د. بويبري: هذه مرجعيات مشروع جماعة العدل والإحسان وهذه غاياته

Cover Image for د. بويبري: هذه مرجعيات مشروع جماعة العدل والإحسان وهذه غاياته
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

في الحوار الأول من سلسلة “قضايا وتصورات.. حوارات مع قادة ‘العدل والإحسان'”، نستضيف الباحث في الفكر الفلسفي الدكتور رشدي بويبري عضو مجلس الإرشاد وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، للحديث في موضوع بالغ الأهمية هو “كلّيات مشروع العدل والإحسان”.

الحوار الغني بالأفكار والتأملات، يتطرق لعدد من القضايا الكبرى ويعرض بعضا من التصورات التأسيسية التي تحملها الجماعة، والتي وضع بنيتها الصلبة الإمام المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله.

فإلى نص الحوار:

مرت أربعون سنة على تأسيس وانطلاق مشروع العدل والإحسان، الذي نظّر له وقاده الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وحملت لواءه جماعة العدل والإحسان برجالها ونسائها. ما المرتكزات الكبرى لهذا المشروع؟ وما غاياته الأساس؟ 

  يستمد مشروع دعوة العدل والإحسان مرجعيته الأساس من كتاب الله وسنة نبيه صل الله عليه وسلم، فهما المرتكزان الأساس اللذان يقوم عليهما ويسعى لتحقيق مقاصدهما وغاياتهما وإقامة أحكامهما فيما يحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. لكن التعاطي مع مصدري الوحي، القرآن والسنة، يتطلب تأسيس الفقه الجامع الذي يمثل جسرا بينهما وبين الواقع البشري لأن البون بين المجالين في عصرنا شاسع جدا. فالمشروع التغييري احتاج بشدة، وما يزال، إلى اجتهاد كلي يؤسس لـ“تصور عمل إسلامي في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لتبلغ الأهداف، ويرتب المراحل والأولويات، ويترك في حسابه مكانا للمرونة عند الطارئ المفاجئ والضرورة الغالبة” (المنهاج النبوي، ص218). وهذا الاجتهاد يجب أن يمتلك القدرة على استقراء التاريخ الإسلامي بصورة عميقة وسليمة بعيدا عن النعرات الطائفية أو المذهبية أو الموالاة الزائفة لأنظمة الحكم المتعاقبة، ثم يراعي الظروف العامة الحالية للأمة والظروف الخاصة للعمل الدعوي الإسلامي ويركز على اكتشاف المنهاج النبوي في “كيفية تربية جند الله، ثم في كيفية تنظيمهم، ثم في وسائل وأساليب زحفهم لتسَلُّمِ إمامة الأمة فالوصول إلى الحكم” (إمامة الأمة، ص198)، ثم بعد التمكين لدعوة الله يعمل الاجتهاد على “تطويع الواقع المعاشيِّ، والسلوكيِّ، والاجتماعيِّ، وخاصةً السياسيِّ، لمعايير الإسلام وأحكامه” (المرجع نفسه ونفس الصفحة). وهذا الاجتهاد هو ما عمل الإمام عبد السلام ياسين على إرساء دعائمه وجعله العمود الفقري لاستراتيجية الجماعة في التغيير ومرجعا أساسيا لبرامجها وخطط عملها، كما حث علماء الأمة ونخبها الفكرية والتربوية على النهوض بمقتضياته وتطوير أدواته وتحقيق مقاصده.

