ذ. حمداوي: هذه مواقفنا من الاحتجاج والتغيير السلمي وفلسطين والحريات

Cover Image for ذ. حمداوي: هذه مواقفنا من الاحتجاج والتغيير السلمي وفلسطين والحريات
نشر بتاريخ

في الجزء الثالث والأخير من الحوار الذي أجرته قناة الحوار ضمن برنامج “قضية وحوار”، أواخر الشهر المنصرم، يواصل الأستاذ محمد حمداوي، رئيس مكتب العلاقات الخارجية بجماعة العدل والإحسان، بسط مواقف الجماعة من عدد من القضايا الراهنة.

ويتناول هذا الجزء رؤية الجماعة للاحتجاجات الاجتماعية وحدود انخراطها فيها، كما يسلط الضوء على ثوابتها المؤطرة لعملها السياسي والمدني، والمتمثلة في نبذ السرية والعنف والتبعية للخارج. ويقف الحوار كذلك عند موقف الجماعة من التطبيع مع الكيان الصهيوني وانعكاساته على المغرب، إلى جانب قراءتها لهامش الحريات ومسار العلاقة بين الدولة والمعارضة، ومقاربتها لقضايا المشاركة السياسية والحوار الوطني.

وفي هذه المحاور المتعددة، يؤكد حمداوي أن الجماعة ترى نفسها فاعلا مجتمعيا يسعى إلى التغيير السلمي، تحرص على النقد البناء وتقديم البدائل الناجعة، والانفتاح على مختلف القوى الوطنية خدمة لقضايا الوطن والأمة.

نشارك في الاحتجاجات المشروعة لكننا لسنا حركة احتجاجية فقط

بخصوص موقف جماعة العدل والإحسان من الاحتجاجات الاجتماعية، أكد عضو مجلس إرشاد الجماعة أن الاحتجاج ليس خيارا خاصا بالجماعة بقدر ما هو تعبير طبيعي عن أوضاع اجتماعية واقتصادية تدفع فئات واسعة من المواطنين إلى المطالبة بحقوقها وتحسين ظروف عيشها.

واستحضر في هذا السياق عددا من المؤشرات المرتبطة بالبطالة والهدر المدرسي والأوضاع الاجتماعية، معتبرا أن هذه المعطيات تفسر استمرار أشكال متعددة من الاحتجاجات المطلبية والاجتماعية في مختلف مناطق البلاد وقطاعاتها.

وأوضح أن الجماعة، باعتبارها جزءا من المجتمع، لا يمكن أن تكون بمنأى عن هذه المطالب، مؤكدا أنها تساند الاحتجاجات التي تراها مشروعة وسلمية ومرتبطة بمصالح المواطنين.

ورفض حمداوي اختزال جماعة العدل والإحسان في بعدها الاحتجاجي، مشيرا إلى أن الجماعة، إلى جانب مواكبتها للقضايا الاجتماعية والسياسية، تعمل على تقديم تصورات وبدائل في مختلف المجالات.

وفي هذا الإطار، لفت إلى أن الجماعة أصدرت خلال سنة 2024 وثيقة سياسية موسعة تتضمن تشخيصا مفصلا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مقترحات وتصورات بديلة لمعالجة مختلف الإشكالات المطروحة. واعتبر أن هذه الوثيقة تعكس سعي الجماعة إلى الانتقال من مستوى النقد والتشخيص إلى مستوى تقديم البدائل والاقتراحات العملية.

وأوضح أن الحركات الاجتماعية والاحتجاجية تخضع في النهاية لتفاعلات المجتمع وتطور الأوضاع الميدانية، ولا يمكن لأي طرف أن يتحكم بشكل كامل في مساراتها أو مآلاتها، والجماعة، يضيف حمداوي، تسعى إلى تغيير سلمي وهادئ. وأشار إلى أن الاحتجاجات الاجتماعية الكبرى عندما تبدأ فإنه لا يعلم كيف ستنتهي.

السرية والعنف والتبعية للخارج خطوط حمراء في مشروع الجماعة

وردا على سؤال بشأن موقف الجماعة من بعض الدعوات الاحتجاجية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، أوضح رئيس مكتب العلاقات الخارجية للجماعة أن قرار الانخراط في أي حراك اجتماعي أو سياسي يخضع لتقييم مؤسسات الجماعة وتقديرها للظروف والسياقات المحيطة به.

وفي هذا الإطار، استعرض المرتكزات التأسيسية التي تحكم عمل جماعة العدل والإحسان منذ نشأتها، مؤكدا أنها تقوم على ثلاثة اختيارات كبرى ظلت ثابتة في مسار الجماعة تسميها “اللاءات الثلاث”؛ ويتمثل أولها في رفض العمل السري، وثانيها في رفض العنف واعتماد التدافع السلمي وسيلة للتغيير، وثالثها رفض أي تبعية للخارج سواء على المستوى السياسي أو المالي أو التنظيمي.

وأوضح أن هذه المبادئ تشكل المرجعية التي تعتمدها الجماعة عند تقييم المبادرات والحركات الاحتجاجية المختلفة، معتبرا أن المشاركة في أي حراك تستوجب وضوح أهدافه وأطرافه وآليات اشتغاله، فضلا عن التوافق حول طابعه السلمي ومطالبه.

