خاطرة من وحي الواقع

بقلم: رجاء عامري
علا صخبها في الحي، وهو يجاهد ليقنعها بالذهاب معه (نوضي راكي درتينا الشوهة)، ولكنها تعاند وتصرخ (....انا نقولو ماقاداش نوقف على رجلي وهو يقولي وقفي تمشاي. اجيبلي مااا نااكل ونشرب سخفت بالجوع هاذي يومين وأنا واقفة بلا ماكلة).
لعلها إحدى المتشردات ممن فقدن دفء الأسرة لسبب أو لآخر، ولعلها بنت من بائعات الهوى؛ دفعها الفقر والحاجة إلى استباحة جسدها لأجل سد حاجياتها، لعلها ولعلها..
ما زال يحاول إقناعها (أجي معايا نجيبلك عشايا من الدار، راه كلشي ساد)، بالكاد يخرج الكلمات من فمه لثمالته، وهي تشاكس وتصرخ (واغي ضغمة نتاع الخبز باش نوقف).
الليل مطبق وصمت مخيم، لا حسيس ولا دبيب إلا هما الاثنان؛ (ايو ياله تمشي منا.. وااافين نمشي فين؟).
انتابني شعور غريب لبرهة؛ خليط من عطف ورثاء ورقة لحال الشابة، تمنيت لو لم تكن تحكمنا الأعراف ولا التقاليد ولا الاكتراث بكلام الناس الحاد، تمنيت لو كنت سيدة نفسي في زمان غير الزمان ومكان غير المكان، فآخذها في أحضاني؛ أطعمها بيدي غذائي الذي أعددته للغد، أضع رأسها على ركبتي وأرتب خُصلات شعرها، وأهمس في أذنيها: لا عليك أخية، سيصلح الله كل شيء.. اشبعي الآن وارتوي فأنَّا لأذنيك أن تنصتا لي وقد أبكاك الجوع وأرقك الحرمان وهدّ عضدك عمل بئيس حقير.
كنت سأخبرها أنها ظُلمت وعُنفت وجُهلت وفُقرت. كنت سأحكي لها تاريخ ثالوث مشؤوم محا كل خير فيها، وأخبرها عن حاضر أشد شؤما باستبداد وفساد واستعباد.
كنت سأخبرها عن مستقبل مشرق، وصبح جميل، وأمل في الله كبير، ووعد بغلبة الحق، وفجر يوشك على البزوغ.
كنت سأخبرها في حضني أنها جميلة ورقيقة، وأنها طيبة وحنونة، وأن ما حدث يمكن أن يحدث مع غيرها، نسأل الله الستر واللطف والرحمة.
كانت ستنام نومة هنيئة..
لكني اكتفيت بجلسة القرفصاء واضعة يدي على خدي، والدموع تنهمر بغزارة، وبيني وبينها باب من حديد موصد؛ أنعم خلفه بالأمان والطمأنينة، وتذوق هي في العراء مرارة العار والذل والحرمان.
بيننا باب موصد وحواجز تمنعني من إخراج خبز وماء؟؟؟
لعل الرجل أقنعها بالذهاب معه، وهي تبكي منهكة (راني عارفاك ماتخلينيش هنايا بوحدي) فيجيبها (واتي حمقة أنا نخليك، مابقيتيش تديري هاكا).
عم الصمت أخيرا بعدما خلف عندي زلزال وجرحا لا يندمل.
كم من باب موصد بيني وبينك بنت جنسي. أتراني شريكة الاستبداد في قهرك، وقد اكتفيت ببضع دمعات وهمهمات؟ أتُراك أكلت ونمت؟ كيف يهنأ يومي ويطيب لي غذاء الغد أخيتي؟
صباح بعد ليلة شبه بيضاء؛ صباحكن انعتاق من قيد، وصباحكن كرامة، نال منها اللئام كل من جهته، وصباحكن لقيمات تسد الحاجة. وصباحك ملهمتي إلى المجهول.





