ذ. عبادي: هدفنا من هذه الندوات حوار هادئ يفضي إلى تقريب وجهات النظر إذا تعذر توحيد التصور

اعتبر فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي في كلمته الافتتاحية أمام الضيوف الحاضرين للذكرى الحادية عشرة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين بمدينة سلا، اليوم السبت 16 دجنبر 2023، أن الأستاذ ياسين لم يزعم أن المنهاج النبوي الذي استقاه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ حد الكمال، ولا زعم أنه معصوم من الخطأ، وكان كثيرا ما كان يردد قولة سيدنا عمر "رحم الله من أهدى إلي عيوبي".
وأشار عبادي إلى أن معظم من قرأ كتب الإمام بتمعن وبدون خلفية، يعاتبنا على التقصير في نشرها لما فيها من كنوز ودرر الأمة في أمس الحاجة إليها، موضحا أنه وإن كان هناك تقصير، فـ "الناس لا يدركون أن ما ننشره من كتب الإمام نخرجه من بين فرث ودم، نظرا للحصار المفروض علينا".
وشدد على أن "الجماعة حريصة على إطلاع الناس على آرائها في القضايا التي تهم المجتمع"، كما دأبت في مناسبات الذكرى مثل هاته وغيرها، على عقد ندوات ودعْوَة من يشاركنا هم التغيير وهم إصلاح المجتمع من أهل الفضل والمروءة من مختلف مشاربهم من داخل الوطن وخارجه، نستمع إليهم بكل إنصات ونتقبل انتقاداتهم الصائبة برحابة الصدر ونغض الطرف عما أخطأوا فيه.
ولفت عبادي إلى أن الغاية من هذه الندوات هو التواصل، وأن يتعرف بعضنا على بعض عن كثب، والحوار الهادئ الذي يفضي إلى تقريب وجهات النظر، وتضييق مساحة الخلاف إذا تعذر توحيد التصور بشأن القضايا المطروحة للنقاش، وها أنتم لبيتم دعوتنا لهذه الندوة مشكورين لتساهموا بمداخلاتكم القيمة لإثراء موضوع الساعة موضوع فلسطين؛ الجرح الغائر الذي ازداد في هذه الأيام نزيفه، نسأل الله تعالى أن يلطف بإخواننا في فلسطين.
ونقل عبادي جواب صاحب الذكرى رحمه الله لما سئل عن تحرير فلسطين، قال: "تحريرها يمر عبر تحرير الأقطار الإسلامية"، موضحا أن المجاهدين هناك لا قدرة لهم على مواجهة الصهاينة وحلفائهم وحدهم من دون سند الأمة. كما وضح أن حكام الأمة الذين يملكون من السلاح والجيوش أضعاف أضعاف ما تملكه "إسرائيل"، يقفون من العدو موقف المتفرج أو المتواطئ، والشعوب الخائفة من حكامها تكتفي بالحوقلة والحسبلة.
ولعل بداية تحرير فلسطين، يقول عبادي، تبدأ من إعادة صياغة المجتمع ببناء أسر يتربى فيها النشء على العقيدة السليمة التي تكسبه معاني الرجولة والشهامة والعزة، وهذا هو موضوع ندوة الغد بحول الله.
وشدد الأمين العام للجماعة على أهمية الاقتداء بالإمام المجدد في الدعاء بالخير والهداية لكل من آذاه، حيث كان يقول "لو علموا ما نكنه لهم من خير ما اعتدوا علينا".
ولعل أحدكم يتساءل عن حرص الجماعة على إحياء ذكرى رحيل الإمام كل سنة، يقول عبادي، ثم يضيف، "ولو علم الناس حقيقة هذا الرجل الذي نحيي ذكرى رحيله عنا، لتنافسوا معنا في محبته وفي الولاء له"، وذكر قول الشاعر أبي تمام في مدح المعتصم:
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجته المعروف والجود ساحله
وأشار الأستاذ عبادي إلى أن الإمام المجدد عبد السلام ياسين أولى بهذا الوصف ويصدق فيه أكثر مما يصدق في غيره، ولقد كان بحرا زاخرا في علومه وفي ربانيته وفي كل خصال الخير، ولما لا يكون كذلك وقد أكرمه الله بالوراثة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا نحسبه ولا نزكي على الله أحدا.
واعتبر عبادي أن "الإمام رحمه الله صنعته العناية الربانية وهيأته لحمل لواء الدعوة إلى الله في هذا العصر وفي هذا البلد عن جدارة واستحقاق، ونحمد الله عز وجل أن يسر لنا صحبته، فقد وجدنا فيه أبا رحيما وأما عطوفا وأخا ناصحا ومرشدا هاديا، وعلمنا كيف نتأدب مع الله ورسوله ومع خلق الله جميعا".
وقال: "كنا نعيش إسلاما فارغا من الروح والمعنى، فهبت علينا من خلال مجالسته وصحبته نسائم الرحمات والفيوضات، فتذوقنا حلاوة الإيمان، لقد آخى بيننا فارتبطت قلوبنا برباط الحب في الله وأصبحنا بحمد الله ذاتا واحدة".
وتابع: "عاش رحمه الله لله وبالله ومع الله، وعاش لأمة رسول الله، أمة الإجابة وأمة الدعوة، يحمل همها ويتأسف لأوضاعها المزرية ويتألم لما تعانيه من عنت وشقاء جراء بعدها عن الله، ولما يمارس عليها من ظلم واستبداد، فهب داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة صادعا بالحق غير مبال لما تعرض له من المحن".
وفي مجال التنظير، قال عبادي، إن الإمام رسم في نظرية المنهاج النبوي طريق الفرد إلى معرفة الله، وطريق النهوض بالأمة إلى مشارف الخلافة لتستأنف الرسالة التي أناطها الله عز وجل بها في قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، وفي قوله تعالى "وكذلك خلقناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...".
ونصح فضيلة الأمين العام، صف جماعة العدل والإحسان بأن "نظل أوفياء بالعهود التي أخذناها على أنفسنا في مجالس الإمام رحمه الله، بأن يكون كل واحد منا مدرسة قرآنية متنقلة عبر الزمان والمكان، وأن نسعى لتنفيذ وصاياه الغالية التي كان يختم بها كل مجلس، والتي سجلها صوتا وكتبها شعرا ونثرا وأراد لها أن تكون آخر كلام نقرؤه ونسمعه منه".
ختم بالدعاء بالنصر للمجاهدين من أهل فلسطين وأن يتقبل شهداءهم ويرحمهم، ويداوي جرحاهم، ويجعلنا وإياهم من المقبولين عنده ومن المكرمين عنده، ومن المصطفين الأخيار.









