رسالة الأمين العام في ذكرى تأسيس “العدل والإحسان”

Cover Image for رسالة الأمين العام في ذكرى تأسيس “العدل والإحسان”
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بمناسبة احتفال جماعة العدل والإحسان بالذكرى الأربعين عاما على انطلاقتها، توجّه فضيلة الأمين العام الأستاذ محمد عبادي بكلمة جامعة ضمت بين ثناياها رسائل تخص الصف الداخلي للجماعة، وأخرى توجه بها إلى أطياف المجتمع العاملة لمصلحته، وثالثة لأبناء الأمة العربية الإسلامية.

“إننا نعتبر صحبتنا لمؤسس الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله من أعظم النعم التي منّ الله بها علينا” تأكيد على فضل المؤسس الأول، بدأ به فضيلة الأمين العام رسالته، مذكرا بعمل الإمام الذي تركه مبثوثا في أعضاء جماعته، حيث ربَّى “أجيالا من المؤمنين والمؤمنات، ورثوا منه روحانيته، وهمته، وشجاعته، وتبَتلَه، وهمَّ لقاء الله، والاهتمامَ بأمر الله، كل حسب استعداده. وتعلموا على يديه أنجع أساليب التدبير والتسيير والدعوة، وألطف طرق التعامل..”. تربية أنتجت “أطراً وكوادر يضرب بهم المثل في الجدية في العمل، والتفاني في خدمة الوطن كل حسب تخصصه”.. وهو ما “جلب على الجماعة بأس الدولة ونقمتها..”.

وخاطب الأمين العام أبناء الوطن أن “هلمّوا إلى مائدة الحوار، نرسي فيها قواعد وأسسا نبني عليها صرح وطن يسع الجميع، ويضمن لكل أبنائه حياة العزة والكرامة، وطنٍ تسوده الأخوة والتكافل والتعاون. ولن تجدوا منّا إلا إخلاصا وصدقا ووفاء..” بعد أن طمأنهم بأننا جميعا ذات واحدة، تسري علينا الإساءة كما السعادة.

وحذر المتحدث أبناء الأمة الإسلامية من الاستجابة “للدعوات الجاهلية التي تثير الفتن، وتشعل الحروب والعداء بين الأقطار، وبين الطوائف والمذاهب، والعرقيات والإديولوجيات”. داعيا “كل من له غيرة وتأثير في المجتمع من الربانيين والمصلحين، والنخب والمفكرين، أن ينزرعوا في جسم الأمة ويذكروها بالله وبالآخرة، ويبثوا في أوساطها معاني الحب في الله، ومعاني الفتوة والرجولة حتى يتحرك كل قطر للتخلص من هيمنة الاستكبار العالمي وأزلامه في الداخل”.

هذا نص الرسالة كاملا:

سادتي سيداتي، إخواني وأخواتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نتوجه إليكم بهذه الكلمة المقتضبة بمناسبة احتفال جماعة العدل والإحسان بذكرى الأربعين عاما من عمرها. احتفال نتذكر فيه ما منّ الله به علينا من نعم خلال هذه المدة فنزداد شكرا لله طمعا في المزيد {ولئن شكرتم لأزيدنكم}. ونتواصل فيه مع إخواننا نطلعهم على بعض أنشطتنا وبما ننوي القيام به طلبا لنصحهم وتوجيهاتهم.

