د. منار في حوار عن الانتخابات المغربية وأسباب مقاطعتها وشروط مشاركة العدل والإحسان

محتويات المقال
اعتبر الدكتور محمد باسك منار أن الانتخابات في التجربة الانتخابية المغربية "لا دور لها فيما يتعلق بالقرار السياسي والسلطة السياسية وما يتعلق بالحكم"، مشددا على أن من يحكم حقيقة لا علاقة له بالانتخابات ولا بالشرعية الانتخابية، كما أن من ينتخب لا علاقة له بالسلطة.
الانتخابات لا تحقق تداولا حقيقيا على السلطة
عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان الذي حل ضيفا في برنامج "بصيغة أخرى" مع الصحافي حمزة فاضل، أكد أن الوظيفة الأساسية للانتخابات الديمقراطية "هي التداول على السلطة"، حيث تأتي أحزاب سياسية وتتنافس على أساس رؤى سياسية وبرامج ومن يفوز يطبق رؤيته في السياسات العمومية من خلال السلطة التي تملك القرار السياسي فعلا، وتابع موضحا "هذا غير موجود في المغرب".
وأبرز منار أن التنافس الموجود في الانتخابات المغربية يدخل في إطار ما يسمى بـ"السلطوية الانتخابية" أو "السلطوية التنافسية" ومعناها أن التنافس يكون من أجل الظفر بهامش ضئيل جدا من القرار، ثم التنافس بشكل كبير على الاستفادة من "الريع الانتخابي والريع المؤسساتي". ومن معاني هذا التنافس أيضا؛ "التنافس على التزلف لمن يملك السلطة حقيقة ومن يملك القرار سياسي حقيقة".
واسترسل موضحا أن وظيفة الانتخابات في المغرب لا علاقة لها بالتداول على السلطة وتحقيق التمثيل السياسي كما هو الحال في الانتخابات الديمقراطية، ولكنها هنا هي "محاولة لإضفاء الطابع الديمقراطي على نظام غير ديمقراطي"، والأصعب من ذلك يقول المتحدث "حتى هذه الوظيفة لم تعد تنطلي على الناس لا في الداخل ولا في الخارج".
الانتخابات وسيلة لتجديد السلطوية
وقال أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية إن الانتخابات لا تقام لتحقيق أي انتقال نحو الديمقراطية أو أي انفراج، وإنما تقام لتجديد السلطوية، ومن حين لآخر تعدل بعض القوانين الانتخابية وحتى بعض اللاعبين (تكون أنت الأول ثم تصبح الثاني أو الثالث...)، وهكذا ندور في هذه الحلقة المفرغة بعيدا عن الوظيفة الأساسية المعروفة للانتخابات في العالم وهي الديمقراطية والتداول على السلطة.
وعن جدوى المقاطعة وماذا حققته منذ عقود، أكد منار أن الوعي بكل ما أشار إليه عن حقيقة الانتخابات وكونها واجهة ودوران في حلقة مفرغة؛ لم يكن ليتوسع في المجتمع وعند النخبة لولا خيار المقاطعة التي تتزايد من سنة إلى أخرى.
وجوابا عن من يطالبون بالنماذج الناجحة في المقاطعة، أكد الدكتور منار أن هناك تجارب دولية ومحلية ناجحة ووقف بالتفصيل عند تجارب عدة منها بنغلاديش سنة 1996، حيث قاطعت المعارضة الانتخابات مطالبة بحكومة انتقالية تشرف عليها، ولما أصر الحزب الحاكم نجحت المقاطعة وقوي الضغط، فأُعيدت الانتخابات وأجري تعديل دستوري وتشكلت حكومة انتقالية. ونفس الشيء في التايلاند سنة 2006 حيث قاطعت المعارضة الانتخابات وأُعيدت بفضل المقاطعة، كما ذكر تجارب لكل من زيمبابوي سنة 2008 وفي فنزويلا سنة 2005 كانت تجربة أخرى نجحت فيها المقاطعة.
حينما نجحت المقاطعة في فرض شروط سنة 1977
وفي السياق المغربي نفسه، ذكر صاحب كتاب "الانتخابات في المغرب؛ النظام القانوني وحدود الممارسة" الذي صدر حديثا، أن حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحركة الشعبية الديمقراطية، قاطعوا انتخابات سنة 1970، وأحدثت تلك المقاطعة توترا سياسيا استمر من 1970 إلى 1977، وكان من أسباب إعلان "المسلسل الديمقراطي" سنة 1976 وتنظيم انتخابات 1977 بشروط جديدة وبمشاركة شخصيات كبيرة مثل كعبد الرحيم بوعبيد وبوستة وأحرضان كوزراء دولة للإشراف عليها. واستدرك موضحا أن "المخزن يتكيف ويتلون لاحقا، ولكن المقاطعة كان لها دور وفائدة مؤكدة".