تقولون بأن جوهر مشروع العدل والإحسان يختزله اسمها وشعارها “العدل والإحسان”. كيف؟ 

  العدل والإحسان مطلبان ربانيان، فالله جل وعلا من أمر البشر بإقامتهما والحرص على إرساء دعائمهما وحذّر من تنكب طريقهما، يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90سورة النحل الآية 90). العدل بما هو مطلب أساس ومبدأ ضروري لا تستقيم حياة الإنسان إلا بوجوده، ولا ينتفع هذا الأخير بحقوقه وكرامته إلا تحت ظله. فحين ساد الظلم العلاقات البشرية وهيمن الجور على معاملات الناس ضاعت الحقوق وانتهكت الكرامة وامتهن الإنسان، خليفة الله في الأرض، فضاعت مكانته وتعطلت رسالته واختل أداؤه للوظيفة التي أوكلها الله له. والإحسان بما هو سريان الاتقان والبر سلوكا ومعاملات في حياة الناس، ثم بما هو مقام عال يطلبه المتدين تقربا من ربه سبحانه وتزلفا إليه جل وعلا.. والمتدبر لحياة البشر في زماننا يستنتج بغير عناء أن قيم العدل والاحسان هي أعز ما يطلب وأكبر ما يرجوه الإنسان المقهور بسلطان هواه أو تسلط غيره. فالناس الآن، في كل المجتمعات، أشد ما تكون حاجة لهذين المطلبين العزيزين، خاصة مع هيمنة ثقافة السوق بما تعنيه من تحكم مبدأين رئيسيين رسختهما الحضارة الغربية في الإنسان المعاصر هما الشهوة والفرجة، وهو ما حوّله إلى دابة همّها الأساس أن تلهث وراء ما يشبع نهمها الشهواني ويلبي تعطشها بشكل لا ينقطع ولا ينتهي ولا يراعي حرمة ولا أخلاقا. يضاف إل ما سبق استشراء كل أصناف الظلم والعنف ضد الإنسان خاصة المرأة والطفل. فالبشرية تزداد مع الوقت، كلما استشرت القيم الدوابية، احتياجا لقيم العدل والبر والتكافل.

لماذا هذا الترابط (العدل والإحسان)؟ إذ يرى غيركم وكأنكم تحاولون جمع ما هو مفترق في تاريخ الأمة قرونا طوالا؛ فالعدل ميدانه السياسة والاجتماع، والإحسان ميدانه التربية والدين، وهما ميدانان مختلفان. فلماذا هذا الخلط؟

   هو ليس خلطا بل ربطا لما انفصم في تاريخ الأمة وكان سببا في اندحارها عن النموذج النبوي وتجليا لتخلفها وأزمتها العميقة في نفس الوقت في كل الميادين. فالمبدئان مترابطان في أصل الدين الأعظم، إذ القرآن الكريم هو الذي قرن العدل بالإحسان في قول الله جل وعلا : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90سورة النحل الآية 90). وعلى هذا الاقتران تأسست الحياة الاسلامية في أول أمرها على يد الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه ربى الصحابة الكرام فلم يكونوا يفصلون بين العدل في علاقاتهم العامة وبين الاحسان سواء باعتباره برا أو إتقانا أو ارتقاء في السلوك إلى الله عز وجل. لكن انقطاع حبل العدل جراء الاستبداد السياسي الذي تلى الخلافة الراشدة أنشأ وضعا استثنائيا في أمة الإسلام، حيث قاومت فئة من المسلمين الطغيان السياسي في حين عملت فئات أخرى على الحفاظ على لب الدين وجوهره وهو طلب الإحسان والارتقاء في مدارجه. فبعد الانكسار التاريخي الذي حدث في الأمة نشأت أجيال لا تعرف غير الانفصال بين المبدأين التوأمين واستمر الأمر إلى المرحلة الراهنة. لذلك فالتجديد الإسلامي الذي يستشرف البشارة النبوية برجوع مجد الإسلام يجب أن يعمل على استعادة الترابط بين العدل والاحسان وعدم تكريس انفصالهما.

كيف يمكن إذا تنظيم حركة العدل ومطلب الإحسان في الأمة، وكيف يقع التعاون بين رجالاتهما ومؤسساتهما؟ 

