ذ. حمداوي: تجربة الربيع العربي أكدت أصالة التغيير ومطلب الديمقراطية والحرية والكرامة لدى الشعوب العربية

محتويات المقال
قال الأستاذ محمد حمداوي رئيس مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان في سياق حديثه عن انقلاب تونس، وحصيلة 10 سنوات من تجربة تونس بعد الربيع العربي؛ إن الربيع العربي جاء في سياق مفاجئ استجابة لمعاناة دامت عشرات السنين، وكانت الشعوب العربية قبل ذلك خاضت الحروب ضد المستعمر ولما أجلت الاستعمار من بلدانها حكم أبناء البلد وكان الأمل في أن يتحول العالم العربي إلى ما هو أحسن وكانت تجارب متعددة مصحوبة بانتفاضات هنا وهناك تحيي الأمل في التغيير.
الأستاذ حمداوي الذي كان يتحدث إلى جانب الدكتور رياض الشعيبي المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة التونسية في ندوة نظمها مكتب العلاقات الخارجية للعدل والإحسان بعنوان "قراءة في الحدث التونسي ومٱلات الفعل السياسي للحركة"، اعتبر أن التحولات التي وقعت في المنطقة طوال هذه المدة كان أغلبها مرتبطا بالانقلابات العسكرية، وكانت الشعوب تعطي فرصة لهم ليحصل تغيير حقيقي لكن في النهاية خاب أملها في كل هذه التجارب وجاءت فترة الربيع العربي التي انطلقت من تونس ثم عمت المنطقة العربية.
وبالرغم من أن الربيع العربي كان مفاجئا -يقول حمداوي- إلا أنه عبر على أن التغيير والإصرار على الديمقراطية وعلى الحرية والكرامة مطلب أصيل في الشعوب العربية، وليس مطلبا طارئا كما كان يُصَوّر بأن هذه المنطقة غير مؤهلة للتغيير الديمقراطي لأن الشعوب المتحضرة هي صاحبة الريادة في تطور الديمقراطية، لكن هذه الموجة فندت هذا الرأي وأكدت أن التغيير مطلب تتوارثه الأجيال في العالم العربي جيلا عن جيل وأنه لا يسقط بالتقادم.
الثورات المضادة
ولما حصلت ثورات الربيع العربي جاءت ثورات مضادة من أصحاب المصالح، الذين لم يبقوا مكتوفي الأيدي وشنوا حروبا في الإعلام بالإضافة إلى الدعم السياسي المكشوف من أجل وأد هذه الثورات وتسفيه هذا الخيار وإظهاره في مظهر الفاشل وغير القادر على تحقيق الكرامة للأمة، فكانت هناك حروب طاحنة وأي مكان دخلت إلية الثورات المضادة حولته إلى خراب. يقول حمداوي.
وشدد على أن هذه القوى سعت جاهدة من أجل قلب المعادلة باتهام الربيع العربي بأنه هو من أتى بالخراب، في حين أن العكس هو الصحيح تماما، وكل البلدان التي تعيش الآن الدمار والخراب والقمع الشديد هو نتيجة عن الانقلاب على اختيارات الشعوب والتجربة الوحيدة التي بقيت متماسكة وبعيدة عن الدماء إلى حدود اللحظة هي التجربة التونسية، وكل هذه الانقلابات على اختيارات الشعوب جاء بدعم من قوة اقليمية خارجية.
وأوضح حمداوي أن الربيع العربي "كسر قاعدة كون الثورات في العالم العربي ثورات أفراد" موضحا أن المنطقة العربية ليست بدعا من الشعوب لأن الشعوب الآن التي تعيش الديمقراطية فهي سبقتها عشرات السنين من المخاض، فالثورة الفرنسية عاشت قرابة 100 سنة من التدحرج بين الملكية وغيرها حتى استقرت بعد هذا الوقت الطويل على الدولة الديمقراطية وكذلك التجربة البريطانية والإسبانية التي مرت بالحرب الأهلية إلى أن استقرت على المنحى الديمقراطي وضف إليها التجربة الأمريكية التي مرت بسنين من الحرب بين الأمريكيين وبين الجيوش التي كانت تتعاقب على الدخول إلى أمريكا خاصة الإنجليزي.
نرجو ألا تمر بلداننا من هذه الكوارث من الحروب الأهلية، يقول حمداوي، ثم يضيف: "لكن التغيير لا يتم بين عشية وضحاها ولا يمكن أن نحكم على مخرجات التغيير في ظرف وجيز يمثل 10 سنوات".
واعتبر المتحدث أن التطورات رغم المآسي والمعاناة؛ إيجابية، وأن الإصرار سيزداد أكثر، وشدد على أنْ "ليس هناك خيار في المستقبل في المنطقة العربية إلا أن تعود إلى المنحى الديمقراطي وأن تعطى الكلمة للشعوب، وهذا يعضده الآن حالة عامة لانبثاق الوعي لدى الشباب والحرص على إحداث التغيير".
