حوار هادئ قبل الاقتراع

نشرت على حائطي عبر الفيسبوك وأنا أعبر عن موقفي من مقاطعة الانتخابات التشريعية، لا إهمالا لواجبي تجاه وطني، ولكن انطلاقا من قناعة راسخة لدي بأن التغيير لا يُنتظر من آلية اختلت في تقديري شروط فاعليتها: "حين أمتنع عن التصويت، لا أضع نفسي خارج وطني، بل أمارس بطريقتي حقي في أن أختلف حول الطريق الذي أراه أصلح له. وسيظل واجبي تجاهه قائما قبل الانتخابات وبعدها وفي كل حين؛ لأن حب الوطن ليس موسما انتخابيا، وإنما مسؤولية دائمة".
قال لي مخاطبي، وهو بالمناسبة شخص أقدره وأحترم رأيه: "اللحظة الانتخابية ليست كغيرها، هي محطة حاسمة في المسار السياسي للبلد، والحضور خلال هذه المحطة يقطع الطريق عن تجار الانتخابات. أما عدم المشاركة فيترك المجال رحبا لهم ليصطادوا أقل عدد من الأصوات بأقل كلفة. واجب الوقت هو دعم الأنقى والأصفى والأفضل، والانتظار يفوت شرف المشاركة والمساهمة".
وهو رأي يُحترم على كل حال، لأن لكل منا زاويته في النظر إلى الشأن العام، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
تفاعلت مع رأيه قائلة: "المشاركة، أستاذي، لا تقطع تلقائيا الطريق على فساد السياسة؛ قيمتها مرتبطة بقدرة صوت الناخب على الاختيار والمحاسبة والتأثير. ومن يقاطع اعتراضا على شروط العملية السياسية لا يقول إن السياسة لا تعنيه، بل يقول إن مجرد الحضور إلى الصندوق ليس بديلا عن إصلاح شروطه، أما إذا تغيرت الشروط التي دفعته إلى المقاطعة، فمن الطبيعي أن يتغير موقفه. أما مطالبته بالمشاركة أولا، ثم مطالبته بعد ذلك بانتظار التغيير، فهي بالنسبة إليه قلب معيب للمعادلة؛ هو يريد أن يرى شروطا موضوعية تمنحه سببا معقولا للثقة قبل أن يمنح صوته، لا أن يمنح صوته أولا على أمل أن تأتي تلك الشروط لاحقا. والمحك هو واقع المشاركة الذي يوهم الكتلة الانتخابية المشاركة، على ضآلتها، بوعود مزيفة، لا لأنه كاذب بالضرورة، بل لأنه منزوع الإرادة ضمن لعبة سياسية لا يملك فيها حق التغيير".
ثم شكرت مروره الطيب.
وقد دفعني هذا الحوار إلى محاولة تفكيك دفوعات زميلي ومساءلتها، وكذا مواجهة نفسي أيضا بأسئلة صريحة وواضحة.
أليس القول إن المشاركة هي التي تقطع الطريق على "تجار الانتخابات" يفترض ضمنا أن أصل المشكلة يكمن أساسا في سوء اختيار الأشخاص؛ أي أن هناك مرشحين سيئين وآخرين أفضل منهم، وأن حضور عدد أكبر من الناخبين كفيل بإيصال "الأفضل".
لكن، أليس المقاطع ينطلق من سؤال أسبق من ذلك كله: هل تتوافر أصلا الشروط التي تجعل الاختيار الانتخابي قادرا على إنتاج أثر سياسي فعلي، وعلى جعل من يتولى المسؤولية خاضعا لمحاسبة واضحة ومؤثرة؟
ليست المشاركة قيمة قائمة بذاتها لمجرد أنها مشاركة، كما أن الامتناع ليس بالضرورة لامبالاة أو هروبا من المسؤولية. من حق المواطن، قبل أن يمنح صوته، أن يسأل: ما حدود سلطة المؤسسة التي انتخب أعضاءها؟ وهل يستطيع المنتخب تنفيذ ما يعد به؟ هل المسؤولية السياسية موزعة بوضوح بحيث يعرف المواطن من يحاسب عند النجاح أو الفشل؟ وهل المنافسة السياسية تجري ضمن شروط تمنحه الثقة في جدوى اختياره؟
أما القول إن عدم المشاركة يترك المجال لهم ليصعدوا بأقل عدد من الأصوات، فهو منحى يناقش نتيجة ممكنة للمقاطعة داخل القواعد الانتخابية القائمة، لكنه لا يجيب عن اعتراض المقاطع على تلك القواعد نفسها، أو على شروط العملية السياسية أو على البيئة السياسية التي تعمل داخلها.