  منطلق الأمر تأسيس وعي متجذر بأن المطلب العدلي المرتبط بالحياة الجماعية للناس وعلاقاتهم المشتركة ضمن الواقع الاجتماعي والسياسي وما يتصل به من تدبير المعاش وتنظيم مصالح الناس، لا ينفصل مطلقا عن المطلب الإحساني بكونه يضفي جمالا على السلوك الانساني بما هو بر وإتقان ثم بكونه سعيا يسمو بالسلوك البشري والذوق الإنساني عن الحياة البهيمية، التي اعتبرتها كثير من التيارات الفلسفية والاتجاهات الفكرية مُسَلَّمَة لا ينبغي مجادلتها، ويرتفع بها إلى مراقي الكمال في الدنيا والفوز بالدرجات العلى في الآخرة. ثم لا بد أن يترسخ الوعي لدى نخب الأمة المختلفة، من علماء ودعاة ومربين وفاعلين، أن هذا الترابط هو الشرع الذي أرساه القرآن الكريم وثبتته السنة النبوية وعاشه الرعيل الأول من المؤمنين والمؤمنات حقيقة واقعية زمن النبوة والخلافة الراشدة. ثم بعد الوعي لا مناص من تحرر إرادة هذه النخب وانعتاقها من الانحباس في حدود التجربة التاريخية التي تكرست منذ زمن الانحراف الكبير، لتكون قادرة على التجديد للمستقبل وجمع ما تفرق في الأمة خلال التاريخ الإسلامي. فالإحسان بما هو حرص على الخلاص الفردي في الدنيا والآخرة لا ينفصل عن العدل بما هو سعي للخلاص الجماعي من ربقة الجور والاستبداد والفساد وما تناسل منها من انحرافات واستوطن حياة الناس وزاغ بها عن جادة الصواب.    

في هذا الصدد، من الكليات الكبرى في مشروع العدل والإحسان، علاقة الدعوة بالدولة، وحديث واضح عن سيادة الدعوة ورقابتها للدولة وعمل مؤسساتها. ما فلسفة وشكل هذه العلاقة؟ أليس بهذا الشكل تزكون تهمة الدولة الثيوقراطية ودولة رجال الدين التي ترفع في وجه عموم الإسلاميين؟ 

   كلا، الأمر ليس كما يتسرع الكثير في فهمه واعتقاده. لا بد بداية أن نوضح أن الأمة أشمل من الدولة، فهذه الأخيرة، كما تواضعت على تعريفها جُل النظريات السياسية، مجموعة من المؤسسات تشرف على تدبير الشأن العام داخل المجتمع ورعاية مصالح الناس وتقديم الخدمات الأساسية لهم، فهي جزء وسط كُلٍّ أكبر هي الأمة أو المجتمع. لكن التجربة البشرية خاصة في مرحلتنا المعاصرة شهدت تضخما للدولة، مؤسسات وصلاحيات وسلطات، لدرجة ابتلعت معها اختصاصات مكونات المجتمع المختلفة، فصارت هي الأصل وغيرها الفرع. وقد أفرز هذا الوضع أنماطا مختلفة من استبداد الدولة على المجتمع، خاصة مع تطور وسائل التسلط المادية والرمزية، مما ألجأ الأمة إلى هامش الفاعلية والتأثير. وهذا وضعٌ تشكو منه معظم دول المعمور عدا استثناءات قليلة، رغم الاختلافات القائمة بين الأنظمة السياسية التي تحكمها سواء كانت أنظمة ديكتاتورية صريحة أو مقنعة أو أنظمة ديموقراطية. وهذا الوضع الخاطئ رفضه الإسلام كلية، فهذا الدين العظيم اعتبر معيار خيرية الأمة في يقظتها وحيويتها ووقوفها سدا منيعا في وجه جميع الانحرافات سواء كان مصدرها الفرد أو الدولة، يقول الله تبارك وتعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ (سورة آل عمران الآية 110). وهو فهم ترسخ في التجربة السياسية الإسلامية في عهد النبوة وظهرت ثمرته في الخلافة الراشدة حيث كانت الرقابة على الحاكم ومحاسبته مسؤولية تكفل بها الصحابة خاصة الأكابر منهم. فقد كان الاعتراض على الخلفاء ومساءلتهم عن قراراتهم أمام الملأ تصرفا عاديا نابعا من وعي متجذر بمهمة الأمة الرقابية على الدولة، وقد سجل التاريخ صورا عديدة وناصعة لهذه النماذج السلوكية. فالحديث عن كون الدعوة، التي تمثل الأمة، يجب أن تمتلك اليد العليا على الدولة ليس المقصود منه إرساء دعائم الدولة الثيوقراطية كما عاشتها تجارب في مجتمعات من غير المحيط الإسلامي، بل الحفاظ على حيوية الأمة ووظيفتها الأساس القائمة على الحرص على استقامة حياة المسلمين على دين الله وإرساء ركائز العدل والإحسان فيها وعدم انحرافها عنها سواء كان مصدر هذا الانحراف سلوكات فردية أو سياسات عمومية.