عوامل إحداث الثورات
في حديثه عن عوامل إحداث الانتفاضات في العالم العربي أكد عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان أن العامل الاقتصادي من بين العوامل الكثيرة التي أدت إلى انطلاق شرارة أكثر من انتفاضة بما فيها الربيع العربي نفسه.
وأوضح أنه عندما ترتفع نسبة المشاكل الاجتماعية ونسبة البطالة ويعيش الناس أزمات متتالية فإن كل ذلك من أسباب اندلاع الثورات والاحتجاجات، واعتبر أن "كل المشاكل الاجتماعية هي بسبب السياسات المتبعة المبنية على الاستبداد، والعامل السياسي أساسي لأن الاستبداد يلغي قرار الشعوب في حكم نفسها بنفسها".
وذهب إلى أن "الفساد مشكل عويص في العالم العربي وهو العائق أمام التنمية" موضحا أن هناك تجارب لبلدان تستورد كل شيء وتصدر كل شيء، مثل اليابان التي تستورد المواد الأولية وتضيف إليها التكنولوجيا وما إلى ذلك وتصبح قيمتها أكبر وأدت بذلك إلى نهضة شاملة، بالإضافة إلى المجال المفتوح أمام الحريات منذ عصر الإمبراطور ميجي في القرن التاسع عشر.
مشكل الفساد يضيف حمداوي؛ "يفرز نسبة قليلة جدا قد لا تتجاوز خمسة في المئة من مجموع السكان وهي المجموعة التي تتحكم في دواليب الاقتصاد وهي التي تتصرف في نصف الثروة في البلدان العربية وتهربها إلى الخارج وتسبب حرمانا للأمة من نصيب كبير جدا وهذا أيضا من عوامل اندلاع الاحتجاجات والثورات".
واضاف إلى العوامل التي تؤجج الاحتجاجات عامل التبعية للخارج، وأردف أن "الشعوب التي قاومت الاستعمار كانت مقاومتها من أجل الاستقلال وليس الجلاء العسكري فقط ولكن الاستقلال السياسي واستقلال الشعوب عن العالم الغربي، وللأسف هذا لم يتم وبقيت التبعية مستمرة".
وتأسف لكون السياسات التي يمليها الغرب على وكلائه في المنطقة "هي السياسات التي تخدم مصالحه فقط واستطاع بذلك الحفاظ على الاختلال الفظيع جدا الموجود في العالم لصلاح الغرب ومؤداه أن 80% من خيرات الأرض تتصرف فيها 20% هي في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول في شرق آسيا وتبقى 20 في المئة من الثروة العامة للأرض توزع على 80 بالمئة الباقية من سكان العالم"، موضحا أن الغرب غير مستعد الآن للتنازل والحكم بمنطق العدل، ومجرد المطالبة بالعدل لا يقبله خصوم الديمقراطية وخصوم الحريات في العالم لأنه يعلم أن مسألة العدل بين الشعوب لن تؤدي إلى الحفاظ على مصالحه.
ويرى حمداوي أن من بين الأسباب كذلك التي أدت إلى الانتفاضات؛ "الفشل في التخطيط العلمي للمستقبل عند هذه الدول التي استولت على الحكم في البلدان العربية ولم تخضع فيها مجالات التدبير الاقتصادي والسياسي والمجتمعي لخطط متوسطة المدى وبعيدة المدى حتى تعطي تنمية حقيقية".
ونتيجة عن ذلك -يقول المتحدث- أصبح الارتجال هو سيد الموقف وأصبحت أغلب البلدان مشدودة للتبعية للبنوك الأجنبية وتنتظر الإملاءات من المؤسسات الدولية، وذلك تنطق به الأرقام. وطبيعي جدا لهذه التراكمات أن ينتج عنها ضغط كبير ويأتي الزمن الذي تنفجر فيه الشعوب وتطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية.
الحدث الأخير في تونس
وفي قراءته للحدث التونسي قال الأستاذ حمداوي إن ما حدث في تونس هو "انقلاب على المسار الديمقراطي"، ولفت إلى أنه كان من المفروض أن يحتكم الناس إلى صناديق الاقتراع ويدعى إلى انتخابات سابقة لأوانها، وعندئذٍ الشعب سيختار كما اختار في السابق.
وأوضح أن الشعب هو المخول له عن طريق الانتخابات السابقة لأوانها "أن يعاقب من لم يحقق الأهداف أو برنامجه الذي قدمه للشعب"، مشددا على أن "الانقلاب ليس هو المسار السليم ولا يخدم الديمقراطية ونحن نعرف في التجربة الايطالية عشرات الحكومات والنظام الديمقراطي مستمر، هناك دائما أزمات سياسية ولكن المسار الديمقراطي مستمر والمؤسسات تشتغل والدولة كلها خاضعة للآلية الديمقراطية."
