الراحمون يرحمهم الرحمان | الحلقة الثالثة || لا تضيق واسعا

تناول فضيلة الأستاذ منير ركراكي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، في الحلقة الثالثة من سلسلته حول صلة الرحم؛ "الراحمون يرحمهم الرحمان"، بقية أنواع الأرحام "التي ينبغي أن نليها من العناية الواسعة ومن الرعاية كافيا وافيا ضافيا شافيا"، بعد أن تكلم في الحلقة الأولى عن الرحمة التي شقت منها الرحم، وفي الحلقة الثانية عن: الرحم؛ أسرة ونسبا وصهرا، وأقارب أجدادا وأحفادا.
وأورد الغاية الكبرى من الصلة، ذلك أن "الناس من أب واحد وأم واحدة آدم وحواء جعلهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا وليتواصلوا وليتعاونوا على البر والخير، وأيا كان هذا الإنسان فهو من طين ونفخة من الروح يكرم لأنه صناعة الله وبنيان الله سبحانه وتعالى".
ولفت إلى أن "الأخوة الإنسانية أو الآدمية المكرمة واسعة شاسعة متنوعة"؛ منها "أخوة في العرق والدم، هذه الأخوة ينبغي أن نرعاها وأن نعطيها حقها وأن نصونها من أن تكون في حاجة إلينا ونحن لا نبالي، أو يأتينا منها ما يأتي فنقلي ونغالي، ولا نعفو عمن ظلم ولا نصل من قطع ولا نعطي من حرم"، ناهيا أن تتحول هذه الأخوة "إلى عصبية وإلى حمية جاهلية هي من أركان الجاهلية الأربعة:
• ظن الجاهلية كفرا وإلحادا.
• حكم الجاهلية استبدادا وفسادا.
• تبرج الجاهلية عهرا وفسادا.
• حمية الجاهلية تعصبا وعنادا.
فلا ينبغي أن نتعصب لعرقنا ودمنا، وأن نجانب العدل والإنصاف، ونجحف في حق الآخر الغريب عنا عملا بقولة مشهورة "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب"".
ومن هذه الأخوة الإنسانية أيضا "أخوة في الوطن والبيئة والعَلَم، فهذه أيضا ينبغي أن نعطيها حقها وأن نرعاها وأن نوفيها ما هو واجب علينا، أن نوفيها إياه دون أن نفاخر ونتعصب إلى الوطن، وأن نركن إلى هذه الحدود الجغرافية التي صنعها الاستعمار وأوهمنا أنها أصيلة، وما هي إلا طارئة هو من ابتدعها وافتعلها وفبركها لنصبح شتيتا لا وحدة لنا".
وأضاف الأستاذ ركراكي نوعا آخر من أنواع الأخوة، أسماها بأخوة "الفم والقلم"، وقصد بها "اللغة التي نتكلم بها في الوطن الواحد، وهذا أمازيغي وهذا عربي وكل يفتخر بنسبته ويعادي الآخر ويزري به ويعتبره دخيلا أو يعتبره هجينا أو ما إلى ذلك من صنوف الألقاب، وماهي إلا أسماء سميتموها ما أنزل الله بها من سلطان، فإنما كرامة ابن آدم في التقوى، لا في ما يدعيه من قوة ويستقوي به ويستعدي ويتفاخر ويمن ويستكثر".
ثم بعد ذلك هناك "الأخوة في الإنسانية؛ أخوك في الإنسانية ينبغي أن ترعى حقه، وأن تعامله بالإحسان، وأن تكون كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقري الضيف ويحمل الكل ويكسب المعدوم ويعين على نوائب الحق ويصل الرحم".
