سؤال في التزكية | 4 | ما العلاقة بين التزكية والنصر؟

تحدث الأستاذ عبد الكريم العلمي، في الحلقة الرابعة من سلسلته "سؤال في التزكية" التي تبثها قناة الشاهد الإلكترونية، عن النصر بما هو "ثمرة مهمة من ثمرات التزكية في الأمة"؛ مقتصرا على "إشارات لأربع قضايا"، على اعتبار أن الموضوع "مترامي الأطراف، بعيد الغور".
الإشارة الأولى، هي اقتران التزكية بالنصر؛ فالشرط في أن ينصرك الله عز وجل هو أن تنصره، وهو الغني عنا سبحانه وتعالى، يقول المتحدث، منطلقا من قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد ﷺ: 7]. وقوله سبحانه: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 40].
وأوضح عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان أنه "بالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وإلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلى تاريخ المسلمين نجد هذه الحقيقة ماثلة قوية، وقد كانت بالفعل حاضرة في قلوب وإرشاد أئمة الهدى والمسلمين كلهم".
ولتجلية ذلك أورد بعض المقتطفات من رسالة سيدنا عمر بن الخطاب لسيدنا سعد بن أبي وقاص وجنوده رضي الله عنهم في القادسية، جاء فيها: “إنّ ذنوب الجيش أخوفُ عليهم من عدوّهم.. ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله؛ ولا تقولوا إن عدوّنا شر منا فلن يسلّط علينا وإن أسأنا؛ فربّ قوم سلّط عليهم شرٌّ منهم (…) واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم”، ولم يستثن رضي الله عنه نفسه فقال: "أسأل الله ذلك لنا ولكم".
وفي نفس المعنى ساق كلاما لسيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه، قال فيه: ”يا أيها الناس اعملوا صالحا قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم”. ولسيدنا الفضيل بن عياض رحمه الله حين قال للمجاهدين عندما أرادوا الخروج للجهاد في سبيل الله: ”عليكم بالتوبة، فإنها ترد عنكم ما لا ترده السيوف”.
وأضاف أن "الأقوال والمواقف في هذه المعاني أكثر من أن تحصى أو تستقصى، ولنعد إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته لنجد معنى اقتران التزكية بالنصر بارزا واضحا، ولنقارن على سبيل المثال بين غزوتي بدر وأحد أو بين غزوتي الأحزاب وحُنين، لنجد هذا المعنى الدقيق كمالا ونقصا".
وفي الإشارة الثانية تحدث عن النصر مع الصبر؛ مبينا أنهما "أمران متلازمان تلازم التزكية مع النصر، والصبر شعبة من أعظم شعب الإيمان، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإنَّما النَّصرَ مع الصَّبرِ”. وقال بعض السلف: “إنما النصر صبر ساعة”. وقد تطول الساعة وتشتد، ولكن العاقبة لمن يحبهم الله عز وجل، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ".
ونبه إلى أن هذه الحقيقة العظيمة توج بها الله عز وجل الصابرين في قوله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146]. وقوله سبحانه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: 34].
وجعل الإشارة الثالثة هي النصر بعد الاستضعاف؛ وهذه سنة من سنن الله تعالى التي يؤكدها القرآن وتؤكدها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الأستاذ العلمي مستشهدا بقول الله عز وجل: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [القصص: 5].
ولفت إلى أن هذا "الاستضعاف قد يبلغ مداه، وقد يصل إلى حد لا يوصف، ولكن سنة الله عز وجل لا تتبدل وكلمته لا تتخلف حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنجي مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف: 110]. وهذه السنة الرحمانية بدأت مع سيدنا نوح ﷺ: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ [القمر: 10-14]، وختم الحق سبحانه وتعالى هذه السنة في أنبيائه بخاتمهم عليه وعليهم الصلاة والسلام، فعندما نرجع إلى سيرة الرسول ﷺ والصحابة الكرام نجد هذا الأمر جليا، فالله سبحانه وتعالى أخرجهم من الاستضعاف المذهل إلى التمكين والظهور والنصر المعجز".
وأرشد الأستاذ العلمي إلى أن التزكية عامل حاسم وليست العامل الأوحد، في إشارته الرابعة، و"هذا معنى يؤكده قول الله عز وجل: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: 60]. والقوة هنا بإطلاق؛ القوة المادية والتدبيرية والسياسية والفكرية وقوة الحجة والبرهان… وليس في الأمر تعارض"، يوضح المتحدث ويزيد: "فالتزكية والتقرب إلى الله تعالى عامل قوة حاسم لكنها لا تغني عن الإعداد في كل مجالات القوة الأخرى. لكن المحظور أن يعتمد الإنسان على هذه القوة ويفرط أو يتخلى أو يتراخى في أمر التزكية؛ العامل الحاسم".
واستقى كلاما للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، فصل: الإسلاميون والصراع السياسي، يقول فيه: “يقتضي توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه أن نعطي الأهمية القصوى لفحص ذاتنا، للنظر في عيوبنا، لتمحيص صفنا، لتربية نفوسنا، وصقل قلوبنا، وتهييء المحل الذي يتنزل فيه نصر الله. لا نهضم هذا الجانب مثلما يهضمه الغافلون عن الله، كل شأنهم التخرّصات والاستراتيجيات والترسانات. ما تغني التخرصات والاستراتيجيات والترسانات إن كان جانب فقه العباد بدين الله مخروما، وكان التآخي في الله معدوما، وحب الله ورسوله والمؤمنين منقوصا، والآخرة مسكوتا عنها، وذكر الله أمرا نكرا، والطاعات مطفَّفة، والأخلاق مجفَّفة، والإيمان في القلوب باليا، والران عليها غاشيا!”.
وعلق على كلام الإمام بقوله: "الواجب على المؤمن أن ينظر بعينين؛ عين تنظر إلى قدر الله سبحانه وتعالى وترشح نفسها لتكون من هذا القدر، بحسن التزكية والتقرب إلى الله عز وجل. وعين تبحث وتنظر كيف تعمل وتدبر في الأسباب التي وضعها الله تعالى وما رتب عليها من نتائج، بعيدا عن انتظارية العاجزين الذين ينتظرون المعجزات والخوارق، كما يفهم الكسالى المعجزات والخوارق".
ووعد الأستاذ العلمي مشاهديه بالتطرق لقضايا أخرى في الحلقة المقبلة، من ذلك كيف يربي الله تعالى عباده المؤمنين بتعاقب النصر والهزيمة، وكيف ينبغي للمؤمنين أن يكون ما يحبه الله عز وجل أولى عندهم وأعلى في قلوبهم وفي سلوكهم مما تحبه أنفسهم ولو تعلق الأمر بالنصر.
ودعا الله سبحانه وتعالى في الختام أن يعيننا على أنفسنا، وأن ينصر أمتنا نصرا مؤزرا حتى يعمّ نورها ورحمتها العالمين بإذن الله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.