وفي جوابة عن سؤال يرتبط بانعكاس ما حدث في تونس على دول المنطقة قال حمداوي إن هناك ارتباطا بين الدول على المستوى الإقليمي وعلى المستوى الدولي، وعند حدوث أي حدث في منطقة ما فإن تداعياته تكون إيجابية أو سلبية على مسار بناء التجارب الديمقراطية، "لكن ما حدث في تونس بشكل من الأشكال لا يمكن أن يؤدي إلى إجهاض الأمل في التغيير نهائيا، وإنما هي مرحلة من مراحل الصعود والهبوط في مسار الثورات، كما سبقت التجارب السابقة، فقط ينبغي الوعي بهذا وينبغي الإصرار والإلحاح على طلب التغيير، والقيام بكل ما يستدعي تظافر الجهود ورص الصف ضد المستبدين".
قول في مصطلح "الإسلام السياسي"
وفي جوابه عن سؤال مرتبط بمصطلح "الإسلام السياسي" قال حمداوي إن هذا المصطلح عوض مصطلحا قديما في السبعينات والثمانينات هو "الأصولية الإسلامية"، موضحا أن المستهدف منه هو الأمة بصراحة. حيث إن هناك صحوة مباركة في الأمة منذ سنوات والوضع إلى الأفضل في المستوى المجتمعي.
وقال إن هذا التطور يغيظهم "فيعملون صباح مساء من أجل عرقلة معانقة الأمة لدينها وفي التعبير بهذه المصطلحات أرادوا اختزال الإسلام في أركان مظلمة وفي تعبيرات بعيدة عن الفعل المجتمعي والحضور في المجتمع كما يتطلبه وتدعو إليه مبادئ الدين وأهدافه".
وقد بدأوا باستعمال مصطلح الأصولية الإسلامية ولما لاحظوا انتشار الدين وسط المجتمع، وأن الأمة مرتبطة بأصولها الإسلامية، علموا أن هذا المصطلح لا يفي بالغرض، فأرادوا عزل الحركة الإسلامية التي كانت تمثل طليعة الدعوة إلى التدين في المجتمع العربي والإسلامي عن هذا السياق لتبدو بوجه الذي يريد أن يسيس الدين بعيدا عن انتشار التدين في الأمة.
بمناسبة هذا السؤال قال حمداوي "هناك بشائر ينبغي أن نعلمها، أن الحركة الإسلامية عندما جاءت في حدود التسعينات وبداية العشرية الأولى من هذا القرن، كان لها دور في القيام بأعباء نشر التدين في الأمة والآن انتشار التدين أصبح كثيرا جدا وأصبح أكثر من مجرد برامج للحركة الإسلامية إلى أن أصبح ظاهرة في الأمة".
وأضاف أن هذا يخيف الذين لا يريدون أن تعانق الأمة دينها، "وهذا عامل قوة مهم جدا ورصيد للدعوة وللأمة وللحركة الإسلامية على المستوى المتوسط والاستراتيجي".
وتساءل المتحدث "لماذا لا نسمع عن المسيحية السياسية رغم أن هناك أحزابا مسيحية بمرجعية دينية تتصدر المشهد السياسي في مناطق بأوروبا وفي غيرها من بلدان العالم والشأن نفسه يقال عن اليهودية السياسية، لكننا لا نسمع عن هذا إلا في الإسلام وهذا يوضح أن هناك استهدافا واضحا لهوية الأمة" من أجل عزل الحركة الإسلامية عن كيان الأمة.
وشدد على أن العمل السياسي من أدوار الحركة الإسلامية، لأن العمل السياسي هو شأن عام للناس ومستقبل الأمة اجتماعيا سياسيا وأخلاقيا، "والدين الذي لا يهتم بهذا فهو ميت والإسلام يهتم بكل جوانب الإنسان في مجال الاجتهاد".
فمشروع الحركة الإسلامية يقول حمداوي؛ "هو الفعل السياسي وبجانبه بناء الإنسان باعتباره مشروعا كبيرا آنيا واستراتيجيا"، وهو المعول عليه في التغيير العميق داخل المجتمع، وهناك العمل السياسي المحكوم بالتكتيكات على المدى القريب أو المتوسط وقد يحكم بتوافقات وينبغي للحركة الإسلامية أن تسهم فيه بالنصيب الذي يتطلبه، فإذا لم تفقه الحركة الإسلامية هذه المعادلة ستخسر كل شيء.
واشار المتحدث إلى أن جزءا من الحركة الإسلامية وقع في بعض الأخطاء من هذا الجانب، وانساق وراء العمل السياسي ووضع بيضه كله كما يقال في العمل السياسي، ووضع كل رموزه التربوية والدعوية في العمل السياسي وبقيت الساحة المجتمعية فارغة من العمل التربوي أو تصدت له تيارات أخرى.
تابع هذه المداخلة وأكثر في تفاصيل هذه الندوة:









