في ضيافة العدل والإحسان.. خبراء يفحصون النموذج التنموي ويسائلون منهجه ومضمونه

في المحور الثاني من جلسة صباح الأحد، التي خصصت لسؤال التنمية ضمن ندوة "المغرب وسؤال المشروع المجتمعي"، والتي نظمتها جماعة العدل والإحسان بمناسبة الذكرى التاسعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، تطرق كل من الدكاترة محمد بن مسعود ونجيب أقصبي وفؤاد عبد المومني وعمر الكتاني إلى قضية التنمية وعلاقتها بالنموذج التنموي للمغرب.
عبد المومني: التنمية الحقيقية تبدأ بالإدماج الحقيقي لعموم المواطنين
في البدء رفض عبد المومني الموافقة على كثير من خلاصات التشخيص الواردة في تقرير النموذج التنموي، مثل ضعف تأهيل الرأسمال البشري، واقتصاد الريع، وانعدام ثقة المجتمع، وهي مسائل رأى أنه أصبح عندنا تقرير رسمي يقر بها، أما الطموحات التي تعبر عنها هذه الوثيقة فهي "مجتمع جميل كلنا نريده"، ليستطرد لكن السؤال الذي لم تجب عنه الوثيقة: هو أن الطريقة التي نفكر بها وجربناها منذ خمسين عاما لم تعط جديدا نوعيا، "المغرب في تقديري ليس بحاجة للوك الخطاب حول تخليق الإدارة العمومية، بل كيف وأين سنتجه؟".
ثم أوضح أن القطائع المطلوبة ضروري أن تكون واضحة لكي نصل لنتيجة، وليس ذلك بتقديم مجموعة من الأمور التقنية مثل إضافة واحد في المئة هنا وحذفها من هناك. مشددا على الفوارق بين واقع الاقتصاد وإنتاج الثروات وتوزيعها من جهة، وبين انتظارات وطموحات أوسع فئات الشعب المغربي من جهة ثانية، لهذا تُطرح باستعجال ضروري القيام بتغيير. واعتبر أنه ما دم المغرب يعرف اقتصادا صغيراً ف"الكلام عن منافسة الجزائر على الريادة الجهوية والإفريقية كلام فارغ، نحن معا اقتصادان صغيران جدا، لا نتحدث عن الريادة، بل فقط كي ننقذ أنفسنا ونخرج من الماء كما يقال، لأننا مرتبون فوق المئة في العالم".
ووقف الخبير الاقتصادي أيضا عند ضرورة حل مشكل أين تذهب الثروات، وكذلك حل الجوانب غير المنتجة والكفأة من الإدارة والمستوى المتردي للخدمات العمومية، مع مراجعة طريقة تعاملنا مع قضية الصحراء بما فيها من إرشاء للنخب والجمهور والدول الأجنبية...
وتابع المومني بقوله بأن أقل من مليوني مغربي في وضع شغل قار، أما البقية التي تتجاوز 20 مليونا فهي بين شغل غير قار أو شغل غير لائق أو عاطلة عن العمل، فلا بد أن نعلن إننا نريد "ثورة حقيقية لنبدأ في الإدماج الحقيقي لعموم المواطنين والمواطنات الذين يعانون من هذه الأوضاع الصعبة".
نقطة أخرى أكد عليها المتحدث؛ والمتمثلة في وقوع ما يشبه التوافق بين الدولة والنخب والفئات الموظفة، وشعارها "هنيني نهنيك"، بمعنى لا تقوموا بإضراب يتحول إلى مطلب سياسي. والأحزاب كذلك التي يفترض أنها تعتمد على قنوات مؤطرة ومنظمة، والقادرة على التعبير، فهي بدورها لا تتجه نحو الحديث باسم هؤلاء، والفئات التي تملك تنظيما نقابيا كذلك، فقد أصبحت النقابة سجينة المصالح الفئوية والفردية، والتي تؤدي غالبا في جزء منها إلى تقليص مستوى النجاعة والفعالية وجودة الخدمة العمومية.