وهناك أيضا "رحم في الإنسانية والنسب"، فكيف نرعى هذا الحق؟ و كيف نعمم إحساننا على الناس؟ يتساءل الأستاذ ركراكي قبل أن يجيب: "رسالتنا إلى الإنسان الإحسان، كما قال الإمام رحمه الله وكما يقول سيد قطب في ''أفراح الروح''؛ ألا يستحق منك هذا الآدمي كلمة طيبة، ابتسامة، صدقة حانية، أو هدية حانية؟ إنما تنمو فينا شجرة الخير عندما نحسن الظن بالآخرين فنستخرج ما فيه من خير، وإنما تذبل هذه الشجرة وتذبل معها كل ثمرة عندما نزري به ونحتقره ونقاطعه، نستعلي عليه ونستغني، ''إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى''، عندما نعتبره الآخر، نحن الذات وهو الآخر، هذه النحن الأنانية، هي أنا ولكن في ثوب نحن، في جبة نحن، ولا زال كما يقول الإمام رحمة الله عليه: ما زلتم بخير ما دمتم تقولون نحن لا أنا، فإذا غرف أحد منكم غرفة بيمينه وقال: أنا، حرم فضل الآخرين وهدم ما بنى، هدم حتى ما بني من هذه الإنسانية وهذه الآدمية المكرمة".
ثم هناك "الأخوة في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة، كما كان الأشعريون وكما كان الأخوة المهاجرين والأنصار محبة وإيثارا". فنسأل الله تعالى أن تكون أخوتنا مما يرتقي إلى هذه الأخوة في الله".
واستدعى لتبيان فضل هذه الأخوة الحديث القدسي الذي يقول فيه ربنا عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الذي: "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله". فجثا أعرابي على ركبتيه وقال: صفهم لنا، حلهم لنا يا رسول الله، فقال رسول الله: فقه الأعرابي، هم قوم تحابوا بروح الله من غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور. قال ابن القيم الجوزية رحمه الله: ''يذكرون الله''، هم الذاكرون، والله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، قال: على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، على الطريق اللاحب الواضح لا غموض فيه ولا التواء، ولا يمضي بك إلى المجهول. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، فاستدرك سيدي عبد السلام: ''المجاهدون في سبيل الله''، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ'".
وفي تعدي هذه الصلة ابتداء بالأسرة وانتهاء بالبشرية جمعاء، قال الداعية الأستاذ ركراكي: "هذه المحبة التي لا تبقى بين سقف وحيطان العرق والدم، حدود الوطن والعلم، محصورة في سجن وزنزانة اللغة -اللسان والقلم-، واسعة فضفاضة مائعة حيث الإنسانية والنسب وحيث هناك جوانب أخرى لا تمسها هذه الأخوة؛ حقوق الإنسان والكرامة الآدمية وحقوق المواطنة وما إلى ذلك مما هو مشترك، وضيق واسعاً من هذه الأخوة في الله الواسع سبحانه وتعالى، في الله الذي وسعت رحمته كل شيء".
وأضاف مؤكدا "هذه الأخوة في الله، الأخوة في رسول الله: "ليتَ أنَّا نرى إخوانَنا قالوا: يا رسولَ اللهِ ألسنا إخوانَك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني قومٌ آمنوا بي ولم يرَوني"، وفي رواية: للواحد منهم أجر خمسين منكم، قالوا: منا أو منهم، قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الحق أعوانا ولا يجدون على الحق أعوانا. هؤلاء الإخوة الذين عبر عنهم سعيد النورسي وكما يسميه الإمام رحمة الله عليه أستاذ في شعبة التفكر في آيات الله القرآنية تدبرا وآيات الله الكونية تفكرا وآيات الأنفس تبصرا، هذا الرجل المبارك قال: المتحابون في الله أرواح في جسد واحد، لهذا أنت ترى الواحد بقوة العشرة والعشرين والثلاثين، حسب ما يتسع إليه قلبه من محاب. ويقول رحمه الله: المتحابون في الله أرواح في جسد واحد، حتى إذا أثم منهم الواحد وأراد الله أن