وفي حديثه عن إشكالية "التغيير من الداخل"، قال إن الحزب السياسي بمجرد دخوله إلى المنظومة الانتخابية مع افتراض حسن النوايا كما حدث مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية، بفكرة "سأدخل ولا أترك المقعد فارغا لأغير من الداخل"، يدخل في طاحونة المخزن. وفي الأخير، الحزب الذي دخل ليُغيّر هو من يَتغيّر، أما النظام فيبقى كما هو، ونرى أين كان الاتحاد الاشتراكي وأين هو الآن.
وتابع "بمجرد دخول الحزب، يصبح وجوده وماهيته مرتبطين بالمشاركة في المؤسسات، ولا يعود يتصور الابتعاد عنها أو المعارضة من الخارج، فيتغير الحزب سلبا دون أن يتغير النظام".
شروط الجماعة للمشاركة في الانتخابات
وعن خيار المقاطعة الذي تتبناه الجماعة، أكد القيادي في العدل والإحسان أنه "ليس موقفا جموديا اتُّخذ منذ التأسيس واستمر بلا تفكير؛ بل هو موقف نجدد حوله النقاش والشورى في كل استحقاق انتخابي لبحث توفر الشروط من عدمها"، لافتا إلى أن الأصل هو المشاركة في الانتخابات، حيث إننا لا يمكن تصور نظام ديمقراطي بدون انتخابات، والمشاركة هي الأصل والغاية. وإنما نقاطع لأن الشروط الموضوعية الحالية لا تمكن من انتخابات ديمقراطية توصل لمؤسسات تملك القرار.
وأرجع هذه الشروط البعيد عن أي تعجيز إلى "دستور ديمقراطي حقيقي" يقر بالسيادة الشعبية ويجعل من يُنتخَب هو من يحكم، وليس من يحكم فوق الشرعية الانتخابية. ثم "انفراج سياسي وحقوقي" ينهي تكميم الأفواه ويضع حدا للاعتقال السياسي المترتب على التدوينات والمواقف السياسية.
ومن تلك الشروط وقف الفاعل السياسي على "الحق في التنظيم" ورفع التضييق، وذكر في ذلك أمثلة منها قرارات تشميع بيوت أعضاء في العدل والإحسان في مدن عدة بدون أي سند قانوني، فقط لأنهم يذكرون الله ويلتقون فيها.
وفي الشرط الرابع والأهم يقول منار، أكد على ضرورة "رفع وزارة الداخلية يدها عن الانتخابات" لأن الداخلية هي التي تهندس العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها. موضحا أن وزارة الداخلية عندنا ليست كوزارات الداخلية في الدول الديمقراطية، وأشار إلى أمثلة وقع فيها منع العمال والداخلية لأنشطة مهمة يشرف عليها وزراء وحكومات مثل منع مؤتمر العفو الدولية في عهد اليوسفي، ونفس الشيء مع بنكيران في طنجة.
هل هناك أصوات داخل الجماعة تنادي بمراجعة موقف المقاطعة
ولفت المتحدث إلى أن المقاطعة ليست حكرا على الجماعة، وإنما هي موقف شريحة شعبية عريضة، موضحا أن الوسائط الرقمية ومواقع التواصل اليوم تعد من أهم وسائل التعبئة والتواصل الجماهيري، ولولا فعاليتها لما اعتُقل الشباب بسبب تدوينة رأي.
وأبرز أهمية الميدان مشددا على أنه ليس فقط الخروج للشارع ولالتقاط الصور، بل هو العمل اليومي والتواصل المباشر وجها لوجه في المنتديات الجماهيرية والعلمية المختلفة الحاضرة فيها الجماعة، ومبديا احترامه واحترام الجماعة لكل طرف بخياراته وتكتيكاته. وأضاف بأن الجماعة "حاضرة في الواقع وتؤدي ثمن هذا الحضور، وفيه ما يظهر في الإعلام وفيه ما لا يظهر".
أما عن سؤال هل هناك أصوات داخل الجماعة تنادي بمراجعة موقف المقاطعة، فأكد الدكتور منار أن الجماعة ليست مجتمعا من الملائكة، وتوجد نقاشات واختلافات وتعدد في الآراء والتقديرات السياسية أثناء الشورى، لكن التوجه العام والغالب والمحسوم داخل الجماعة يقر المقاطعة في ظل هذه الشروط الاستبدادية، مع التأكيد الدائم على أن الأصل هو المشاركة متى توفرت الشروط الديمقراطية الحقيقية.









