تمهيد
الحمد لله الذي أنار القلوب بنور الهداية، وأحيا الأرواح بنفحات القرب، وجعل من الصحبة الصالحة سلّما للترقي في مدارج الإيمان، ومن الجماعة المؤمنة حصنا لحفظ الدين وتثبيت اليقين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي ربّى بالصحبة قبل المقال، وبالمخالطة قبل الخطاب، فكانت مجالسه مدارس، وكانت معيته حياة للقلوب قبل أن تكون صحبة للأبدان.
أما بعد؛
فإذا كانت الحلقة الأولى قد وقفت عند الصدمة البلاغية في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، باعتبارها لحظة يقظة تهزّ سكون الروح وتوقظ الوعي من غفلته، فإن هذه الحلقة الثانية تتجاوز ذلك التأسيس لتخطو خطوة أخرى، من مستوى التنبيه الفردي إلى أفق البناء الجماعي، ومن تحليل الاستعارة في ذاتها إلى الكشف عن فاعليتها التربوية في محور الصحبة والجماعة، وهو أحد الأعمدة الكبرى في مشروع الإمام.
فالاستعارة في هذا السياق لا تُقرأ بوصفها صورة فنية معزولة، بل باعتبارها طاقة توجيهية قادرة على إحداث التحوّل: من وعي فردي منغلق إلى التزام جماعي واع، ومن تديّن ذاتي هشّ إلى تربية جماعية راسخة، ومن شعور عابر إلى سلوك مستقر في واقع الإنسان والمجتمع.
فتغدو الصحبة «عطرا» يسري في الروح، وتغدو الجماعة «نورا» يبدّد عتمة الطريق. وبذلك تتحول الاستعارة من أداة بيان إلى منهج تربية، ومن زخرف لغوي إلى فلسفة بناء، ومن صورة شعرية إلى رؤية إصلاحية. فالبيان الحق ليس ما يُدهش السامع فحسب، بل ما يصنع الإنسان، ويؤسس الجماعة، ويهيّئ الأمة لمسيرتها في دروب التغيير.
وانطلاقا من هذا الأفق المنهجي الذي يجعل الاستعارة فعلا تربويا موجها لا مجرد تشكيل جمالي، يصبح الانتقال إلى محور الصحبة والجماعة انتقالا طبيعيا من منطق الإيقاظ إلى منطق المصاحبة، ومن لحظة الوعي الأولى إلى مسار الثبات والنمو. فإذا كانت الاستعارة في لحظة صدمة الموت توقظ الفرد من سباته، فإنها في خطاب الصحبة تعيد ترتيب علاقاته، وتعيد تعريف من يجاوره في الطريق، ومن يشاكله في المصير. هنا تتجسد الصورة الشعرية في هيئة ميزان قيمي يفرز الجليس من الخليل، ويكشف أثر المخالطة في تزكية القلب أو إفساده، وفي توجيه المصير دنيويا وأخرويا. ومن ثم، فإن قطف الصحبة والجماعة لا يقرأ باعتباره امتدادا موضوعيا فحسب، بل بوصفه اختبارا عمليا لفاعلية الاستعارة في تحويل الوعي الفردي إلى انخراط جماعي واع، حيث تصبح الصحبة رحما للتربية، والجماعة أفقا للاستخلاف، وتغدو الصورة البلاغية أداة بناء للإنسان في سياق الأمة.
القطف الثاني: الصحبة والجماعة
ابْك بَلْواك واغتنم فضْلَة العمـ
ـر لتلقى الجليسَ تَحْمَدُ نَعْتَه
فلنِعْمَ الجليس نافح مِسك
ولَنعم التقِيَّ خِلاًّ تَخِذْتَهُ
ولَبِئْسَ العشيرُ نافِخُ كير
مثلما نال مِن تحارِيقَ نِلْتَهُ
مَثَّلَ الشَّكْل والشَّبيهَ نَبِي
هو نورُ الهدى إذا ما اقتبَسْتَه
أنت في هذهِ الحياة نديمٌ
لِرفيق الحانات إلْفا ألِفْتَه
أو جليسُ الأخيار في مَلَإِ الذِّكـ
ـر جليسُ الرحمن مهما ذكرته
تستوي عندك الشياطين في الحـ
ـانِ وجُلاَّس مَسجدٍ قد سَئِمْته !
