الباحثة خولة مرتضوي: التسَامُح وقَبُولُ الآخَر في الفِكر الإسلامِي

تناولت الباحثة خولة مرتضوي، خلال مداخلتها في الجلسة الأولى من المؤتمر العلمي الثالث المنظم بعنوان “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا” بالبحث والبسط موضوع "التسَامُح وقَبُولُ الآخَر في الفِكر الإسلَامِي".
وأوضحت في بداية مداخلتها أن "فكرة التسامُح تعنِي في أبسَط معانِيها القُدرَةُ على تقبُّل الرأي الآخر والصَبرُ الجَميل على أشياء لا يُحبُّها الإنسانُ ولا يستسِيغُها، بل يعُدُّها أحيانًا مُعاكِسَة تمامًا لما يدينُه وما يؤمِن بِهِ من أفكار ومعتقدات وأخلاق"، معتبرة أن التسامح "ضرورة حياتيَّة ورُكنٌ أساسيٌ من أركان السلام وانتصار روح الخير على البشريَّة في هذه المعمورَة".
وفي معناه اللغوي أبرزت مرتضوي أن قوامِيس اللغة العربيَّة تكادُ تُجمِعُ على أنَّ التسامُح: "موقِفٌ فِكريٌ وعمليٌ قوامُهُ تقَبُّل المواقِف الفكريَّة والعمليَّة التي تَصدُر من الغَير، سواءً كانت مواقِف موافِقَة أو مُخالِفَة لمواقِفنا". أما اصطلاحا، فيُعَرَّفُ بكونِهِ: "كلمةٌ دارِجَةٌ تُستخَدم للإشارة إلى المُمارسَات، الجماعيَّةِ كانت أم الفرديَّة، التي تقتضِي بنَبذِ التطَرُّف أو مُلاحَقَة كُلِّ من يعتقِد أو يتصَرَّف بطريقَة مُخالِفَة قد لا يُوافِقُ عليها المرء".
ولفتت الإعلاميَّة والباحثة الأكاديميَّة في الإعلام الجديد والدين المقارن إلى أنه رغم أن الباحث في الثقافَةِ العربيَّة الإسلامِيَّة عن معنى التسامُح أو جذرِهِ وأصلِه لا يجِد الكثير من الدِراسات العلميَّة، إلا أنَّ هذِهِ الثقافَة أكَّدَت بعض مبادِئ التسامُح في النصوص القُرآنية الكريمة والسُنَّة النبويَّة الطاهرة.
وأضافت أنه رغم "أنَّ لفظة التسامُح لم ترِد في النصُوص القرآنيَّة، لكن الشريعَة الإسلاميَّة ذهبت إلى ما يُقارِبُه ويُفِيدُ معناه، فالقُرآن دعا إلى التشاوُر والتآزُر والتراحُم والتقوَى والتعارُف وكُلُّها مِن صِفات التسامُح"، كما أنه "أكَّد حقَّ البشَر في الاختِلاف والتنوُّع دُونَ أن يُلغِي حقَّهُم في الائتِلاف والتحالُف". وورد في السنة النبويَّة المُطهرَة ما يفيد أن "التسامُح والمَودَّة والتناصُح والتراحُم إلى غيرها من الصِفات الحميدّة تُوحِّد المجتمع الإنسانِي المُتبايِن".
أمَّا مفهومُ التسامُحِ عندَ الغرب، فأبرزت مرتضوي أنه "دخَلَ مِن باب الفِكر المُعَبِّر عن الصِراع الاجتماعِي المُحاوِل التخفِيف مِن حِدَّتِه.. وقد برهَنَ التارِيخ على أنَّ أغلَب فلاسِفَة عَصر التنوِير في كُلٍّ مِن إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وغيرها مِنَ المُنادِين بالتسامُح؛ لم يكُونوا مُستعِدِّين لتطبيقه وتقبُّل ما يدينُهُ المخالفين لهم".
وفي أهميَّة التسامُح أكدت المتحدثة أن واقِع الحياة يفرض تنوًعًا وثراءً ثقافيًا ودينيًا كبيرًا، "ولولا مبدأ التسامُح لما تقبّلنا، بصدرٍ رحِب، كُلّ هذا الثراء والتنوُّع الذي اقتضَتهُ سُنَّةُ الحياة"، فهو إذن "مُتطَلَّبٌ ضَرورِيٌّ لمواجهَة التزَمُّت والعَداء والتشَدُّد والانغلاق والتعصُّب، والإفراط في الاعتقاد بالتفوُّق على الآخر دينيًا وعِرقيًا وسِياسيًا وثقافِيًا. كما أنَّ التسامُح مع الآخر".
وفي الفكر العربي الإسلامي كشفت مرتضوي أن الإسلام "يتفَرَّدُ على غيرِه من الأديان السماويَّة والفلسفات الشرقيَّة والأيدولوجيات الغربيَّة؛ بكَونِهِ حركةً دِينيَّة اجتماعيَّة وسِياسيَّة، فهو يجمَعُ في ثناياه؛ نزعَة الهِدايَة الرُوحيَّة مع إرادة القوَّة والهيمنَة، وهذا الجَمعُ المثالي يَجعَلُ الإسلام، دونًا عن سواه، ثورةً تاريخيَّة كُبرى غيَّرَت مجرى الحياة"، لولا "الانتكاسة الهائلة التي تشهدها حياة المسلمين في هذا الزمن".
وأكدت المتحدثة على أن "التعَصُّب يجُرُّ من خلفِه التعصُّب، والتسامُح - مع مَن هُو أهلٌ له - يستجلِب التسامُح، والاعتدال يولِّد الاعتدال، والتاريخ الإسلامِي المُشرِق مَليءٌ بالأحداثِ التي تُؤكِّد ذلكم". وساقت لإظهار ذلك أمثلة دامغة (ننشرها كاملة في القابل من الأيام بإذن الله تعالى).
وشددت على أن "دستور الإسلام الخالِد المُتمثِّل في القُرآن الكريم والسُنَّة النبويَّة الشريفة؛ يفيضُ بالمعانِي التي تجعَل التسامُح لُغةً إسلاميَّة أصِيلَة ومعنىً أخلاقِيًا شرعِيًا، وفلسفةً إنسانيَّة جامعَة"، وأن "المنظُومَة السُلوكيَّة والأخلاقيَّة التي جاءَ بها الدين الإسلامِي الحَنِيف، المبنيَّة على الإيثار والإحسان والرِفق والعَفُو والأمانَة والقَول الحَسَن والأُلفَة؛ اقتضَت بالنتيجة الالتزام بمبدأ التسامُح". لتختم ورقتها بالمطالبة بـ"تفعيل مبدأ التسامُح وأخذِهِ من طورِه النظري البَحت إلى طورِ التشغِيل التطبيقي".