يعاقبه.. وهَبوا مسيئهم من المحسنين، ورصيدهم ما ساهموا فيه لا ما ساهموا به، أَقْلِل بالذي ساهموا به وأعظم بالذي ساهموا فيه، قال كالخمسة في بيت وليس فيه مصباح، أتى الواحد منهم بقنديل وآخر بزيت وآخر بفتيل وآخر بوقود وآخر بمشكاة، فلما تضافرت الجهود تأتى المصباح، مع أن أيا منهم لا يملك أن يكون له مصباح، فكان رصيدهم ما ساهموا فيه الذي هو المصباح لا ما ساهموا به الذي هو الوقود والزيت والفتيل والقنديل والمشكاة. ثم يقول بأن هؤلاء المتحابين في الله يعطون حسناتهم للواحد منهم، لأن لا أحد منهم يملك بما حصّل من حسنات دخول الجنة، فلما يذهب لا ينسى إخوته، ويرفع لافتة فيها إضراب عن طعام الجنة حتى يدخل إخوته؛ ''عبدي ادخل الجنة بعملك'' قال: وأخي، قال: إنه لم يعمل عملك، قال: رب إني أعمل لي وله، قال: أمسك بيد أخيك وادخلا الجنة. لهذا المتحابون في الله يدخلون إلى الجنة يداً في يد، لأنهم لا يرضون أن يدخل الواحد دون الآخر؛ ''وأخي، وأخي'' دائما. قال الحسن اليوسي لأحد مريدي شيخه: هل ذكرتني عند شيخنا؟ قال الحسن اليوسي رحمه الله: غفر الله لك، وكيف لا أذكره وأنا أنت، وأنت أنا، بل ذكرتك ونسيت نفسي. هذه المحبة هذه الأخوة في الله كما كانت الأخوة الأشعرية وكما كانت أخوة الأنصار والمهاجرين".
وشدد عضو مجلس إرشاد الجماعة على أن "هذا النموذج الراجح الناجح الصالح لأن يعمم، ينبغي أن نحييه فينا، لأنه القوة كما قال سيدي عبد السلام؛ الطاقة التي لا تقهر، والتي دعمها سيدي عبد السلام بالرباطات ومجالس النصيحة ودعاء الرابطة وصلا للاحق بالسابق. فكل هذه أرحام نورانية ينبغي أن نقوي صلتنا بها، ''ولا صديق حميم''، هناك شافعون وهناك صديق حميم يقوم مقامهم، حتى يعي من في جماعة المومنين كم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة. قال سعيد النورسي: لا يكشف رصيدهم، لا يعرف إلا في الآخرة، عند ذلك يغبطهم النبيئون والشهداء، لا لأنهم أفضل منهم ولكن كانوا يتقالون ما عندهم من عمل ولكن يعظمون ما وصلوا إليه من أجر.. الرجل في فراش نومه وهو يرقى إلى ربه، قال: كيف ذلك يا أبا الدرداء؟ قال هو نائم وأخوه قائم يدعو له، لأنهم إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم بحق، والذين هم إخوان من صلب أب واحد هو أبوهم الروحي، والذي أمرنا أن نبحث عنه ''المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل''، الذين أُمِرْنا أن نستهدي صراطه المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا في الدنيا ويوم الدين، الذي أمرنا أن نتبع سبيله اتبع سبيل من أناب إلي .. هذا الأب الروحي، العارف بالله، الدال على الله الذي يكمن إن كان مجاهدا في سبيل الله، وفضل الله المجاهدين..".
وكما هناك أب روح، يضيف الأستاذ ركراكي، هناك أم دينية، "وهذه الأم الرؤوم من رحمها ينبغي أن نخرج، هذه الأم التي تكتنفنا في سلوكها الجماعي، ولا جهاد إلا بجماعة منظمة، وفي منهاجها النبوي؛ صحبة وجماعة وصدقا وبدلا وعلما وعملا وسمتا حسنا وتؤدة واقتصادا وجهادا. هذه الأم الرؤوم التي منها ينبغي أن نخرج، فعقد قران الأب والأم هو من يكون سكنا لنا آويا، ولباسا واقيا، وحرثا زكيا، بَيْد أن نكون طليعة مجاهدة، وأن ننفتح على غيرنا بميثاق إسلامي هو مائدة ندعو إليها غيرنا لكي نتفق ونتوافق على ما به نغير ما بأمتنا، ونكون قبل ذلك قد أهلنا أنفسنا لتغيير ما بالأمة بتغيير ما بأنفسنا، إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ، حتى تكون لنا قومة نستشرف بها دولة الإسلام وخلافة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام والحمد لله مسك الختام".