سوف تلقى نتائِجَ الحب في اللـ
ـه وعُقْبَى الجِنان مَعْ مَنْ ودِدتَه
أوْ تُلَقَّى يومَ الجزاء كِفاءً
إن أطعتَ الهوى الهوانَ وَرِثْتَهْ
الأخِلاّء يَومها في عِداء
أنْ جَليسٌ من التُّقاةِ جفَوْتَه
وأباليسُ كنت عُمْرَك تغشى
وعشير من البُغاة اصطفيته
أَإِلى التائبين فِئْتَ مُنيباً
تتلافَى عمْراً خسيسا أضعته؟
مع المُطّهِّرين تَوضّأْت
وقلباً بالصالحات صقلته؟
وبِجُنْحِ الظلام في الفجر أسرعـ
ـت الخُطى شَطْرَ مَسجد ونَحَوْته؟
ومع الراكعين فرضك أدَّيْـ
ـت وفي الساجدين ليْلَكَ قُمْتَه؟
ومع الصادقين كنت مُطيعا
أمر ربي، تلوته وفقهته؟
ومع المحسنين قلبُك أضْحى
يقِظاً مِن عَبير روحٍ شَممته؟
فتنبهت ثم شَمّرْتَ عن سـ
ـاقٍ مع الطارقين بابا أتيته
باكيا ضارعا تَئِنّ وتدعو
آمِلا ترتجي نَوَالاً سَألْتَه
ربِّ بالصالحين ألْحِقْ رِكابِي
واغفر اللهم مأْثَماً قد عَلِمْتَه
أولا: الاستعارة الحسية وتثبيت اليقظة
يفتتح الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله حديثه عن الصحبة بنداء حارّ يخرج من عمق التجربة التربوية، لا من مجرد الوعظ النظري، فيخاطب الإنسان في لحظة صدق مع ذاته، داعيا إياه إلى الوقوف على حقيقة حاله قبل فوات الأوان، قائلا:
ابْك بَلْواك واغتنم فضْلَة العمـ
ـر لتلقى الجليسَ تَحْمَدُ نَعْتَه
ففعل الأمر «ابك» لا يحيل هنا على البكاء العاطفي العابر، بل يستدعي معنى الانكسار الواعي الذي يسبق التحول، ويؤسس لليقظة القلبية. أما «اغتنم فضلة العمر» فتوحي بأن الزمن رأس مال قابل للنفاد، وأن ما بقي منه ليس ترفا بل فرصة إنقاذ. وفي هذا السياق، تأتي الصحبة لا بوصفها خيارا ثانويا، بل باعتبارها ثمرة هذه اليقظة ومجال تنزيلها العملي؛ إذ لا معنى ليقظة لا تغيّر دائرة المخالطة ولا تعيد ترتيب العلاقات.
وتتجلى حيوية الاستعارة بصورة أوضح حين ينتقل الإمام إلى تشخيص أثر الصحبة في النفس، مستدعيا الحواس لتقوم بدور الإقناع والتأثير، فيقول:
فلنِعْمَ الجليس نافح مِسك
ولَنعم التقِيَّ خِلاًّ تَخِذْتَهُ
فالصحبة الصالحة لا تُعرَّف هنا بحدودها الأخلاقية المجردة، وإنما تُستعار لها صورة «نافح المسك»، أي ذلك العطر الذي يفوح أثره تلقائيا، ويؤثر فيمن جاوره دون جهد أو تكلف. وفي هذه الصورة دلالة عميقة على أن أثر الصحبة الصالحة تربوي صامت، يعمل بالقدوة والمخالطة قبل الخطاب، ويزكي النفس بالمعايشة قبل الموعظة. فالخير لا يُلقّن فحسب، بل يُستنشق ويُعاش.