وخلص المومني إلى أن هناك تردٍ عام تعرفه المسؤولية الفردية الجماعية، من قدرة على النجاح والإنتاج، فالأجيال الحاضرة اليوم في هذه الندوة، والتي نشأت في المدرسة العمومية كانت تملك طموحات، لا تملكها الأجيال الحالية، التي أصبحت تؤمن بأن إمكانات الارتقاء الاجتماعي محصورة فقط بالتقرب والتزلف والوساطات وليس عبر المجهود، فهناك إذا "مشكل جوهري في العقل السياسي المركزي، وكذلك هناك مشكل عقلية النخب والمجتمع، غياب عقلية تقدير المجهود وتشجيع العطاء وربط المسؤولية بالمحاسبة".
أقصبي: خطوط حمراء وضعت منذ البداية أمام النموذج التنموي
أما الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي فقد أوضح بأنه لا اختلاف حول أن هناك مجهودا جباراً ونقاشا نقديا صاحب الإعداد لما يسمى بمشروع "النموذج التنموي"، فقد اشتغل فيه أناس لديهم كفاءة محترمة، لكنه استدرك بالقول بأن النقاش متعلق أساسا بمضمون المشروع، ملخصا المشكل في عبارة واحدة هي أنه "منذ البداية وُضِعت خطوط حمراء مسبقة أمام من أشرفوا على هذا العمل، وهذا هو المشكل"، وأدى هذا إلى أن نتيجة التشخيص كانت "مغلوطة"، ولو أنه تم وضع الأصبع على بعض المشاكل.
وأوضح المتحدث بأن الريع مثلا ذكر لأول مرة في تقرير من هذا الحجم، وهناك اعتراف بأنه يوجد ريع في هذا البلد، لكن الريع المتحدث عنه في هذا التقرير "متعلق بالولوج للسوق، فقد ذكر بأن هناك فاعلين، لم يتم ذكرهم، يحتكرون ويستغلون موقعهم، لاحتكار قطاع معين كي يمنعوا على آخرين دخول ذلك السوق فقط. هذا هو مشكل الريع! أي أن مشكل الريع تم اختزاله في هذه النقطة فقط"، وتابع بالقول إن أي تحليل موضوعي لواقع الريع يبين أن هذا جانب صغير فقط، وإذا أردت تشخيصا حقيقيا وعقلانيا فعليك ألا ترى الجانب الاقتصادي فقط، لأن الريع هو "امتياز تأخذه، ليس بحكم عملك أو بحكم القيمة المضافة التي تقدمها، بل بحكم علاقتك بالسلطة".
المحلل الاقتصادي أضاف أن القرار السلطوي هو قرار سياسي يعطي ويمنح الرخص "لاگريما" ليس لمن يملك مؤهلات لتطور وخدمة قطاع معين (النقل مثلا)، بل لأنك تخدم السلطوية، فعلاقة الريع بالمنظومة الاقتصادية السياسية هي كنظام حكامة، بعبارة أوضح كسلطة سياسية تستغل الريع لكي تبني وتنمي طبقة زبونية، فعندما تعطى الامتيازات تخلق زبائن، والنظام السياسي يقيم بهذا ارتباطا عضوي وبنيويا بين السلطة والاقتصاد. وحتى إذا رأينا الأمر كاقتصاديين، أي فقط من الزاوية الاقتصادية، فهذه العلاقة التي تبنيها السلطة هي علاقة "غير منتجة، غير ناجعة، لا تخلق القيمة المضافة الحقيقية، وما الناتج الداخلي الخام إلا مجموع القيمة المضافة. إذا هذا نظام يدور في حلقة مفرغة ولا يخلق الثروة".
