تخليدا للذكرى السابعة لرحيل الإمام.. موضوع الأخلاق يزين نصيحة الوفاء

افتتحت جماعة العدل والإحسان فعاليات إحياء ذكرى رحيل مرشدها الإمام عبد السلام ياسين المركزية، في يومها الأول، السبت 14 دجنبر 2019 الموافق لـ17 ربيع الآخر 1441، بمجلس نصيحة تضمن بعد تلاوة آيات بينات من القرآن الكريم كلمتين؛ دارت الأولى حول مدارسة الآية 159 من سورة آل عمران: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" مع الدكتور رشيد عموري، وتناولت الأستاذة نادية بلغازي في كلمة ثانية الكمال الخلقي عند الإمام ياسين.
قدم للجلسة الدكتور عبد الصمد الرضى، عضو مجلس إرشاد الجماعة، الذي بيّن الغاية من هذا المجلس الكريم قائلا: "لكل نفس جاءت تطمح أن تعرف الله، وأن تعبد الله، وأن تجاهد في سبيل الله عز وجل جهادا يقيم العدل والإحسان في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقذ من كَتبَ الله تعالى له الإنقاذ من الناس ليكونوا في غمرة عباده الصالحين يوم القيامة". وبسط برنامج الذكرى وبرنامج المجلس.
قبل تمرير الكلمة للمتداخلين تم عرض شريط بث رسالة للإمام يحث فيها على التحلي بالأخلاق الحسنة، منوها بدور الخلق الحسن في التعامل مع الناس والسلوك إلى الله تعالى، معتبرا أنه لا يكفي التدين إن كان هناك فراغ خلقي، وأن المرء لا يصل مرتبة الربانية إن لم يحز الخلق الفاضل، وأن الخيرية في الدين لا تكون بالتدين لكن بالخلق الحسن، وأوضح أن الأخلاق الحسنة معيار أعطاه الله لهذه الأمة لاختبار درجة الإيمان، بناء على أحاديث، من بينها "إنَّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقَاً، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ".
انبرى، بعدها، الدكتور رشيد عموري، لشرح معاني الآية المذكورة آنفا، فقال عن الجزء منها: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ"؛ "ما" صلة تحمل معنى التأكيد، وأن متعلق الخطاب في هذه الآية قيل هي أمة رسول الله والصحابة الكرام وكل المسلمين إلى يوم القيامة، وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبرحمة الله بنبيه جعله رحيما بأمته.
وفي الآية "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ " قال مفسرا: الفظ هو الجافي والغليظ، هو القاسي القلب، وهو الذي لا يتأثر بشيء. وبيّن أن "المقصود الأعظم من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن يبلغ تكاليف الله ويهدي الناس لتكاليف الحق، ولا يمكن أن يتم هذا إلا إذا مالت قلوبهم وسكنت له، لذلك وجب أن يكون لينا رحيما عطوفا وأن يتجاوز عن أخطاء أمته، ولا يمكن أن تجتمع الليونة والرحمة مع الفظاظة، لذلك نهاه الله تعالى عنها وبرأه منها".
وأضاف عموري أن هناك من قال بأن المقصود في الآية "فَاعْفُ عَنْهُمْ" هم الصحابة الكرام بعد أن خالفوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ليؤكد بأن الأمر أعم من هذا ويتعداهم إلى كل المسلمين، وهذا الأمر من الله تعالى لنبيه غايته أن تحصل له فضيلة التخلق بأخلاق الله، وهي سنة لنا نحن أيضا أن نتخلق بأخلاق الله تعالى، فمن صفاته العفو والرحمة..
"وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ"؛ وضح المتكلم أن الأمر "اعف عنهم" يقصد به فيما بدر منهم في حقك (أي في حق رسول الله)، و"استغفر لهم" فيما بدر منهم من الذنوب ويستحقون عليه العقوبة.
وللتأكيد على مبدأ الشورى في قوله تعالى "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ"، ساق عموري حديث "مَا شَقِيَ عَبْدٌ قَطُّ بِمَشُورَةٍ، وَمَا سَعِدَ بِاسْتِغْنَاءٍ بِرَأْيٍ"، وقول الحسن "ما تشاور قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمورهم"، وبيّن أن أهل المشورة هم أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله تعالى، من يتحلون بعشر خصال جمعها الله تعالى في سورة الشورى.
وفسر العزم في الجزء من الآية "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ" بأنه مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم، وأضاف: فإذا حصل الأمر بعد المشورة وجب على الإنسان أن يتوكل على الله تعالى، ومن كمال التوكل أن نعتمد على توفيق الله.
"إن الله يحب المتوكلين"؛ المتوكلون هم الراضون بقضاء الله تعالى، المستسلمون لحكمه سبحانه سواء وافق ذلك هوى أنفسهم أم خالفه، يقول عموري، ويسوق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "يدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب قالوا من هم يا رسول الله، قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون".
ليختم بالتأكيد على أن ما اتصف به الرسول من الرحمة واللين والرفق اتصف به ورثته من العارفين والعلماء الراسخين لتتهيأ لهم الدعوة إلى الله تعالى.
في المداخلة الثانية؛ كشفت الأستاذة نادية بلغازي أن الإمام عبد السلام ياسين ركز في كتاباته المتنوعة على مجموعة من الكمالات، ومن جملتها الكمال الخلقي. وخصوصا في كتابه تنوير المومنات حيث وجه إليه المؤمنين والمؤمنات وجعله رأس الكمالات، فلا دين يرجى إلا بالارتباط بالكمال الخلقي، وهو واجهتنا في التعامل مع الناس.