وفي المقابل، يرسم الإمام صورة نقيضة لا تقل قوة وتأثيرا، فيقول:
ولَبِئْسَ العشيرُ نافِخُ كير
مثلما نال مِن تحارِيقَ نِلْتَهُ
فهنا تتحول الصحبة الفاسدة إلى كير نافخ، لا يكتفي بحرمان جليسه من الخير، بل يوقعه في الأذى والاحتراق. والكير في المخيال الحسي فضاء خانق، لا يُجاور إلا على حساب الصفاء والنقاء، وهو بذلك استعارة دقيقة لأثر الصحبة السيئة التي تطبع القلب بطابعها، وتفسد الذوق الروحي كما يفسد الدخان الهواء. واللافت أن الأذى في هذه الصورة ليس اختياريا، بل حتمي، فكما لا يسلم الجالس إلى الكير من شرره، لا ينجو المصاحب لأهل السوء من آثارهم.
وتبرز حيوية الاستعارة في هذا السياق من كونها لا تكتفي بالتصوير، بل تؤدي وظيفة تربوية حاسمة؛ فهي تهز الوجدان، وتستفز الحواس، وتدفع المتلقي إلى إعادة النظر في شبكة علاقاته من منطلق شعوري عميق، لا من مجرد قناعة عقلية باردة. وهكذا تتحول الاستعارة من أداة تزيين لغوي إلى آلية توجيه وبناء، تثبت اليقظة في القلب، وتحرسها من التبدد، بربطها العضوي بالصحبة التي تغذيها أو تخنقها.
وهذا ما قرره عبد القاهر الجرجاني حين أكد أن الاستعارة تمنح الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، وتنقل المتلقي من مجرد الفهم إلى التذوق والمشاهدة 1. وهكذا تتحول الاستعارة إلى أداة تربوية، تجعل البيت الشعري ميزانا أخلاقيا عمليا.
وقد أصل القرآن الكريم لهذا المعنى بقول الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: 28]، وعلّق الإمام رحمه الله بأن الصحبة الحية شرط من شروط السير إلى الله، لا مجرد ترف روحي أو خيار ثان 2.
ثانيا: الاستعارة والاقتداء.. الصحبة نور
يقول الإمام:
مَثَّلَ الشَّكْل والشَّبيهَ نَبِي
هو نورُ الهدى إذا ما اقتبَسْتَه
في هذا البيت تتجلى حيوية الاستعارة بوصفها جسرا يربط بين التجريد والواقع، بين المبدأ النظري والواقع المعيشي. فالصحبة الصالحة هنا ليست مجرد علاقة اجتماعية محايدة، بل هي اقتفاء عملي لأثر النور النبوي؛ فالاقتداء يتحقق بالمعايشة والمخالطة والتشرب، حيث يُقتبس النور بالفعل قبل القول، ويُحس أثره قبل أن يُدرك بالذهن.
ويأتي هذا المعنى في انسجام تام مع ما أشار إليه الإمام في حديثه عن تربية الصحابة رضي الله عنهم، إذ كانوا يُربَّون بالحال قبل المقال، وبالحب قبل السلطة، فانتقل الإيمان من قلب إلى قلب حتى تفجرت ينابيع اليقين 3.
وهكذا تنقل الاستعارة القارئ من مجرد المعرفة النظرية إلى الاقتداء العملي، ومن العزلة الفردية إلى الانفتاح على نور الصحبة والجماعة، حيث تُصبح العلاقة مع الآخر طريقا لاكتساب الهداية وتقوية الإرادة. وقد لخّص الجرجاني هذه الوظيفة بدقة حين قال: «شأن الاستعارة أن تنقلك من معرفة الشيء إلى مشاهدته»، مؤكدا أن القوة الحقيقية للصورة البلاغية تكمن في فعاليتها في الحياة العملية، لا في مجرد الإعجاب بها ذهنيا.
ثالثا: الاستعارة ميزان أخلاقي ومسؤولية وجودية
ينتقل الإمام من التصوير إلى المساءلة القيمية:
أنت في هذهِ الحياة نديمٌ
لِرفيق الحانات إلْفا ألِفْتَه
أو جليسُ الأخيار في مَلَإِ الذِّكـ
ـر جليسُ الرحمن مهما ذكرته
في هذا الانتقال، تتحول الاستعارة من مجرد صورة جمالية إلى محكمة ضمير تزن سلوك الفرد وقيمه. فالنديم هنا ليس مجرد رفيق عابر، بل معيار يقيس حسن الاختيار، ويكشف أثر الصحبة على النفس والمصير. الإمام هنا يضع القارئ أمام خيار أخلاقي وجودي: أي الطريقين يسلك؟ وأي الصحبتين يرضى أن يكون معها؟ فالصحبة ليست مجرد متعة، بل هي فضاء حقيقي لتطبيق الإيمان، وميدان لاختبار صدق الالتزام بالمبادئ والقيم.