وإذا أردنا تقريب الفهم لهذه القضية المستقبلية يمكن استحضار تجربة المجتمع المدني في علاقته بالدولة في التجربة السياسية المعاصرة. فمؤسسات هذا الأخير المتعددة والمتنوعة، إعلام وجمعيات ومنظمات وغيرها، تؤدي وظيفة رقابية على السياسات العمومية وعلى السلوك السياسي للدولة. فهذه المؤسسات تعتبر سلطة مجتمعية شرعية تعمل لصالح المجتمع وتحدث توازنا في السلطة مقابل الدولة. هذا على سبيل التشبيه وتقريب المعنى وإلا فإن علاقة الدعوة بالدولة في مستقبل أمة الإسلام تحتاج إلى اجتهاد دقيق يحقق مقاصد الاسلام من الاجتماع السياسي البشري ويُسَيِّدُ قيمه العليا بما يحقق سعادة الناس دنيا وأخرى، ويحدث توازنا في السلطة بين المكونين بصورة لا يطغى فيها أحدهما على الآخر  ولا يتجاوز صلاحياته ولا يؤسس لاستبداد صريح أو مقنع، استبداد ديني أو سياسي.

من الكليات الأساس في مشروع العدل والإحسان أيضا، اليقين بأن مستقبل الأمة إلى الخلافة على منهاج النبوة. البعض يناقش في الحديث الذي تؤسسون عليه هذا الاستشراف سواء من حيث السند أو المتن، والبعض يستشكل هذه الخلافة من حيث شكلها وروحها خوفا من استنساخ التجارب التاريخية. هل من توضيحات كافية لدفع مثل هذه التخوفات والالتباسات؟ 

   الحديث الذي ذكرته ورد بروايات متعددة أهمها ما رواه الإمام أحمد، رضي الله عنه، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله، قال: “كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”. وقد روى الحديث أيضًا أبو داوود الطيالسي والبيهقي في منهاج النبوة، والطبري، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط. وقد اعتبر الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، هذا الحديث منارة كاشفة تسلط الضوء على التاريخ الإسلامي وتتيح قراءة سليمة له وفهم التحولات التي حدثت فيه وتداعياتها على الأمة ماضيا وحاضرا، وفي نفس الوقت تسمح باستشراف أفق الأمة.

 فمن المؤكد أن الاجتماع السياسي لأمة الإسلام تأسس في بداية أمرها على عدل ورشاد غرست ركائزه حقبة النبوة والخلافة الراشدة، ثم اتخذ الواقع السياسي الإسلامي منحى منحرفا عن المنهاج النبوي في الحكم تكرس بشكل متدرج خلال القرون الأربعة عشرة من تاريخ الأمة، إلى أن استقر في صورته المعاصرة حيث ترسخ استبداد أبشع ما يكون. فالأنظمة المتغلبة على الأمة تجمع بين رذائل عديدة إحداها أقبح من أختها، أولها الظلم والقهر وحكم السيف وثانيها احتكار خيرات الأمة وإذلالها بالفقر والتخلف، أما ثالثة الأثافي فتتجلى في جعل خيرات المسلمين وثرواتهم ومقدراتهم المادية والبشرية رهينة في يد أعدائهم يستبيحونها كما يشاءون. لكن الحديث الشريف المذكور يُرسِّخ أيضا حقيقة يقينية مفادها أن محطة الاستبداد ليست هي آخر مرحلة من تاريخ الأمة، بل إن أوان اندحاره قد أطل وأن الرشاد والعدل في طريقهما إلى حياة المسلمين وهو ما تمثله بشارة الخلافة على منهاج النبوة وتعمل جهود المخلصين من المجددين والدعاة والمجاهدين على تحقيقه.