وأقول وبالله التوفيق: إننا نعتبر صحبتنا لمؤسس الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله من أعظم النعم التي منّ الله بها علينا. فهذا الرجل هاله ما تعيش الأمة من أحوال مزرية فعكف على باب الله شهورا وأعواما يستخير الله تعالى، ويستلهمه طريق الخلاص بعدما منَّ الله عليه بمعرفته، فهداه الله تعالى إلى رسم خطة تسهم في تجديد دين الأمة والنهوض بها، أسماها المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، تأسيا بخطى الحبيب صلى الله عليه وسلم ترجمها إلى واقع ملموس، حيث ربَّى عليها أجيالا من المؤمنين والمؤمنات، ورثوا منه روحانيته، وهمته، وشجاعته، وتبَتلَه، وهمَّ لقاء الله، والاهتمامَ بأمر الله، كل حسب استعداده. وتعلموا على يديه أنجع أساليب التدبير والتسيير والدعوة، وألطف طرق التعامل الرفيق مع الوالدين والأولاد والأزواج وعامة الناس، وارتبطت أرواحهم به، وببعضهم البعض، فأصبحوا بنيانا مرصوصا، وأصبح لكل فرد منهم ذكرا أو أنثى نصيب من الورد النبوي، وجلسات للذكر والدعاء، والاستغفار وحفظ كتاب الله وتلاوته، وصيام الأيام الفاضلة، بله الحضور في المجالس التربوية والتعليمية والتكوينية التي تقيمها الجماعة.

هذه التربية هي التي بنت جماعة العدل والإحسان، وأحيت أجيالا من الشباب انتشلتهم من الغواية والضلال، وغرست فيهم معاني الفضيلة والرجولة. فكثير منهم أصبحوا اليوم أطراً وكوادر يضرب بهم المثل في الجدية في العمل، والتفاني في خدمة الوطن كل حسب تخصصه.

وفي المجال المعرفي أبرزت هذه التربية طلائع من الباحثين والكتاب والعلماء والدعاة، يشفُون الغليل في محاضراتهم وندواتهم وحواراتهم، وبحوثهم الفكرية العميقة التي بدأت تفد على المطابع والمكتبات.

ولم يكن المجال النسوي أقل استفادة من هذه التربية، ولئن تأخر نسبيا تأسيسه فهو اليوم يضاهي تنظيم المؤمنين عددا وفاعلية ومشاريع، وقد يتفوق عليه في بعض المجالات. فللمؤمنات في جماعة العدل والإحسان استقلال كامل في تدبير شؤونهن التربوية والتعليمية والدعوية وغيرها، وبرز منهن رائدات في مجالات شتى؛ كل ذلك في تنسيق وتعاون بين المؤمنين والمؤمنات فيما هو مشترك من الأعمال والمهام والوظائف.

أما المجال السياسي والحقوقي والنقابي فلا يخفى على المتتبع ما تسهم به الجماعة من جهود لإغنائه، لأنه نشاط ميداني ظاهر للعيان. ولا يسمح الوقت للاستفاضة في ذكر ما حققته الجماعة خلال هذه الأربعين عاما من المنجزات، بل ما حقق الله على يدها، نذكرها تحدثا بنعمة الله علينا لا افتخارا واستعلاء. فقد كان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يوصينا باحترام خلق الله والنظر إليهم بعين الإجلال والتقدير وأن لا نبخس الناس أشياءهم.

هذا الحضور القوي في الميدان، هو الذي جلب على الجماعة بأس الدولة ونقمتها، فهي في كل مرة تبتكر أساليب ماكرة لتشتيت صفها ومحوها من الوجود، ظنا منها أن هدف الجماعة هو الاستلاء على السلطة، وزحزحة الحكام عن كراسيهم، ولا يخطر في بال أحد منهم ما نكن لهم من الشفقة حرصا على مصيرهم الدنيوي والأخروي، كما كان يقول الأستاذ عبد السلام ياسين، وبهذه المناسبة نقول لمن يعادينا منهم اربأوا بأنفسكم فضرباتكم المتتالية للجماعة لن تثنينا عن منهجنا بل تزيدنا قوة وصلابة وتغلغلا في المجتمع، فإن كانت الجماعة على الباطل فسيكفيكم الله شرها لأن الباطل كان زهوقا، وإن كانت على هدي الله ورسوله فلن تضروها إلا أذى، ولن تضروا إلا أنفسكم هدانا الله وإياكم سبيل الرشاد.