وبهذه الاستعارة، تصبح المسألة أكثر من مجرد حكم فكري أو نصيحة نظرية؛ إنها مسؤولية وجودية، فالاستسلام للصحبة الفاسدة يعني ضياع البوصلة الروحية، وتثبيت الذل والابتعاد عن الرحمة الإلهية، بينما الصحبة الصالحة تحافظ على توازن النفس، وتغذي القلب بالذكر والعمل الصالح وتربطه بالله سبحانه وتعالى. وهكذا، تنقل الاستعارة القارئ من التأمل العقلي إلى تجربة شعورية أخلاقية، تجعل من كل صحبة امتحانا ووزنا للروح، ومن كل خيار قرارا مصيريا يترك أثره في حاضر الإنسان ومستقبله الأخروي.
رابعا: ميزان القيم ومسؤولية الاختيار
تستوي عندك الشياطين في الحـ
ـانِ وجُلاَّس مَسجدٍ قد سَئِمْته !!!
سوف تلقى نتائِجَ الحب في اللـ
ـه وعُقْبَى الجِنان مَعْ مَنْ ودِدتَه
أوْ تُلَقَّى يومَ الجزاء كِفاءً
إن أطعتَ الهوى الهوانَ وَرِثْتَهْ
تتجلى قوة الاستعارة في قدرتها على تحويل التحذير النظري إلى تجربة حسية ووجدانية: فالصحبة الفاسدة تُجسّد في الشياطين والحانات، أي أنها تؤدي إلى الاختناق الروحي والضياع، بينما الصحبة الصالحة تتجسد في حضور المسجد ومجالس الخير مع أهل الخير.
بهذه الصورة، تصبح الاستعارة أكثر من مجرد تزيين لغوي؛ فهي آلية تربوية عملية تجعل القارئ يشعر بأثر الصحبة قبل أن يحكم عليه عقليا، وتربطه مباشرة بالنتائج الواقعية والروحية لاختياراته، فالمحبة في الله تثمر خيرا دنيويا وأخرويا، والانغماس في الهوى يؤدي إلى الهوان والضياع.
وهكذا تتحول الاستعارة إلى ميزان أخلاقي ووجودي، يوضح أثر الصحبة على النفس ويجعل الفرد مسؤولا عن اختياراته، ويجسّد العلاقة بين الالتزام بالقيم وبين النتائج العملية، من تعزيز الإيمان إلى ضبط السلوك، لتؤكد الرسالة الكبرى للإمام: أن الصحبة ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل فضاء امتحان وجودي يحدد مصير الإنسان في الحياة والدين.
خامسا: الاستعارة والندم الوجودي.. الصحبة والمصير
يقول الإمام:
الأخِلاّء يَومها في عِداء
أنْ جَليسٌ من التُّقاةِ جفَوْتَه
وهو صدى مباشر لقوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67].
إنه تصوير صادم يقوم على قلب المتوقع؛ إذ تتحول الخُلّة إلى عداوة، لأن الصحبة التي لم تُبن على التقوى تنقلب يوم الحساب إلى سبب للتلاوم والتخاصم. ويأتي الاستثناء «إلا المتقين» ليؤسس قاعدة قرآنية محكمة مفادها أن دوام الصحبة مرهون بالإيمان والعمل الصالح.
ويتعمق هذا المعنى باستحضار مشهد الندم الوجودي: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان: 27]، حيث يُجسّد الندم النفسي في صورة حسية مرئية، لتأكيد أن الصحبة ليست علاقة وقت، بل رفقة مصير ونجاة أو هلاك.