وأضافت أنه في الجزء الثاني من كتاب تنوير المؤمنات نجده قد وطأ بمجموعة من الممهدات التي لا يمكن أن نتخلى عنها، هي: الحب في الله تعالى ورسوله، وحب الأهل والصحب الكرام، وحب من صحب ومحبة من أحب... ثم تحدث عن الصبر مع الجماعة وصحبة الشعب...
وأشارت بلغازي أن الإمام وهو يحث المؤمنة على النهوض من أجل أن تشق طريقها إلى الإحسان والتقرب إلى الله عز وجل فهو بالضمن يخاطب المؤمنين كذلك، مستندة على قوله رحمه الله في الكتاب ذاته: "أن يتنور عقل المؤمنات والمؤمنين بعلم تزكية النفوس".
وأوضحت "أن الإمام وهو يعرض لقضية أخلاقية إنما يربطها ربطا إلى السمو المنشود من أجل أن نتقرب إلى الله عز وجل، وبذلك يعتبره محوريا لازما منافيا للأعرابية التي نجدها صفة ملازمة لبعض الناس .. نجد أن هذه الغلظة لم ترققها معاني الإيمان وآداب الإيمان، وبالتالي فقد تبقى كامنة في النفوس عليها أن تتجاوزها".
وبينت أن الإمام رحمه الله تعالى تحدث عن البعد الفردي ثم البعد الجماعي في طلب هذا الكمال. فتناول البعد الفردي من خلال خمسة أوجه:
1) عرض ما هو مألوف في واقع كثير من الناس مما نجده من التعامل بلطافة وبلين مع الأقرباء والأصدقاء.. لكن مع باقي الناس قد تستفزنا بعض المواقف، ويقول الإمام أن الأمر لا يجب أن يكون بهذه الصورة وإنما كمال الأخلاق يظهر في معاملتنا الراقية وفي رفعة سجايانا مع كل الناس.
2) اعتبر أن الكمال الخلقي إنما ينبع من قلب قد تنور أصلا بمحبة الله تعالى والقرب منه، وهذا ينعكس سلوكا طاهرا ومميزا وخصالا عظيمة في التعامل مع الآخرين. يقول الإمام: "نعرف أنك على هدى وصلاح وعلم وتقوى بما يظهر منك من هذه الآداب".
3) أكد أن الطبع الغضبي لا يمكن أن يقبل في السائرين إلى الله تعالى والملتزمين بشرعه والذين يتحملون هموم الدعوة إلى الله، لأنه دليل على استحواذ الطاقة الغضبية والشهوانية والشيطانية.
4) بيّن أننا حينما نتكلم عن كمال الأخلاق وعلو السجايا فإنما نتكلم عن أمر ضروري في الدعوة إلى الله تعالى، فالأمر لا يتعلق بالكماليات ولكن بالضروريات التي لا يمكن أن ننفك عنها.
5) يشير الإمام إلى بعض الطبائع والتطبعات عند المؤمنين، فيتحدث عن المتربة والمسغبة في الجانب الأخلاقي، التي تحول دون تبليغ الدعوة للناس بالشكل المطلوب، وهذا مما يجب معالجته.
في البعد الجماعي يركز الإمام رحمه الله تعالى على نقطيتن أساسيتين:
1) الكمال الخلقي عند إدراك الفتح والنصر للجماعة التي تريد أن تحقق أمر الله في واقع الأمة، الكمال الخلقي يظهر في محك الصدق مع الله وتحمل الأذى من الناس، مع التزام الحذر وحسن التوكل على الله تعالى من حيث هو اتخاذ للأسباب وإتقان للتدافع.
2) الكمال الخلقي في مخالطة الناس وترك حياة الخلود ومعانقة حياة الشهود بالصبر على الناس والمشاركة في بناء الأمة الإسلامية.
وخلصت في آخر مداخلتها إلى مجموعة من الاستنتاجات، نوردها باختصار:
1) أن الكمال الخلقي يكتسب في ظل صحبة جامعة على الله تعالى، والطباع إنما تزين وتلين وتلطف بمجالسة أهل الإيمان.
2) الكمال الخلقي مرتبط ارتباطا وثيقا بكمال الدين، وهو من أساسيات الدعوة.
3) الطبع الغضبي يفسد الدعوة، وضبط الأخلاق مطلوبة عند الدعاة.
4) ينبغي أن لا نيأس من تخليق الوافدة إلى الله تعالى، فلعل تحت القشر لب كريم.
5) الاجتهاد والملاينة والمخالقة كلها خصال مطلوبة، لكن لا يمكن أن نترخص في المبادئ والقيم الثابتة.
6) الضجر في مواجهة قدر الله تعالى مع الالتزام بكل هذه المعاني هو رفض لقدر الله سبحانه وتعالى، وهو أمر لا يصح أن يكون.
7) الخلق لا يظهر فقط في التعامل مع الغير ولكن أساسا يظهر في معاملتنا لأقربائنا وأحبابنا وأهلينا.. والبر الشامل للبشرية جمعاء.
8) الكمال الخلقي ارتقاء للتأسي بأخلاق النبوة، بأخلاق الله سبحانه وتعالى.