وبهذه المناسبة كذلك نريد أن نطمئن أبناء وطننا بأننا وإياهم ذات واحدة، يسيئنا ما يسيئهم، ويسعدنا ما يسعدهم، وأننا لن نألوَ جهدا في الدفاع عن المستضعفين والمظلومين، وأننا مجندون في الدفاع عن الوطن وقضاياه، ولن يهدأ لنا بال حتى ينال كل فرد في هذا البلد حريته وكرامته وحقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

إن ما نراه من استفحال للظلم والفساد، ونلمسه من مخططات خبيثة تستهدف الإجهاز على قيمنا وهويتنا بنشر الرذيلة في أوساط شبابنا وشاباتنا، وما تعرفه بلادنا في الآونة الأخيرة من غزو صهيوني مكثف، طال كل مرافق الحياة، جعلنا خائفين على مصير مغربنا الحبيب، فإن لزم كل منا الصمت والحياد فسيدركنا الغرق جميعا. ولذا تجدنا في كل المناسبات نوجه النداء لأطياف المجتمع نقول لهم هلمّوا إلى مائدة الحوار، نرسي فيها قواعد وأسسا نبني عليها صرح وطن يسع الجميع، ويضمن لكل أبنائه حياة العزة والكرامة، وطنٍ تسوده الأخوة والتكافل والتعاون. ولن تجدوا منّا إلا إخلاصا وصدقا ووفاء. ولن نتخلى أبدا عن مبادئنا ومن ضمنها اللاءات الثلاث التي رفعناها شعارا؛ لا للعنف مهما أوذينا، ولا للتبعية للخارج مهما كانت الإغراءات، ولا للسرية التي نعتبرها سلوكا صبيانيا يهدد أمن المجتمع وسلامته. فالوضوح في الأهداف والمواقف أمرٌ تربّينا عليه ولن نحيد عنه أبدا إن شاء الله.

هذا نداؤنا لأبناء وطننا. أما نداؤنا لأبناء أمتنا فإننا ندعوهم وإيانا أن لا نستجيب للدعوات الجاهلية التي تثير الفتن، وتشعل الحروب والعداء بين الأقطار، وبين الطوائف والمذاهب، والعرقيات والإديولوجيات. وندعو كل من له غيرة وتأثير في المجتمع من الربانيين والمصلحين، والنخب والمفكرين، أن ينزرعوا في جسم الأمة ويذكروها بالله وبالآخرة، ويبثوا في أوساطها معاني الحب في الله، ومعاني الفتوة والرجولة حتى يتحرك كل قطر للتخلص من هيمنة الاستكبار العالمي وأزلامه في الداخل. فإذا تحررت الأقطار واستعادت قوتها، سهل بذلك مدُّ جسور التنسيق والتعاون بينها استشرافا لتوحيد الأمة تحت حكم راشد قائم على العدل والشورى. وحدة يستوجبها الشرع، وتستوجبها المصلحة والمسؤولية. فمسؤولية الأمة تجاه البشرية هي تحريرها من كل طغيان وإخراجها من الظلمات إلى النور، طوعا لا كرها، هذا ما تفيده الآية الكريمة {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، ووضعنا الحالي لا يؤهلنا لأداء هذه المسؤولية. أما إذا توحدنا وشكلنا قوة اقتصادية، ونهضة علمية، ووظفنا كل إمكانياتنا الهائلة المادية والمعنوية، فسنكون إن شاء الله تعالى سندا وعونا وملاذا للمستضعفين في الأرض من كل الأجناس، وسنسعى لتوطيد علاقة الأخوة الآدمية معهم لنقف سويا في وجه الطغاة المستكبرين الذين يستعبدون الناس بغير حق، ويستأثرون بثروات الأرض يحرمون الفقراء من حقهم منها. فرسالتنا هي رسالة رحمة ومحبة وسلام.

والمرجو من إخواننا وأخواتنا في جماعة العدل والإحسان، ومن كل المسلمين أن يرتقوا إلى مستوى هذه المسؤولية ليرى العالم تجليات هذه الرسالة في سلوكنا ومعاملاتنا ومواقفنا، وفقنا الله لذلك. والسلام عليكم ورحمة الله.