معالم المواجهة مع رجال الدعوة والإصلاح.. الإمام المجدد عبد السلام ياسين نموذجا

Cover Image for معالم المواجهة مع رجال الدعوة والإصلاح.. الإمام المجدد عبد السلام ياسين نموذجا
نشر بتاريخ

رأينا في المقالات السابقة حجم العداء والإيذاء والمحن والمعاناة والعقبات والحروب الطاحنة التي تجاوزت المائة بين الغزوات والسرايا، التي واجهها الرسول عليه الصلاة والسلام لمدة 23 سنة حتى أتم الله تعالى عليه الدين وأظهره على العالمين.

وصدق الرجل الفاضل ورقة بن نوفل حينما قال للرسول صلى الله عليه وسلم “لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي” (سيرة بن هشام). وهذا القول موجه إلى رجال الدعوة والإصلاح ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، الذين اختارهم الله واصطفاهم لحماية الدين ورعاية الأمة وأمنها الروحي.

فلقد تعرض هؤلاء الرجال منذ الانكسار التاريخي؛ لما انتقضت عروة الحكم انتقاض الخلافة على منهاج النبوة وظهور الملك العاض الذي يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه، ثم ظهور الملك الجبري الدكتاتوري بلسان العصر، إلى أشكال مختلفة ومتنوعة من الظلم والعداء والقمع والاضطهاد وتكميم الأفواه والإقصاء الفكري والتصفية الجسدية واغتيال النفس بعد اغتيال العقل. ويكفي أن نستقرئ معالم المواجهة مع أئمة المذاهب المشهورة في تاريخ المسلمين لنجد أن الإمام أبا حنيفة النعمان رحمه الله مات في السجن بعدما عذّب، والإمام مالك رحمه الله عذب وسجن وأصيب في السجن بمرض قاتل مات عل إثره، والإمام أحمد رحمه الله عذب وسجن، أما الإمام ادريس الشافعي رحمه الله فكان أسعدهم حظا بعدما نجا من الموت المحقق بعد أن عفا عنه الرشيد ولكنه أصيب بمرض قاتل كان سببا في وفاته نتيجة لكثرة ترحاله فوق ظهر الحصان فارا من بلد إلى بلد خوفا من السيف. ويكفي أيضا أن نتذكر مذبحة الإمام الحسين والإمام زيد رضي الله عنهما وهما من عترة آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكيف قتل الإمام الورع سعيد بن جبير رحمه الله. دون أن ننسى أيضا الإمام ابن تيمة رحمه الله الذي مات في السجن، والإمام ابن حزم رحمه الله الذي مات مطرودا، والإمام بقي بن مخلد رحمه الله الذي قتل شر قتلة، وكيف قتل الإمام البنا رحمه الله، والشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى. والنماذج من هؤلاء الرجال مستفيضة في تاريخ المسلمين، جاهدوا في الله حق جهاده لكي يستقيم دين رسولنا المجاهد الشهيد عليه الصلاة والسلام.

وفي هذا المقال، نبرز معالم المواجهة مع رجل من رجالات الدعوة والإصلاح الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، باعتباره من كبار العلماء العالمين في زمننا.

لقد واجه الإمام المرشد المجدد أشكالا وأساليب مختلفة ومتنوعة من المواجهات العدائية والعدوانية الظالمة، نجملها في واجهتين رئيسيتين في حياة الإمام رحمه الله.

1- مواجهة فكرية متطرفة

ما إن صدر كتابه “الإحسان الرجال”، حتى انهالت عليه سهام التبديع والتكفير من طرف تيارات دينية فكرية وهابية، لا لسبب إلا لأنه جاء بأفكار جريئة تفرّد بها وخرج بها عن المشهور، مسكوت عنها وأريد لها أن تظل منكفئة ومغيبة، ولأنه أعاد الاعتبار للجانب الإحساني -الفقه المغيب- وأراد أن يمارس حقه العلمي الاجتهادي المشروع في النقد الإسلامي، هذا بشهادة الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله الذي شكر الإمام قائلا “جزاك الله خيرا صرحت بما لا نستطيع التصريح به” (الإحسان، ج 1، ص 8). يقول الإمام ياسين “حاولت في الفصل المنشور منذ سنوات بعنوان -الرجال- أن أضع بين يدي العقلاء نماذج من علماء المسلمين وأفذاذهم الذين بحثوا عن عارف بالله يربيهم. وانهالت علي من بعض الناس حملات تؤكد جهد إيمانها أن مؤلف كتاب -الإسلام بين الدعوة والدولة- لايزال سادرا في غيه مصرا على ضلاله ناشرا لبدعته وكفر الناس. يا من لا يتورع ولا يحب أن ينزل لحظة عن رئاسته ليتعلم. سبحان الله واحد أمضى بحول الله وتوفيقه تسعا وعشرين سنة في رحاب عمل الليل والنهار وجهد العقل والجسد والقلب ضال مضل. وواحد قرأ ورقات شتم ولعن وسب وتكفير في الصوفية كلامه حجة سبحان الله” نفس المصدر.

2-مواجهة مخزنية ظالمة

منذ أن أرسل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى إلى الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله رسالة النصيحة الخالدة الإسلام أو الطوفان، والدولة المخزنية تنوع أساليبها وأشكالها الظالمة وتستعمل جميع الوسائل القمعية والعنيفة في مواجهة الإمام بهدف إيقاف أنشطته الدعوية وتجفيف منابعه الحركية. وأقتصر هنا على ذكر بعض تلك الوسائل، والا فهي كثيرة ومتعددة.