التطبيع خطر على البلد والشعب يرفضه

وجدد القيادي في الجماعة التذكير بأن فلسطين كانت وما تزال قضية من قضايا أمتنا، وأن مقدساتنا هناك هي مقدسات الأمة، وأنها من الناحية الإنسانية قضية ظلم شعب هُجّر من أرضه ومن حقه أن يسعى لاستقلاله، منبها إلى أنه بعد اتفاقية التطبيع فتح المجال للصهاينة للدخول إلى المغرب واختراقه بشكل متصاعد على المستويات: الاقتصادية والتعليمية والمجتمعية والسياسية والأمنية.. وهذا ما ترفضه الجماعة لما يشكله من خطر على البلاد وهويته العربية الأمازيغية الإسلامية، فهم يسعون لقطع الارتباط بالقضية الفلسطينية وبالأمة، وأيضا بالهوية ويضربون على وتر العصبية للتفريق بين العرب والأمازيغ، ويعملون على إفراغ المناهج التعليمية من كل محتوى أخلاقي قيمي ديني، وحمّل النظام السياسي مسؤولية إفساحه المجال لهذه الممارسات، وهو ما تؤاخذه عليه كل الأطراف المناهضة للتطبيع. 

ونوه المتحدث بكون رفض التطبيع عارم في المغرب، والنظام في هذا الأمر معزول، فالشعب المغربي يرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني. وأوضح أن المجتمع المغربي، بتكوينه التاريخي والثقافي، يضم مكونات متعددة عاشت قرونا في إطار من التعايش، من بينها المكون اليهودي المغربي، مشيرا إلى أن هذا التعايش التاريخي لا ينبغي الخلط بينه وبين الموقف من التطبيع السياسي مع “إسرائيل”، خصوصا بعد الفظاعات التي ارتكبتها في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في غزة.

وساق حمداوي مثال المغاربة الذين شاركوا في الحرب على سوريا وأفغانستان.. كيف اعتقل النظام من عادوا منهم إلى أرض الوطن مع عدم وضوح ارتكابهم لجرائم، في حين يفتح الباب للصهاينة الذين ارتكبوا الجرائم على الملإ في غزة ليعودوا آمنين، معتبرا أن هؤلاء كان الأولى أن يقدموا إلى المحاكمة.

وفي معرض رده على سؤال حول إمكانية اللجوء إلى القضاء المغربي لمتابعة مسؤولين إسرائيليين أو مزدوجي الجنسية متهمين بارتكاب جرائم في فلسطين، أوضح أن عددا من المحامين الشرفاء وهيئات دعم القضية الفلسطينية في المغرب سبق أن تقدموا بدعاوى قضائية في هذا الاتجاه، غير أن العديد منها لم يستكمل أو تم حفظه.

مسار الحريات بالمغرب رافقته تضحيات كبيرة والجماعة ترفض المشاركة في ممارسة سياسية مغشوشة

واعتبر نائب رئيس الدائرة السياسية أن الحديث عن هامش الحريات في المغرب لا يمكن فصله عن المسار التاريخي الطويل الذي عرفته البلاد منذ الاستقلال، والذي رافقته تضحيات كبيرة ومراحل من القمع والحصار والتعذيب والاعتقال السياسي. مستحضرا في هذا السياق تجارب الاعتقال التي طالت قيادات وشخصيات معارضة، من بينها مؤسس الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، رغم أن معارضته كانت سلمية.

وفي حديثه عن طبيعة علاقات جماعة العدل والإحسان مع باقي القوى السياسية التي تختلف معها في المرجعية، أوضح باعتزاز أن الجماعة تربطها بمجموعة من القوى الوطنية علاقات قوية، سواء من اليسار أو التيارات المستقلة، شريطة مناهضة الظلم، والابتعاد عن العنف والإقصاء، مع وجود قابلية للعمل المشترك والتعاون، معتبرا أن المغرب يقدم نموذجا في التواصل والتعاون، خاصة في ملفات كالقضية الفلسطينية أو المستوى السياسي أو الحوار المجتمعي والجمعوي.

وفي ما يتعلق بمسألة المشاركة السياسية، شدد الأستاذ حمداوي على أن المبادئ أساسية في كل عمل، والجماعة تجمع بين المبدئية والواقعية؛ مبدئيا ترفض الجماعة المشاركة في ممارسة سياسية مغشوشة وغير سليمة ولا تحترم معايير الديمقراطية، نافيا أن يكون للجماعة حوار مع السلطة بشأن الانتخابات القادمة، مبررا ذلك بعدم مبادرة أي طرف للأمر، ولعدم توفر سياق حوار شامل بين مختلف الفاعلين، وداعيا إلى حوار وطني مفتوح تشارك فيه جميع قوى البلد يضع حدا لهذا النزيف المستمر ويضع أفقا لحل ينتفع به الجميع.

وختم بالتأكيد على أن الجماعة تعتبر نفسها فاعلا مجتمعيا تدافعيا، يشتغل عبر النصح والمقاربة السلمية وتقديم الاقتراحات، مع انفتاح على التعاون مع مختلف المكونات السياسية والمدنية، في إطار خدمة قضايا الوطن.