قد يقول القائل، وحقيق به أن يفعل، إذا كنت أعتقد أن الخلل بنيوي وليس مجرد سوء اختيار الأشخاص، فلماذا يصبح واجبي هو إضفاء الشرعية، من خلال مشاركتي، على عملية لا أرى أنها تحقق الغاية التي يفترض أن يحققها التصويت؟
أما الدعوة إلى "دعم الأنقى والأصفى والأفضل" تفترض أمرين يحتاجان، بالنسبة إلي، إلى جواب:
أولا، هل هذا "الأفضل" قادر فعلا على المنافسة والوصول؟
وثانيا، ما أثر وصوله؟ هل يمنحه من الصلاحيات والوسائل ما يسمح له بتحويل برنامجه إلى سياسة ملموسة، وماذا أنتجت المشاركة السابقة في حياته وفي علاقته بالمؤسسات؟ وهل استطاع المنتخبون الذين مُنحوا الثقة أن يحولوا وعودهم إلى أثر سياسي واجتماعي واضح؟
قد لا يكون المنتخب الذي يعد الناس مموها بالضرورة أو مروجا لبرنامجه بالبهتان، لكنه قد يجد نفسه محدود القدرة، منزوع الإرادة، داخل بنية سياسية لا تمنحه، من أدوات القرار ما يكفي لتحقيق ما تعهد به.
الأكيد، أنه إذا اختل أحد هذين الشرطين، لا يبقى السؤال مقتصرا على نزاهة المرشح، بل يمتد إلى طبيعة المؤسسات وشروط العمل السياسي نفسه.
أما وصف المشاركة بأنها "شرف"، فقد يحول، من حيث لا نشعر، مسألة سياسية قابلة للنقاش إلى حكم أخلاقي؛ فالمواطن لا يفقد وطنيته لأنه امتنع عن التصويت، كما أن مجرد وضع ورقة في الصندوق لا يكفي وحده لقياس مقدار إخلاصه لوطنه أو اهتمامه بشأنه العام. فقد تكون المشاركة موقفا واعيا، وقد تكون المقاطعة كذلك، بحسب دوافع كل طرف والأسس التي بنى عليها موقفه.
ومن هنا فإن الديمقراطية، كما أفهمها، لا يصح اختزالها في يوم الاقتراع وحده؛ لأن الانتخابات جزء من الممارسة السياسية، لكنها ليست كل السياسة، وينبغي وجوبا أن ترتبط بالمحاسبة، ووضوح المسؤولية، وفعالية المؤسسات المنتخبة، وحرية التعبير والتنظيم، وشروط المنافسة السياسية.
لذلك فليس السؤال الذي أطرحه بإلحاح على نفسي قبل غيري لماذا لا أختار الأقل سوءا؟ بل ما الذي يجعل صوتي أداة حقيقية للاختيار والتأثير والمحاسبة والتغيير بدل أن يكون مجرد رقم يضاف إلى نسبة المشاركة؟ فإن وجدت يوما جوابا مقنعا عن هذا السؤال، وتغيرت الظروف التي صنعت موقفي، فلن أجد حرجا في مراجعته؛ لأن المواقف السياسية عندي ليست عقائد منزلة، وإنما أجوبة عن واقع متغير.
أما اليوم، فموقفي ليس خصومة مع صندوق الاقتراع، ولا قطيعة مع الوطن، ولا دعوة إلى اللامبالاة، إنما هو سؤال معلق أضعه أمام نفسي قبل غيري: "إذا كان صوتي أمانة، فمن حقي كذلك أن أسأل عن أين أضع هذه الأمانة، وما الذي سيبقى منها بعد إغلاق الصندوق؟".
أجاب زميلي: " أستاذتي الفاضلة الطيبة، ما لم أستوعبه هو الحديث عن شروط المشاركة السياسية: من سيوفرها ومن سيصنعها ومن سيفرضها؟ أليس المواطن هو من سيصنع هذه الشروط من داخل المؤسسات أو من خارجها، ولكن من خلال مؤسسات مدنية أخرى؟ هل ننتظر صاحب السلطة أن يمن علينا بهذه الشروط؟ أو ننتظر من صاحب مصلحة أو فاسد مفسد يستفيد من عدم وجودها أن يمن علينا بها؟ أتصور أن روح التدافع تتجلى في أن تتوافر موازين قوة تسمح بطرح أو فرض ما يراه كل طرف شروطا أساسية لممارسة ما.
أنموذج 20 فبراير أقرب إلينا من غيرها بما أفرزته من نتائج، ومن ضمنها إخلاء الساحات لصالح الحوار المجتمعي المؤسسي، والذي نعيش اليوم أحد فصوله. صحيح أن بعض مؤشراته أطلت برأسها مع احتجاجات جيل z، لكنها أقبرت في مهدها لغياب توازن قوة حتى على مستوى الاقتناع بالفكرة أو بالمشروع (الذي لم يكن قد تبلور بعد). لذلك، المقاطعة لن توفر الشروط المنتظرة، وسيطول الانتظار مادام الوضع على ما هو عليه، أو ربما سيتراجع (كما في 2021) وسنناضل أملا في العودة إلى ما كنا عليه، لأننا ضيعنا زمنا نضاليا كان من الممكن أن نربح نقاطا فيه لصالح الإصلاح. هي الفسيلة، من تأتى له أن يزرعها، فليفعل، "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله". كلام نفيس، نحن في أمس الحاجة لاستيعاب مضامينه وروحه، خاصة في لحظات مفصلية من واقعنا. كل التقدير والاحترام".