سادسا: الصحبة مع الجماعة.. الاستعارة الحركية
يستمر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في توظيف الاستعارة، لكن هذه المرة تنتقل من البعد الساكن للحس والتأمل إلى البعد الحركي والفاعلي، فيقول:
ومع المحسنين قلبُك أضْحى
يقِظاً مِن عَبير روحٍ شَممته؟
فتنبهت ثم شَمّرْتَ عن سـ
ـاقٍ مع الطارقين بابا أتيته
باكيا ضارعا تَئِنّ وتدعو
آمِلا ترتجي نَوَالاً سَألْتَه
تتحرك السلسلة الفعلية في الأبيات – شممت، تنبهت، شمّرت، أتيت، دعوت – لتصوّر التحول من اليقظة الفردية إلى العمل الجماعي، فكل فعل هنا ليس مجرد فعل شخصي، بل يكتسب دلالته الجماعية: المصاحبة للصادقين والمخلصين، والاندماج مع المحسنين، والكينونة مع الطارقين باب الله تعالى، فتتجاوز بذلك الاستعارة الحسية الفردية لتصبح أداة ديناميكية للتربية الجماعية؛ فالصحبة لم تعد مجرد شعور وجداني أو تقدير أخلاقي، بل انخراط حي في جماعة سالكة، حيث تتحرك القلوب معا نحو الهدف الواحد، كما جاء في الحديث الشريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد” 4.
وبذلك تؤكد الاستعارة الحركية أن الحركة الملموسة – من شعور إلى فعل، ومن فرد إلى جماعة – هي جوهر التربية العملية؛ فهي تجعل القارئ أو السامع يعيش التجربة الحقيقية للصحبة والجماعة، ويدرك أن اليقظة الفردية تتكامل وتثمر فقط عندما تتجسد في سلوك جماعي منسجم ومؤثر.
سابعا: الدعاء مخ العبادة
يختتم الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله هذه السلسلة من الصور البلاغية بدعاء صادق يرفع فيه يديه إلى الله، قائلا:
رَبِّ بِالصَّالِحِينَ أَلْحِقْ رِكَابِي
وَاغْفِرِ اللّهُمَّ مَأْثَماً قَدْ عَلِمْتَهُ
تتجلى الاستعارة هنا في أسمى صورها، فهي تحول الدعاء إلى فعل تربوي حي، إذ يصور الإمام احتياج النفس البشرية للالتحاق بركب الصالحين لتثبت خطواتها وتستقيم مسيرتها. فـ”الركاب” هنا ليست مجرد جماعة عابرة، بل رمز للصحبة الصالحة والجماعة الواعية التي توجه الفرد وتدعمه في مشواره.
كما أن الاستعارة في “اغفر اللهم مأثما قد علمته” تفتح باب الوعي الذاتي والمسؤولية الفردية، إذ تُجسد المأثم ليس كمفهوم مجرد، بل كوزن حقيقي يُحاسب عليه الإنسان، مما يجعل الدعاء وسيلة لاستكمال التربية الفردية والجماعية معا، ويحوّل الشعور بالذنب إلى يقظة أخلاقية وتوبة.
خاتمة
من خلال هذه المحاور المتتابعة – من الاستعارة الحسية التي توقظ الفرد، إلى الاستعارة كجسر للاقتداء بالنور، إلى ميزان القيم في اختيار الصحبة، ثم الاستعارة الحركية في الجماعة، وختامها بالدعاء – تتضح حيوية الاستعارة في شعر الإمام عبد السلام ياسين. فهي لا تكتفي بالوظيفة الجمالية، بل تتعداها إلى وظيفة تربوية ووجودية توقظ الوعي، وتصقل السلوك، وتحدد الاختيار، وتحرك الفرد نحو الجماعة، ثم تربطه بالله في نهاية المطاف.
اللهم اجز عنا الإمام عبد السلام ياسين خير الجزاء على ما أنفق من علم وهداية، وعلى جهده في بسط أساليب التربية بالكلمة المسموعة والمكتوبة، بالنثر والشعر، وبكل وسيلة عرفها في سبيل هداية القلوب. اللهم اجعل ما بذله ذخرا له يوم القيامة، واجمعه مع أنبيائك وصالح عبادك. اللهم اجعل سيرته نورا يهتدي به كل من طلب الحق، واهدنا جميعا إلى درب العلم والعمل الصالح الذي عاش لأجله، واملأ قلوبنا شوقا لنبيك، اللهم ألهمنا الاقتداء به في القول والعمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.