بعد “أيت بوكماز”.. احتجاجات بمناطق أزيلال تكشف عجز السياسات التنموية في “المغرب المنسي”

Cover Image for بعد “أيت بوكماز”.. احتجاجات بمناطق أزيلال تكشف عجز السياسات التنموية في “المغرب المنسي”
نشر بتاريخ

مرة أخرى يعود الشارع القروي إلى الواجهة عبر مسيرات احتجاجية متوالية، وهذه المرة من دوار آيت عبي بجماعة تيلوكيت ومن دواوير أكمير بجماعة أيت عباس، وقبل يومين بدواوير جماعة “تامدا نومرصيد” في إقليم أزيلال، حيث خرج السكان في خطوة جماعية عاكسة للغضب الذي يختزن معاناة طويلة مع التهميش والعزلة، رافعين مطالب لم تخرج عن المألوف: طرقات مفقودة، مدارس متداعية، خدمات صحية غائبة، ومرافق أساسية ما زالت خارج متناولهم في القرن الواحد والعشرين.

اعتقالات ووعود.. أسلوب قديم لإخماد الاحتجاجات

مساء اليوم، الأربعاء 10 شتنبر 2025، أفرجت السلطات بمدينة أزيلال عن قرابة 20 شخصا من المحتجين المشاركين في مسيرة سلمية، نظمها سكان دواوير جماعة اكمير بجماعة آيت عباس، وقطعوا أزيد من 50 كيلومترا مشيًا على الأقدام نحو عمالة الإقليم بأزيلال.

وكانت القوات العمومية قد أوقفت هؤلاء المحتجين، منذ الصباح على خلفية المسيرة الاحتجاجية التي نظّمها سكان جماعة اكمير للمطالبة بتحسين ظروف العيش وفكّ العزلة عن المنطقة. وعقب إطلاق سراح الموقوفين، تلقى المحتجون بعد حوار مع عمالة الإقليم “وعودا” و”التزامات” بتلبية مطالبهم.  

قطرة ماء وكهرباء وشبكة طرق.. مطالب مستعجلة لفك العزلة

وصباح الثلاثاء 09 شتنبر 2025، انطلقت مسيرة من مناطق أيت عباس، وأخرى من عمق جبال تيلوكيت، حيث تحدى السكان المسالك الوعرة ليصلوا إلى مشارف مدينة أزيلال، حاملين يافطات تطالب بالحق في طرق معبدة وماء صالح للشرب وكهرباء تنير بيوتهم البسيطة، ورفعوا شعارات تعبر عن الاستياء من الواقع الذي يعيشه أبناء “المغرب المنسي”، حيث تغيب أبسط متطلبات العيش الكريم.

كما خرجت مسيرات أخرى يوم الإثنين من دواوير تيزة وأيت فراج وتباشكوت وأورير بجماعة تامدة نومرصيد، للمطالبة بتعبيد الطريق الرابطة بين تمدا نومرصيد وأورير، وبناء مستوصف وملاعب القرب.

 

المشاركون في مسيرة إكمير أيت عباس إقليم أزيلال باتوا في العراء بـ “مدارة أيت امحمد” بعد أن قطعوا 40 كيلومترا مشيا على الأقدام لإيصال مطالبهم إلى السلطات الإقليمية بأزيلال، قبل مواصلة الطريق صباح اليوم لمسافة تزيد عن 50 كيلوميترا، ووفق وسائل إعلام متابعة للشأن المحلي بأزيلال فإن السلطات اعترضتهم ومنعتهم من دخول المدينة والوصول إلى مقر العمالة ما أدى بعد التدافع إلى تسجيل توقيفات كثيرة في صفوف المحتجين.

وعود متكررة لمشاكل متفاقمة

من جانبها، ساكنة تازانيت بجماعة أيت اقبلي بالإقليم ذاته، تعود إلى الاحتجاج بعد شهر من الانتظار، فبعد الوقفة السابقة التي تدخل السلطات ووعدت الساكنة بإيجاد حلول عاجلة لمشاكل التعليم الأولي وتعبيد الطريق وتزويد الدوار بالماء الصالح للشرب، وجد السكان أنفسهم يوم أمس الثلاثاء مضطرين إلى الدخول في اعتصام جديد، بعدما طال الانتظار دون أي تفعيل للوعود، وفق ما أكدته مصادر محلية.

العزلة المفروضة على تلك المناطق المحتجة لا تقتصر على صعوبة التنقل وغياب خدمات القرب خاصة منها التعليم والصحة والمرافق الاجتماعية اللازمة، وإنما تعكس ضعفا في التخطيط وغياب رؤية تنموية شمولية. فالطرقات المهترئة تقطع أوصال تلك القرى عن المراكز الحضرية، خاصة في مواسم الأمطار، وتضاعف من معاناة الأسر في تأمين حاجياتها الأساسية، بل وتعرقل وصول أي مبادرة تنموية قد تُخفف من وطأة العزلة.

هذه الوضعية ليست حالة مرتبطة بدوار آيت عبي أو بدواوير اكمير، أو بدواوير جماعة تامدة نومرصيد، وإنما هي صورة مكررة لما تعرفه عدة مناطق قروية بإقليم أزيلال وغيرها من مناطق العالم القروي، حيث تتحول المطالب البسيطة إلى معارك يومية تخوضها الساكنة في صمت أو عبر الاحتجاج.

التعليم والصحة.. حقوق مؤجلة

المحتجون عبروا عن استيائهم من واقع التعليم، حيث يضطر الأطفال إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارس متواضعة، وهو ما يضع مستقبلهم الدراسي على المحك، ويغذي ظاهرة الهدر المدرسي في صفوف الفتيات خصوصا.

إلى جانب التعليم، يعاني القطاع الصحي من غياب شبه كلي؛ فغياب مستوصفات محلية قادرة على تلبية الحاجيات الضرورية، أو طاقم طبي قار يجعل المرضى مضطرين لقطع مسافات طويلة بحثا عن العلاج. وهي وضعية كارثية تزداد وطأتها مع معاناة كبار السن والنساء الحوامل، ما يحول الخدمات الصحة إلى امتياز وليس حقا تحرص الدولة على توفيره وتقريبه من الجميع.

غياب هذه الخدمات الأساسية يعكس خللا عميقا في السياسات العمومية التي ما تزال عاجزة عن توفير الحد الأدنى من العدالة المجالية، رغم الوعود المتكررة والمخططات التنموية التي تظل حبيسة الخطابات.