وانتهى أقصبي إلى القول بأن تحديدنا لحاجيات المغاربة دائما يجب أن يوضع في المرحلة التاريخية، في الزمان والمكان، هنا والآن، والمهم أن توضع بصفة عقلانية وديمقراطية، أي أن نأخذ آراء الجميع، خاصة بالنسبة للاستثمارات العمومية. مثلا هل المغرب اليوم في حاجة للقطار السريع في مناطق يوجد فيها قطار عادي وتوجد فيها طريق سيار؟ ألم يكن الأولى أن نضع قطارا يصل لزاكورة وأكادير والعيون والداخلة؟
الكتاني: في المغرب 4 أنواع من الريع
الأستاذ الجامعي عمر الكتاني أكد من جهته بأن الريع لا يوجد فقط في الرخص، بل يوجد كذلك في الاستثمارات العمومية التي يجعلها الهامش الريعي باهظة جدا. مضيفا بأنه لا يوجد استثمار عمومي لا يكون فيه هامش ريعي غير مستحق. أما فيما يتعلق بريع القطاع الخاص فهناك مسألة أكد المتحدث خطورتها، والتي تكمن في توقيع شخص واحد على إعطاء الرخص، والخطورة هي أن هذا الشخص يتقاضى 5 آلاف درهم في حين أن تعويض الرخصة الواحدة التي يوقعها يتجاوز 3 ملايين، ولهذا أقترح وجوب وجود لجنة غير معروفة، وألا تعطى لشخص واحد إمكانية هذا التوقيع.
وأحصى الكتاني أربعة أنواع للريع في المغرب وهي "ريع الدولة في الصفقات العمومية، وريع القطاع الخاص في الرخص مثلا، وريع القطاع الأجنبي في الصفقات كذلك، وهناك ريع آخر يريدون إضافته هو ريع الفقراء، أي منح الدعم والمال مباشرة للفقراء"، مضيفا بأن الدولة ستساهم في إسكات الفقراء، وهؤلاء بدورهم سيقومون بإسكات أبنائهم العاطلين، ويُدفعون إلى الغرق أكثر في استهلاك ما ينسيهم مشاكلهم وهي أزمة المخدرات، وتداعيتها الخطيرة جدا.
المتحدث سجل تعاظم خطر ما وصل إليه حال الشباب اليوم، فهو "غير قابل للإدماج في سوق التشغيل حتى لو وجدنا لهم مناصب شغل، وهذا لا يدخل في الإحصائيات ولا يتم الحديث عنه"، وذكر مسترسلا معطيات صادمة عن واقع الشباب، فهناك "مليون ونصف من الشباب المغربي يتعاطى الحشيش يوميا حسب التقارير الدولية، والخبرة الطبية أظهرت بأن الإنسان الذي يتعاطى المخدرات يفقد 60 في المئة من طاقته الإنتاجية، وأن كل سيجارة من المخدر تبقى في الدماغ 3 أسابيع، وبما أنهم يستهلكون بشكل تلقائي، فهؤلاء حتى لو أردنا تشغليهم فقد فقدناهم، وهذا من أخطر ما يهدد المستقبل".
ونادى المتحدث الدولة بأن تكف عن المسار الذي اتجهت فيه من تنمية لاقتصاد الريع قائلا بأن "الدولة منذ الاستقلال إلى الآن وهي تكون طبقة برجوازية استثمارية ريعية، على رأسها الأبناك والشركات والمشاريع الكبرى"، والآن على الدولة الاهتمام بالاقتصاد الاجتماعي، وأن توجه العمل الآن للقطاعات المتضررة الأخرى، وتوجهه للمناطق التي بها نقص وضعف.