   أما فيما يرتبط بما يثيره الحديث عن بشارة الخلافة على منهاج النبوة من تحفظ البعض واعتراضهم على المشروع الإسلامي بدعوى أنه يحمل رغبة في إعادة إنتاج النماذج التي كانت رمزا للظلم والاستبداد وانتهاك الكرامة والحقوق في تاريخ المسلمين مثل نماذج الأمويين والعباسيين وغيرهم، فإنه يظل تحفظا مشروعا إذا كان هذا المشروع يسعى فعلا لإعادة إنتاج الماضي في صور معاصرة. غير أن التصور السياسي للعدل الاحسان يركز على أن الأنظمة التي تعاقبت على حكم المسلمين لقرون عديدة كانت فاقدة للشرعية الدينية والسياسية وأنها لم تتمثل يوما القيم الراشدة للحكم الإسلامي ولم تعمل على تحقيق مقاصده العليا وفي مقدمتها العدل والحرية والكرامة، بل تنكبت طريقه وخالفت مبادئه. لذلك فمشروع الخلافة المستقبلي يتناقض في جوهره وقيمه وغاياته مع النماذج التي اعتبرها الإسلام انحرافا عن منهاجه، وليست سعيا للرجوع إلى الماضي أو استنساخه في الحاضر والمستقبل. بل على العكس من ذلك يهدف هذا المشروع إلى استعادة روح الحكم الإسلامي وقواعده الراشدة ومبادئه العادلة التي جسدتها النبوة المحمدية والخلافة الراشدة التي مثلت أزهى مراحل حياة الأمة. وعلى رأس تلك القيم والمبادئ، الوحدة والعدل والحرية وحيوية الأمة ويقظتها وشجاعتها في مراقبة الحكام والأخذ على أيديهم إن انحرفوا أو تنكبوا سبيل الرشاد. أما الوسائل وآليات التدبير وطرق التنظيم والتسيير فهي متروكة للإبداع البشري والاجتهاد المواكب لحاجيات الناس في كل مرحلة تاريخية، وما يفتح الله فيها للناس من حكمة فهي ضالة المؤمنين واجب عليهم أن ينتفعوا بها ويجعلونها خادمة لمبادئ الإسلام وشرعته ومقاصده.

في الذكرى الأربعين لتأسيس الجماعة، كيف تنظرون للمستقبل القريب والمتوسط لفعلكم وسط المجتمع، وفي علاقتكم بالدولة والنخب الدعوية والسياسة والثقافية؟ 

   قطعت دعوة العدل والاحسان، بحمد الله تعالى، أشواطا مهمة في تبلورها وانغراسها داخل المجتمع المغربي، وصار خطابها وأنشطتها مثار متابعة من فئات عريضة تتسع يوما إثر آخر داخل البلد وخارجه. ورغم الحرب الضروس التي تخوضها السلطة ضدها، والتي لم تدخر فيها وسيلة مُؤذية إلا وظفتها مما صار معلوما للقاصي والداني، فإن التعاطف مع مواقف وأطروحات هذه الدعوة الراشدة يتنامى ويترسخ بل في حالات كثيرة يتحول التعاطف إلى التبني والمساندة سواء بشكل صريح أم ضمني. فثبات جماعة العدل والاحسان ووضوح خطابها وصواب قراءتها للواقع وواقعية مبادراتها وفاعلية أبنائها وبناتها ثم توفيق الله عز وجل قبل ذلك كله وبعده، جعل الناس، نخبا وعامة، يتأكدون من صدق شعاراتها وإخلاصها للشعب المغربي وتبنيها لهمومه ومنافحتها عن قضاياه خاصة المصيرية منها وهو ما يجعل التعاطف في اطراد مستمر. كما أن انفتاح الجماعة، منذ زمن، على الغالبية العظمى من النخب الوطنية والمحلية بحيثياتها المختلفة من خلال أنشطة ومبادرات، وحرصها على التفاعل الإيجابي مع الدعوات الموجهة لها، كل ذلك ساهم في بناء جسور من العلاقات الطيبة تحولت في حالات كثيرة إلى التقاء وتنسيق ميداني لنصرة قضايا محلية أو إنسانية. وهذا مسار تستثمر فيه الجماعة بقوة، إذ أنها تعتبر أن الكل معني بالتعاون للتصدي للاستبداد والفساد والعمل على الحد من تداعيتهما الخطيرة على البلد ومواطنيه وتأسيس دولة الإنسان التي يتنعم فيها الجميع بكامل حقوقهم ووافر كرامتهم.

