صناعة الحرية (29).. عشر سنوات من الحصار: المعاناة والمكاسب

الفصل الثالث (1989-2000م): عشر سنوات من الحصار: المعاناة والمكاسب
حتى بداية الثمانينيات كان يمكن الحديث ولو نسبيا عن "رجل منفرد"1، عبد السلام ياسين الداعية أو المفكر أو المعارض السياسي، رمز بلا جماعة، غير أنه ابتداء من سجن لعلو ومرورا بفترة الحصار لا يمكن أن نعزل الأستاذ عن الجماعة التي تأتمُّ به، حيث كان فعله في الميدان هو بناء الجماعة بمؤسساتها، وتربية رجالها ونسائها وشبابها وتنظيمهم، إذ يمكننا القول بأنه وقع التحوُّل من عبد السلام ياسين الفكرة (في الذهن) إلى عبد السلام ياسين المشروع (في الواقع)، حيث أصبح الكل واحدا؛ إمام جماعة وجماعة رجل: لا جماعة بلا إمام ولا إمام بلا جماعة.
ولقد جاء الحصار كرد فعل عنيف من طرف السلطة السياسية2 على انتشار فكر الرجل في جميع الأوساط، وفي وقت وجيز. وحتى في الحصار كان الأستاذ يتابع عمل مؤسسات الجماعة واجتهادات لجانها ومبادرات أعضائها، إذ الإسلام في تصوره هو دين الجماعة المتحابة والمتشاورة والمتطاوعة، وليس مجرد نزعة فردية ومسألة شخصية3.
بعد أربع سنوات فقط من الخروج من سجن لعلو، ولم يكن اسم الجماعة (العدل والإحسان) آنذاك مذكورا، إذ لم تُقترح التسمية ويتم التوافق عليها إلا سنة 1987م، بعدما كتب الأستاذ رسالة في موضوع التسمية الجديدة التي تختصر برنامج العمل، حملت عنوان "رسالة العدل والإحسان"4، كان قد وجهها إلى أعضاء الجماعة ومنهم إلى جميع الناس، في ذي الحجة عام 1407ه/يوليوز 1987م.
وما إن أصدر الأستاذ الكتب الثلاثة التي ألفها في ذلك السجن، وأنهى محاضرات "مجالس العدل الإحسان" التي بسط فيها كليات المشروع التربوي والعلمي والفكري الذي يبشر به (وهي أحد عشر مجلسا)، حتى جددت السلطة حبسه وحكمت عليه بتاريخ 30 دجنبر 1989م بعقوبة "المنع من الحرية"، من غير محكمةٍ ولا تُهمة، حيث فُرض عليه الحصار في بيته، ومُنع الناس من زيارته حتى أقرب الناس إليه.
وبعد عشرة أيام من فرض الحصار، أي يوم 10 يناير 1990م، أقدمت السلطة على حلِّ الجماعة "رسميا وإداريا"، وأجبرت قيادة الجماعة على التوقيع على محضر الحل. وبعد ثلاثة أيام من ذلك، وبالضبط يوم السبت 13 يناير 1990 توجه أعضاء مجلس الإرشاد (محمد العلوي ومحمد بشيري ومحمد عبادي وفتح الله أرسلان وعبد الواحد المتوكل وأبو بكر بن الصديق) إلى البيت المحاصَر من أجل الالتقاء بالأستاذ ياسين، فتم اعتقالهم جميعا، ما عدا ابن الصديق، الذي نزل من السيارة باقتراح من الأستاذ فتح الله أرسلان قبيل الوصول إلى البيت. ولما علم الإمام بخبر الاعتقال هذا أرسل صهره الأستاذ عبد الله الشيباني إلى مفوضية الشرطة ليُبلغها احتجاج الأستاذ المحاصر على اعتقال أصحابه، فاعتقلوه هو أيضا وأشبعوه تعذيبا حتى فقد القدرة على الوقوف والمشي على رجليه.
فُرض الحصار بقسوة وتشدُّد على رجلٍ مسالم، يحمل مشروعا سلميا، يقترحه على الناس إن شاءوا قبلوه وإن شاءوا رفضوه، في السنة نفسها التي أنشئ فيها اتحاد المغرب العربي (1989م) بمدينة مراكش، زعما بأن السياسات الداخلية للدول الأعضاء راشدة، وقادرة على توثيق أواصر الأخوة وتحقيق الرفاهية والرخاء والتنمية لشعوبها، وستسهر على حفظ الحقوق وضمان العدالة والسلام لمواطنيها... لكن سرعان ما استفاق الحالمون على فشل سياساتهم وتخلف وعودهم.
وبعد أربعة أشهر وأربعة أيام من الحصار (يوم 3 أبريل 1990م) -وظنا منها بأن القانون فوق الجميع- تقدمت هيئة الدفاع بشكاية في موضوع الحصار إلى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمدينة الرباط، لعل المحكمة تنظر في الموضوع وترجع الأمر إلى موضعه القانوني. لكن دون جدوى. لأن قرار فرض الحصار هو عمل تحكمي ماسٌّ بالحريات الشخصية، صدر بتعليمات فوق السلطة ولم يصدر عن مؤسسات القضاء. كما هو الشأن في كل المجالات.
