هل رآنا!؟

Cover Image for هل رآنا!؟
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بقلم: ذ. نصير موغا

هذه شهادة أطفال تعلقوا بالإمام رغم حداثة سنهم، ورغم صعوبة اللقاء، التي كانت تحول بينها مجالس، ومجاز أراض ومنازل، لكن لم ينقصهم التعلق الخالص الساذج بأطراف جلبابه، تعلقهم بالآباء الأولياء.

لقائي بالإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، ولمثل من كان في سني يكون مليئا بالغرائب، عذب حلو كنغم يبعث في سامعه الأنين ويحرك فيه الشوق والحنين: فيين فين عبد السلام ياسين، فيين فين عبد السلام، محاصر من سبع سنين!  

طبعا إنكم تتذكرون النشيد، ولكنا كنا نعيد تعديله كل سنة من سبع إلى ثمان إلى… زمن الحصار.

ليس هذا أول عهدي بمعرفة الإمام -لم نكن نقول إمام كنا نقول الأخ المرشد- بل من بضع سنوات من قبل، لعله صيف 1996 م.

لم يحملني للتعرف عليه قلق فكري أو يتم روحي أو إعجاب حركي! كما يحدث مع كثير من الإخوة السابقين، فقط كنا نلعب! أطفال يلعبون رفع عنهم عقال التقدير لا يأبهون لأهمية أو خطورة موقف. مرفوع عنا التكليف والحمد لله.

آه لقد تعبنا من الجري خلف الكرة!

أكف مجروحة من كثرة السقطات على الأرض، دماء ساخنة في أجسامنا، لا نستشعر ألم الجرح حتى نغسل ونبرد ونحن مسترخون أمام شاشة التلفاز نشاهد ذاك المنتفخ الوجه، النازل بمظلته من السماء.

… وداعا محمد وداعا بلال إلى اللقاء عادل هممت بالمغادرة… مهلا إنهم يتهامسون!!

ماذا تقولون؟ مقطب الحاجبين التفت إليهم باندهاش! أو غضب!  لم أعد أذكر، لعله بعد أن تتجاوز عقدك الثالث ببضع سنوات، قد تغيب عنك حقيقة ذاك الشعور.

التفت بعضهم إلى بعض!  تيقنت أنهم يكتموني سرا، أنا صديقهم لما يفعلون معي ذلك!؟ تساءلت في نفسي باستعجاب!

لا، لا، لا شيء!

أصريت، ماذا هناك؟!

ما أسهل أن يستنطق الصغار بعضهم بعضا، فبيننا مصالح متبادلة نبتز بها بعضنا، قد يخسرون متعة لعب إن غاب عنها فرد منا. ربما لقلة الأولاد في الحي.

… نحن سنذهب إلى “جمعية” نتعلم “الإنشاد”.

حسننا إذا سأذهب معكم.

لا، لا، لا يمكن ذلك حتى نستشير ونخبرك.

وهكذا توالت معرفتي بالإمام بقراءة كتبه وحديث المؤمنين عنه، بدأت بقراءة رسالة التذكير، إنه كتاب صغير الحجم يمكن أن تضعه في جيبك فلا يلحظه أحد، فقراته صغيرة، عناوينه لم أعرف ما الذي يجمع بينها، لكنها على ما فهمت أخلاق جميلة، على الإنسان أن يتصف بها .

صحبة وجماعة، ذكر، صدق، علم، عمل، بذل، سمت حسن، تؤدة، اقتصاد، جهاد، شيء جميل! كلمات جميلة! أعتقد أنني أعرف هذه الكلمات، العلم هو أن أتعلم والذكر أن أذكر الله والصدق ألا أكذب وهكذا طبعا.. أكيد! ليس البذل والتؤدة والسمت الحسن فلم أسمع بهم من قبل.

ثلاث سنوات كافية لكي يعرف طفل ما الذي يدور حوله ويعرف الكثير مما يستوعب سنه.

في إحدى أيام 2000م، جاء إلي أحد التلاميذ قال لي: نصلي اليوم في مسجد الأمة العصر، وسيزورنا سي عبد سلام ياسين، لا تخبر أحدا! تهيئ! سأمر عليك في طريقي..

أخبرت والدتي وانطلقنا، كان هناك الكثير من الناس يمرون من طريقنا رجال ونساء وشباب، هل وصلهم خبر زيارة المرشد، أم أنهم فقط متوجهون إلى حال سبيلهم! لا أعرف! ولا أعرفهم، هم أيضا لن يعرفوا أني متوجه إلى هناك .