فقلت: " أتفق معك أستاذي الكريم، أن شروط الإصلاح لا تنتظر هبة من صاحب السلطة، كما يستبعد، أن يصنع صاحب المصلحة في بقاء الوضع كما هو بنفسه شروط تغييره، بل تنتزع بالتدافع والعمل المجتمعي، وإلى العمل المتراكم، وإلى مواطن لا يكتفي بالمشاهدة، لكن موضع اختلافنا أولا ليس في ضرورة الفعل، وإنما في تحديد أي فعل يكون ذا أثر في اللحظة المعينة، وفي كوني لا أساوي بين الفعل السياسي والمشاركة الانتخابية.
فأنا لا أضع المقاطعة في مقابل النضال، ولا أفهمها انتظارا سلبيا حتى يمن أحد علينا بشروط أفضل؛ المقاطعة، حين تكون واعية ومعللة ومتصلة بموقف سياسي واضح، يمكن أن تكون هي نفسها شكلا من أشكال التعبير والضغط؛ مثلما أن المشاركة لا تصبح، بمجرد وقوعها، فعلا إصلاحيا بالضرورة. العبرة عندي ليست بالفعل في ذاته، بل بما يستطيع أن يحدثه فعلا في ميزان التأثير والمحاسبة.
قد يسهم المواطن في تغيير شروط الممارسة من داخل المؤسسات أو خارجها؛ بالعمل المدني، والتنظيم، والضغط المجتمعي، والنقاش العمومي... ومثال 20 فبراير نفسه الذي ذكرتَه أستاذي، يؤكد أن تغيير الشروط قد يبدأ خارج المسار الانتخابي ثم ينعكس عليه، وأن الفعل السياسي لا يختزل في المؤسسة الانتخابية، وأن الضغط المجتمعي قد يصبح في بعض اللحظات جزءا من إعادة تشكيل شروط العمل المؤسسي نفسه.
لذلك فالمقاطعة عندي ليست انتظارا سلبيا وإنما قد تكون موقفا سياسيا حين يكون الاعتراض منصبا على شروط العملية نفسها، كما أن المشاركة، في المقابل، لا تصبح إصلاحا بمجرد وضع ورقة في الصندوق.
أما قولي إنني أريد شروطا موضوعية تمنحني سببا للثقة، فلا يعني أنني أطالب بأن يُنجز غيري الإصلاح كاملا ثم آتي لأستفيد منه؛ وإنما يعني أن مشاركتي ينبغي أن تكون مرتبطة بإمكان معقول لأن يتحول الاختيار إلى أثر، والوعد إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى محاسبة، وإلا خشيت أن تتحول المشاركة من وسيلة للتغيير إلى مجرد إثبات للحضور.
أوافقك، أستاذي، في نقطة أساسية، في كون المقاطعة الفردية الصامتة التي لا يصاحبها عمل ولا ضغط ولا تنظيم لن تغير شيئا، وليست أصلا من شأن العقلاء، لكن المشاركة التي تنتهي عند الصندوق لن تفعل ذلك أيضا.
لهذا فالسؤال عندي ليس متمركزا حول من سيمنحنا شروط المشاركة؟ بل حول الوسيلة الأقدر في كل مرحلة على تغيير تلك الشروط فعلا؟ فإن أصبح للصوت أثر حقيقي في الاختيار والمحاسبة، زال جزء كبير من سبب المقاطعة.
أما الفسيلة، فأتفق مع معناها تماما، ولا أخالف روحها النبوية مطلقا؛ فقط أراها أوسع من ورقة التصويت، فقد تكون عملا مدنيا، أو موقفا، أو كلمة، أو ضغطا منظما، أو مشاركة انتخابية حين تتوافر أسباب جدواها.
المهم عندي ألا نتوقف عن الغرس، عكس واقعنا الانتخابي الذي يغيب أواره بعد الاستحقاقات، وألا نخلط بين اختلافنا في وسيلة الإصلاح واختلافنا في إرادة الإصلاح نفسها.
إن الوطن، عندي، أكبر من ورقة انتخاب، والمواطنة أطول عمرا من يوم اقتراع، والمشاركة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد من دخلوا مكاتب التصويت، بل كذلك بمن امتنعوا حبا في الوطن وحماية له من إطالة عمر الفساد والاستبداد.
كما أن المشاركة الحقيقية تقاس بقدر ما يشعر المواطن، بعد أن يغادرها، أن صوته ظل حاضرا في القرار ولم ينته مفعوله عند باب مكتب الاقتراع.
وما أجمل ختمك بقوله سبحانه وتعالى: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله"، فلعل "ما استطعت" تفتح لنا أيضا باب قبول اختلاف الاجتهاد في الوسائل، ما دامت الغاية إصلاحا صادقا، وكان الاختلاف محكوما بهذا القدر من الاحترام الذي أعتز به في حوارنا. والله المستعان.