قد يقول البعض: الحصار هو مجرد منع من الفضاءات العامة وليس سَجنا، لأقول: إن الحصار هو سَجنٌ من نوع خاص، فإذا كان السجن يمنع السجين من التواصل مع عائلته وأصدقائه، ويدع له التواصل مع أصناف الناس بمستوياتهم وخلفياتهم المختلفة، فالحصار هو حبسُه في مكان ما ومنعه من مغادرته ومنع الناس من زيارته5، ومنعه حتى من لقاء باقي السجناء في السجن من العلماء والمفكرين والمثقفين، وتبادل الأفكار والتجارب معهم، وهو تماما ما ينطبق على حالة الأستاذ عبد السلام ياسين؛ حصارٌ مشدد بتطويق أمني مكثف للبيت ليلا ونهارا، ومنع الزوار من الدخول ومن الاقتراب ولو كانوا من العائلة والأقربين.
حوصر الرجل عشر سنوات وخمسة أشهر وستة عشر يوما، من غير محاكمة، واضطُهد الزوار والمحبون، ومُنعت الصحافة الوطنية والأجنبية من فتح الموضوع أو زيارة الرجل المحاصَر، إلا خلسة عن أعين المراقبة. وأقيمت حراسة مشددة على الحي الذي يسكن فيه (حي السلام)، ومُنع من الصلاة في المسجد، ومُنعت كتبه من الطبع والنشر والتوزيع. فقد حوصر حصارات وليس حصارا واحدا كما قال محمد بنجلون الأندلوسي رئيس الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني6، ونُشرت حول دعوته الشائعات وأذيعت الأراجيف، وحرَّضت السلطة عملاءها على نشر الإشاعات المغرضة، والرجل نادرٌ بتجلده ولامبالاته بمن يشوش على دعوته، ونادرٌ بجمعه بين أصالة التربية الإيمانية التي تؤسس كيان الأمة المعنوي، وبين صدق المعارضة السياسية التي تجسد روح القيام بالواجب السياسي في نصح الحكام والحكومات وتقويم السياسات.
فطِن الأستاذ إلى تبني منهجٍ يختار الوضوح على السرية، والرفق على العنف، والاستقلالية على التبعية للخارج. وتلك المبادئ الثلاثة جنَّبت البلد وقوع كوارث هو في غنىً عنها، يقول في بداية دعوته: "فسنعمل على وضح النهار وسنطلب بأن يكون لنا مواطئ أقدام تحت الشمس، وسنزاحم بالأكتاف الصادقة أكتاف رجال المصالح والمراوغات على جادة الحق حتى يستقيم لنا عليها سير، فإن منعنا من الكلام والتجمع والتنظيم فإنما ستجني الأنظمة المفتونة شوكا، ولن تبلغ من الغباوة أن تظن أنها عندما تغلق المتنفسات ستحول دون انفجار هذه الإرادة العارمة، إرادة الأمة كلها للحق والعدل"7، وبذلك كان له "فضله الكبير في تجنيب المغرب وأبنائه منزلق العنف، الذي عانت منه دول عديدة، كما رفض أي تنسيق أو دعم من الخارج، خاصة بعد نجاح الثورة الشيعية في إيران"8
المراجع
- 1.ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، مرجع سابق، ص 153. ↩
- 2.سطي، عبد الإله. الملكية والإسلاميون في المغرب، مرجع سابق، ص 122. ↩
- 3.انظر: ياسين، عبد السلام. الإسلام غدا، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1973م، ص 198. ↩
- 4.انظر نص الرسالة في فصل الملاحق، ملحق رقم 6. ↩
- 5.لا يرتبط الحبس بمكان محدد، وإنما بحرمان الشخص من حريته وإن كان في بيته، ومن معاني الحبس في نظرنا حصار شخص ما في مكان ما، ومنعه من التنقل والتصرف بحريته، وقد قال ابن تيمية في تعريف الحبس: "ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل الخصم نفسه أو وكيل الخصم عليه"، انظر: ابن تيمية، تقي الدين. مجموع الفتاوى، دار الوفاء، مصر، د.ت. 35/398. ↩
- 6.الأندلوسي، بنجلون. "ياسين فكَّر في كل شيء بالنسبة لأمته"، شهادة في الذكرى الرابعة لرحيل الأستاذ عبد السلام ياسين، منشورة في (youtube.com) بتاريخ 20 دجنبر 2016م، وشوهد في 3 ماي 2020م. ↩
- 7.ياسين، عبد السلام. مجلة الجماعة، مرجع سابق، عدد 1، ص 30. ↩
- 8.حوار مع زكي مبارك، مرجع سابق. ↩