اقتربت أنا وصديقي لباب المسجد الغاص بالناس، هنا تيقنت أن مسيرة الجموع السائرة كانت ترافقنا دون أن ندرك ذلك.

سنصلي خارجا إذا! ليس بأيدينا ما نفترشه، نزعت حذائي، وضعت قدمي الحافيتين على سطحه المغبر قليلا من أثر الطريق.

كنت مرتبكا لم أصل على الجص اليابس من الطريق قبلا، لا أعرف ما الذي سيحدث هل يلقي المرشد خطابا من داخل المسجد كيف سأراه وهل أسمعه، هل تأتي الشرطة في أي لحظة وتفض الجموع!؟

… آه الأرض قاسية على ركبتي وجبهتي، وبصبر أنزع الحصى المتبقي على جبهتي في انتظار إمام المسجد أن يسلم لنقوم من الصلاة.

تحركت الجموع، إلى أين يذهبون!

أين صديقي فأنا لا أراه لعلي فقدته!

… هل سيعودون إلى منازلهم، والتفت أبحث عن أثر لصديقي لم أجده لقد اختفى وسط الجموع.

الجموع!! إنهم يتحركون في اتجاهات مختلفة، لكن في مسار واحد.

… ها أنا أتبعهم شارع بعد شارع، زقاق هناك ثم أرض خلاء، غبار الأقدام يتعالى ويتطاير، أشعر بيبوس في حلقي .

أنا فقط أتبع الناس!

هل حقا أنا على المسار الصحيح، لا أعلم لا يبدوا لي أن أحدا يعلم، أخذ التعب يعصف بي، المكان بعيد والحذاء الجلدي المتصلب يدمر قدمي…

ها هو المركب الرياضي المغطى، إن للمكان هيبة بسقفه العالي وشساعته، ممتلئ بالناس واللافتات .

أخذت مكاني من الأرض، أشعر بعطش شديد، ألتفت يمينا ويسارا، بجانبي رجل بين ذراعيه طفلان صغيران، بجانبه قنينتان صغيرتان من ماء، فقط في إحداهما ما يبلل الريق.

عمي على استحياء، هل أشرب ما تبقى؟ نعم خذ!

لم أرو عطشي، لعل الماء تبخر بين شفتي قبل أن يصل إلى حلقي.

ها هي كأس هناك! صب لي سيدي أرجوك!  شكرا لك! والحمد لله.

انتبهت وكأني استيقظت من نوم واستأنفت اكتشاف المكان وتلمس وجوه الناس الفرحة، المتحمسة، المتلهبة بالشعارات، واعتلى المنصة عروسها !!

إن منصة كهذه! بعيدة عالية بالنسبة لطفل في الثانية أو الثالثة عشرة سنة، والسنون كذلك طويلة صعبة على التذكر، ولكن كان هناك ما يعلق بالأذهان.

ملَك من ملائك الأرض محاط برجال كأجنحة بيضاء على منابر من نور الجلال والهيبة، تحدث بكلمات وترجل وتنزل الصمت، كسكينة المجالس على الحاضرين، لم أسمع جيدا أو لم أفهم جيدا أو لعل بعد المكان والزمان أو بكاء الصبيان، فقط أنا رأيته شامة وسط الإخوان.

فهل رآني يا ترى؟!

وانصرفنا يعمنا الله بحفظه، ويعمنا المساء! لعلها تكون هناك لقاءات أو زيارات أخرى، إن الزيارات كالنعمات تتنزل من السماء بقدر مقسوم.

ومرت سنون…

واشتد العود، والزيارة صعبة. بل ليس لكل التلاميذ الحظ لزيارة الإمام. وتوقفت الزيارات لمرض المرشد…

 

سألته يوما! لما لا تزورنا سيدي عبد السلام؟!

ونحن نتقاسم صحن زيت، وزيتون، وقطعة جبن، وخبز، متوفزين على الأرض، قال لي: أنا آتيكم لكنكم لا ترونني! فنظرت إليه كأني متعجب، فأخذني إليه وغطني إلى حجره وضمني بشدة، واستيقظت على إثرها، ومازلت أحس ثقل ضمته إلى الآن!

 وتوالت زيارات من أخواتها من عالم الغيب، والحمد لله.

وزيارات أخرى من مجالس الأحد خلف سجف روابط الأنترنت المباشرة، يتعاهدنا على حفظ القرآن قبل الموت، من له العزم والنية على حفظ كتاب الله قبل موته فليرفع يده؟ فنرفع أيدينا نحن متفائلين بالعزم خلف تلك الشاشات، فهل رآنا؟!

فرحم الله الإمام عبد السلام ياسين وجزاه عنا خير جزاء.