جديدة يفسر جزءا من الانخفاض المسجل في القراءة والعلوم. لكن اتساع قاعدة المتمدرسين لا يحجب فجوة الجودة التي تكشفها نسب التعثر. فقد تمكنت المنظومة من استيعاب أعداد أكبر، من دون أن تضمن للأغلبية بلوغ المستوى الأساسي في القراءة والرياضيات والعلوم، لتظل المسافة واسعة بين الولوج إلى المدرسة والاستفادة الفعلية من سنوات الدراسة.
الوزارة تستبعد مؤسسات الريادة من التقييم
وفي ردها على النتائج، قالت وزارة التربية الوطنية إن التلاميذ الذين شملهم تقييم 2025 تابعوا مسارهم ضمن النموذج السابق، ولم يستفيدوا من مؤسسات الريادة في الابتدائي أو الإعدادي. وأضافت أن التعثر المسجل في سن الخامسة عشرة هو حصيلة صعوبات تبدأ في السنوات الأولى وتتراكم عبر المستويات، معتبرة أن الدورة الحالية لا تسمح بالحكم على أثر الإصلاح الجديد.
ويرى عدد من المراقبين أن هذا التبرير من الوزارة لا يلغي مسؤوليتها عن حصيلة تلاميذ قضوا سنوات داخل المدرسة العمومية قبل أن يصلوا إلى الاختبار خاصة أن عدد غير المستفيدين يتجاوز ستة ملايين تلميذ، معتبرين أن استبعاد الإصلاح الحالي من نتائج 2025 لا يشكل في ذاته دليلا على نجاحه، بل يضع أثره المعلن أمام اختبار النتائج المقبلة. وبينما تربط الوزارة النتائج بتراكمات النموذج السابق، يؤكد المتابعون أن الأرقام تضع السياسات العمومية أمام حصيلة ممتدة لسنوات، عنوانها اتساع الفارق بين خطاب الإصلاح وما يتحقق فعليا على أرض الواقع في مكتسبات التلاميذ داخل الفصول. وسيظل الحكم على أي نموذج جديد مرتبطا بقدرته على تغيير هذه الحصيلة، لا بحجم انتشاره أو بتعدد أسماء المشاريع التي تدعي حمل لواء "الإصلاح".




