ومضات من واقع الحرمان

دخل الشيخ سامي على زوجته وهي تتلو ترانيم الصباح، وقلبها الندي يهفو لغد أجمل ترى فيه كل من تحب كما تحب، ولسانها يلهج بدعاء خاشع لمفرج الكروب وساتر العيوب أن يجعل من أمرهم وأمر الناس، كل الناس فرجا ومخرجا...
دخل عليها مثقلا بهموم الرزق وقلة ذات اليد وشيبة لم توقر في أرض لا ترحم الشيب ولا الشباب، تدفع هؤلاء إلى المغامرة بالروح، والمقامرة بالوجود لانسداد سبل الرزق الكريم، وأولئك للكدح مهما انثنت منهم الأظهر ووهنت العظام وامتلأت الرؤوس شيبا.
دخل بيته المتواضع الموجود في ركن قصي من مدينة تلهب نيران الغلاء ساكنتها، وهو يجر قدميه بخيبة وحسرة يكاد يتفطر لهما قلبه المعصور بآلام السنين، تمتزج في حلقه غصة فقدين فتنساب الدموع ببطء وحرارة من مقلتين مهترأتين من فرط الحزن والبؤس.
فقد ابنا بارا في بحر تنتظر حيتانه بشهية وجبة الإنسان اليأسان الذي يدفعه الحرمان إلى الفرار من أرض الطغيان، كما فقد شعور الآدمية في طوابير استجلاب الرزق التي لا تقبل برجل ذهب بريق قوته وقد بلغ من العمر ما بلغ.
ماذا يَطعم ويُطعم؟ أيرضى لنفسه مد اليد ليسأل الناس إلحافا؟ كلا وكلا وإن اضطر لأكل ورق الشجر مثل البهائم لما فعل، وإن وضع الحجر على بطنه ليسكت به صفير أمعائه الفارغة، وإن انقطع منه النفس ...، قد يضيع المال والولد لكن كيف يرضى بضياع ماء الوجه والكرامة الإنسانية.
استقبلته أم محمود بإشراقة وجه الصابرين، تطمئنه وتسليه دأب الصالحات من النساء التي سمعت عنهن منذ الصبا فأصبح همها من الدنيا أن تكون مثلهن، قنوعة رضية مستسلمة لحِكم الله في قضائه، تحاول الحياكة بما تبقى من ضوء البصر، حتى تعين وتفيد.
هرعت إلى إسكات جوعته بفتات وجبة يدعم فقرها رَطُبات هدية من جيران مِلاح، أكل وحمد ثم انفرجت ثناياه بسؤال: "إلى متى يا أم محمود؟ أبعد كل هذا العمر نكدح كدح الحمير ولا معين؟ "فصبر جميل، قالت، لو كنا لوحدنا، لتمزقت منا الأحشاء كمدا، لكنها عمت وهانت، والغد يقينا أكثر إشراقا. لا تغرنك الفئة اليسيرة التي خلقت في بلدنا بين السندس والذهب والحرير، الشاذ لا يقاس عليه يا غالي، وعند الله تنصب الموازين.
اكتسى حوار الرزق طابع السياسة، سياسة عمياء تغني وتفقر، تضحك وتبكي، تزيد الغني غنى والفقير فقرا، فيعيش الأفراد على وتر التفاوت المهول، ويتمايل البعض شبعا وتتضور الغالبية من الطوى. طال الكلام وخلصا معا إلى أن الإرادات الحية ما يعوّل عليه في التغيير المنشود.
تحسست جنبات طاولة من خشب قديم ومدت إليه يدها بخطاب.
قرأه بلهفة من أضناه البعاد: "يا بشراي هذا فتاي" قال، ثم استطرد جذلا: "التقطته الأيادي المحسنة هناك معالجة مسعفة بعدما ارتطم قارب الفرار بالصخر، وبقدرة قادر قرر العودة ليشارك في البناء، لأن الأنانية لا تصنع بلدا، والفرار لا يدحض الفساد الجاثم على الصدور، والطغيان وإن كان سببا في الحرمان فإن زواله رهين بإرادة التغيير. أشرق وجهها بوميض أمومة عارمة، اشتقات إلى فلذة الكبد ووهج الروح.
استبشرا خيرا بلم الشمل من جديد، ودعوا الله أن يرد الغالي سالما ولسان حالهما يقول: صدق قائلها: #الطغيان_يصنع_الحرمان، والتغيير آت لا جدال.