الكتاني اعتبر أن النموذج التنموي الحالي لم يقم بتشخيص الوضع السابق لأن خطورته معلومة، فمثلا مما لا يتم الحديث حوله هو سكان البادية، فمع الاستقلال كان سكان البادية تقريبا 60 إلى 65 في المئة، والآن هم 40 في المئة، إضافة إلى أن ما بين 60 ألف إلى 120 ألف من شباب البوادي يهاجر للمدن سنويا. وهؤلاء يحملون معهم "ثلاثة موبقات: الأمية والفقراء والبطالة، ولا يندمجون، ويكوّنون حزامات الفقر داخل المدن، أي أن المدن تكبر والبادية تفرغ من السكان". وتابع قائلا أن الدولة تعلم الوضع العام ومشاكله، لكن الذي لا تفهمه هو أن الأوضاع تزيد إلى الأرذل والأسوء، ونحن نخاف على هذا البلد، وعلى الأمن الاجتماعي، وهي ميزة المغرب الكبيرة بعد الاستقلال، وتساءل بقوله "حافظنا على الأمن الاجتماعي في الـ 20 سنة الماضية وهي المسألة الأهم التي حققها المغرب في هذه المدة، ولكن هل سنحافظ عليها مستقبلا؟".
بن مسعود: 10 اختلالات تخترق النموذج التنموي الجديد
أما الدكتور محمد بن مسعود فقد رصد عشرة اختلالات في النموذج التنموي، تجعله "فقاعة إعلامية كالفقاعات السابقة، وذلك لأجل تلميع وجه الفساد والاستبداد"، أولها هو التعيين، فالتنمية لا تملى، ولا تستورد ولا تفرض، فالتنمية ثمرة نقاش مجتمعي حقيقي. أما الثاني فهو التقييد، فالخطب الملكية السابقة لإعداد النموذج حددت المهام والمخرجات التي لا ينبغي تجاوزها، وتساءل المتحدث عن "كيف يمكن أن نفرز نموذجا تنمويا ولا توجد حرية تعبير لا في للتشخيص ولا في الاقتراح".
وأضاف عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية اختلالا ثالثا هو الانتقائية، متسائلا "هل استمعوا لجميع المغاربة؟ هل استمعوا للمعارضة الحقيقية الموجودة بالشارع أم تم إقصاؤهم؟ وحتى فيما تم الاستماع فيه هناك انتقائية، ألم يدع أحد لمراجعة النظام السياسي ولم يعلق على شكله وطبيعة عمله؟". أما الرابع فهو غياب المحور السياسي. ثم كذلك الاستمرارية، التي كانت من شروط خطاب الملك في 2018، أي "الحفاظ على الخيارات والمشاريع والمخططات والاستثمارات، بمعنى رفض أي قطيعة، واستمرارية نفس المشاريع الفاشلة التي أوصلتنا لما نحن فيه".
وأضاف خللا آخر هو عدم الشمولية، فكل المحاور تقنية اقتصادية أو اجتماعية، وليس سياسية، رغم أن "العرض السياسي والدستوري انتهى عمليا، ولا يمكن القيام بإقلاع تنموي إذا لم يكن هناك إصلاح سياسي حقيقي، وعدالة حقيقية وفصل بين الثروة والسلطة، وربط المسؤولية بالمحاسبة". ثم الوصاية أيضا، فرئيس لجنة النموذج التنموي قدم التقرير للسفيرة الفرنسية قبل تقديمه للمغاربة. وتم اعتماد النتائج، قبل وضع التشخيص، فالخطاب الملكي قال بوجوب أن تؤخذ النتائج وتنفذ، قبل أن نرى كيف هي أصلا. وفي يوليوز 2019، تم تحديد آليتين للمتابعة، لجنة تحت وصاية السلطة الاستراتيجية للملك، أي "من هنا إلى 2035 هناك لجنة لا تخضع للمحاسبة".
وختم عاشر الاختلالات بالسؤال عن "كيفية اعتماد هذا المشروع مباشرة قبل أن يعرض أو يناقش؟ أين الحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة؟ كيف يتم القفز مباشرة إلى ميثاق من أجل التنزيل والتطبيق؟"، أما بخصوص المضمون فميزه اجترار شعارات سمعناها في السبعينات والثمانينات، مع بعض المنمقات مثل المقاربة بالنتائج والمؤشرات والقيادة بالتغيير إلى غير ذلك.