أ‌- المواجهة بالمنع والمصادرة

إن المتتبع لذاكرة الإمام عبد السلام ياسين يلحظ الكم الهائل من القمع والظلم، والحجم الكبير من التعسف السلطوي الذي مارسته الدولة المخزنية في حقه؛ فقد سعت إلى تكميم فمه وكبح حريته الفكرية وردع نشاطه الحركي والدعوي وإيقافه باستعمال أسلوب المنع والمصادرة، وهكذا منعته الدولة المخزنية من التواصل مع فئات مختلفة من المجتمع سواء عامة الناس أو النخب، إما بمنعه من إلقاء الدروس في المساجد، وإما بمنع إصدار المجلات وتوزيعها في ربوع الوطن بتهديد وتخويف أرباب المطابع من طبع هذه المجلات و الكتب، وكذا أصحاب دور النشر والمكتبات من نشرها أو بيعها، أو بمنع المتعاطفين والزوار الوافدين لحضور دروسه في بيته وترهيبهم. كما استعملت الدولة أسلوب مصادرة منشورات الإمام من مجلات وجرائد وكتب حتى لا يصل فكره وعلمه إلى الشعب. وقد طال المنع ليشمل كتب الإمام رحمه الله التي تعتبر عصارة فكره وتنظيره من أن تعرض في المكتبات وفي معارض الكتب التي تنظم في الوطن، بل ومنع كل نشاط يبرز مكانته العلمية والفكرية على غرار السعي في منع الندوة العالمية حول موضوع “نظرية المنهاج النبوي للإمام في التغيير” بتركيا. وإلى حدود الآن لازالت كتب الإمام ممنوعة من العرض في المكتبات والمعارض، ولازالت الأنشطة التي تعرف بمكانته العلمية والمعرفية ممنوعة ومحاصرة.

ب‌- المواجهة بالاعتقال التعسفي

كان من مآلات رسالة الإسلام أو الطوفان التي أرسلها الإمام عبد السلام ياسين إلى الملك الحسن الثاني رحمهما الله، هو استعمال الدولة المخزنية أسلوب الاعتقال التعسفي في مواجهة الإمام دون محاكمة، حيث تم الزج به في مستشفى الأمراض الصدرية لربما ليصاب بمرض السل القاتل وبهذه الطريقة تتم تصفيته، وقد حمل معه فعلا أمراضا صدرية من هذا الاعتقال وما تبعه من سجن وحصار إلى بقية حياته. ثم بدا للدولة المخزنية بعد ذلك أن تزج به في مستشفى الأمراض العقلية لربما يجن فتتخلص من معارضته الشرسة، لكن الله تعالى ثبته ونجاه وحفظ عقله، يقول رحمه الله في حوار غير منشور “كانت سنة 1394 هجرية الموافق 1974 ميلادي، فكتبت فيها رسالة الاسلام أو الطوفان وتعلمون ما حدث بعد ذلك من اعتقال سنة ونصف في مستشفى الأمراض الصدرية وسنتان في مستشفى الأمراض العقلية” (معالم في سيرة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله).

ج- المواجهة بالسجن

لقد استعملت الدولة المخزنية كذلك أسلوب غيابات السجن الظالم لتوقيف أنشطة الامام رحمه الله الدعوية والحركية  بتهم واهية، ففي سنة 1983 أودعت الدولة الإمام في السجن لمدة سنتين بسبب نشر مقال في مجلة الجماعة بعنوان “قول وفعل”، ينتقد فيها رسالة الملك الراحل التي تحدث فيها عن الإسلام ومستقبله بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري، يقول رحمه الله “أخبرت فيما بعد من مصادر مطلعة عما يجري وراء الستائر أن السبب الحقيقي لاعتقالي يومئذ هو ما كنت كتبته في مجلة الجماعة بعنوان قول وفعل، وتعرضت في هذه المقالة لنقد شامل كامل للإسلام الرسمي. كانت صدرت في ذلك العهد بمناسبة بزوغ القرن الخامس عشر الهجري” (حوار غير منشور).

د- المواجهة بالإقامة الجبرية

لما فتح الله تعالى للإمام رحمه الله قلوب العباد من مختلف تلاوين المجتمع المغربي، فدخلوا في تنظيم الجماعة الحركية التي أسسها -جماعة العدل والاحسان- أفواجا وانتشر إشعاعه الدعوي والفكري والحركي، استعملت الدولة المخزنية أسلوب الإقامة الجبرية سنة 1989 في مواجهته، ففرضت عليه حصارا شاملا وذلك بمحاصرة بيته ومنعه من مغادرته واستقبال الناس فيه من أعضاء الجماعة وأحبابه والمتعاطفين معه أو التواصل المباشر مع النخب المختلفة من المجتمع، لشل أنشطة الإمام الدعوية والحركية. وقد دام هذا الحصار الغاشم 10سنوات كاملة.

كانت تلك بعض من أهم معالم ما تعرض له الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في حياته من ابتلاءات، وهي تعكس خط المواجهة الذي يجابه به ورثة الأنبياء والدعاء والمصلحون في كل عصر ومصر، ومنهج تدافع الحق ورجاله والباطل وأهله حتى يحكم الله بين الفريقين وهو أحسن الحاكمين.