    أما في ما يرتبط بتعامل النظام المغربي مع دعوة العدل والاحسان، فلم يعد خافيا على أي متتبع حجم الاضطهاد ونوع الانتهاكات التي يتعرض لها أعضاء وعضوات الجماعة، منذ تأسيسها إلى الآن، فقد انضاف هذا الملف إلى الملفات الضخمة لانتهاكات حقوق الانسان التي عرفها التاريخ المعاصر للمغرب. فالدولة المغربية تتعاطى مع الجماعة بالأساس من خلال مقاربة أمنية صرفة وليس باعتبارها قضية سياسية. وهذا المنطق يسيطر، باستمرار، على عقل السلطة فهي أسيرة له لأنها تؤمن بنجاعته، ولا يتصور تحول في هذا الاتجاه ما دام هذا المبدأ مُحَكَّما، لكن خطورته تتجلى في كونه يكرس نظرة عدائية واضحة، لا مبرر لها، تجاه دعوة مجتمعية سلمية تروم الخير للجميع ولا تعادي الأشخاص بل السلوكات الظالمة والسياسات المستبدة. ورغم ما يقال في بعض التقارير أو المقالات من أن الدولة تغض الطرف عن بعض أنشطة الجماعة هنا وهناك إلا أن الحقيقة غير ذلك، فما يحكم تصرف النظام السلطوي هو كلفة مواجهته للجماعة وجدواها في السياق الذي تحدُثُ فيه، فضلا عن الحرص على تسويق صورة مغشوشة عن تسامحه مع المعارضين له وانفتاحه عليهم. وربما يعتقد الحاكمون أن كلفة التعاطي الأمني مع جماعة العدل والإحسان قد تكون أقل من المقاربة السياسية، لكن هذا طريق سلكته أنظمة عديدة وحصدت جراءه الخيبات بل أعطى في معظم التجارب نتائج عكسية، وما تجربة النظام التونسي البائد عنا ببعيد. لكن المهم من هذا كله هو أن مواجهة حكم الاستبداد والفساد للجماعة لا يزيدها إلا صلابة وخبرة فضلا عن أنه يرفع رصيد مصداقيتها داخليا وخارجيا وهي بعون الله ثابتة وماضية بحزم لتحقيق غاياتها وإرساء دعائم مشروعها والاستبداد إلى اندحار وزوال إن شاء الله، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ختاما، أين وصلت جماعة العدل والإحسان في تنزيل مشروعها التغييري وسيرها نحو أهدافها الكبرى؟

   تأسست دعوة العدل والاحسان على مشروع تجديدي عظيم للإسلام أثله الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، وأرسى دعائمه وشيد جماعة تعيش معانيه وتحمل لواءه وتبشر ببركاته أمة الإسلام والإنسانية جمعاء. ومنذ أربعين سنة وسفينة هذه الدعوة المباركة تمخر عُباب الواقع المحلي والعالمي مسترشدة بسجل ملاحة راشد هو المنهاج النبوي وبربان حكيم ومتمرس مع طاقم من القادة، رجالا ونساء يزدادون، مع الأيام، حكمة وخبرة ورسوخ قدم، ثم ركاب من أعضاء ومتعاطفين يعيشون داخلها في طمأنينة وهناء ويؤدي كل واحد منهم مهامه حسب فهمه وهمته وما يتاح من فرص وإمكانات. وبما أن سنة الله في خلقه ابتلاء الدعوات وحامليها بشت صنوف الامتحان لتمحيص صدقهم وقوة ولائهم وصدق غنائهم، فإن دعوة العدل والاحسان ليست استثناء في هذا السياق. فقد مرت هذه السفينة بظروف وأحوال متقلبة واجهت خلالها، وما تزال، تحديات شتى وصعوبات متعددة داخلية وخارجية، ذاتية وموضوعية، لكن ذلك لم يزدها إلا قوة وتماسكا ولم يزد طاقمها إلا حنكة وتمرسا، فهي تبحر قاصدة نحو مرفأها وحريصة على سلامة ركابها وطاقمها. والجماعة في كل ذلك تتفاعل مع الواقع وتصانعه وتبتكر من الوسائل ما يبلغها غاياتها ويحقق مقاصدها ويجنبها المغامرات أو الانزلاقات ويجعلها راشدة في سلوكها ومواقفها، وهذا الرشد هو ما يوجه وتيرة أنشطتها وطبيعة تدبيرها لمعاركها. والله جل وعلا هو الموفق أولا وآخرا وهو الهادي إلى سواء السبيل.