حوار براء حول المسيرة إلى أرض الإسراء

قالت الصغيرة مستفسرة: "أمي إلى أين غادر أبي؟
أجابت الأم وهي ترمق ابنتها بنظرة حنو ظاهر: نحو بلاد الأردن الشقيق ليشارك في مسيرة عالمية إلى القدس الحبيبة.
قاطعت البنت وفي عينيها نظرة تعجب كبرى: أبلاد عربية هاته أم من بلاد العجم؟
قالت: هي من بلاد العرب الكبيرة يا بنيتي، أما القدس فمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. تعدل الصلاة فيه خمسمائة صلاة.
قالت الفتاة: أعندهم هم الآخرين شكولاتة وحلوى ولعب مثل التي يأتيني بها أبي من سفرياته؟
قالت الأم مطمئنة موجهة: عندهم الكثير يا ابنتي مما عند الآخرين إلا ما لا يصلهم بسبب اضطهاد وحصار، لكن الأهم أن عندهم ما ليس عند الكثيرين، عندهم العزة والصمود، عندهم الإيمان الراسخ بالله تعالى وبالقضية. هم يصدرون للعالم قيم الصبر والجهاد والتضحية والشموخ. هم معدن نفيس في زمن عزت فيه النفاسة واهتم الناس بمعادن الأرض فحسب. إنهم عنوان شامخ لكل فضل. إنهم أهل الحق.
استطردت الصغيرة: أي حق يا أمي؟ هل أخذ أحد مالهم؟
أجابت الأم بحرص من يربي أولاده على الاهتمام بأمور الأمة وأحوالها: نعم يا ابنتي لم يأخذ مالهم فحسب بل سلب المال واغتصب الأرض واستباح العرض ونقض البناء وسرق الوطن.
ردت الصغيرة متعجبة: وهل يسرق الوطن يا أمي كذلك وهو كبير؟ من هذا السارق اللئيم الذي أخذه؟ لا بد أنه ساعده سُراق كثر.
عقبت الأم: هو سارق دنيء يا ابنتي، كتب الله الجبار عليه التيه والشتات. إنهم في الواقع أفراد كانوا شتاتا، وكذلك سيختم لهم رب العزة قريبا بقوته، ولكن تآمر معهم سراق آخرون مكنوهم من أرض فلسطين السليبة فاغتصبوها وما تركوا لسكانها الأصليين من أحبتنا وبني جلدتنا إلا القليل من الأرض، والفتات من مقدراتها، ولا زالوا ينقصون.
قالت الصغيرة: الحمد لله يا أمي أننا آمنون في دارنا ووطنُنا لم يسرق.
الأم: لسرقة الأوطان صور يا حبيبتي، حينما تستحوذ فئة على خيرات البلاد وتعيش الترف وتتمايل من شدة الشبع في الوقت الذي يعيش شعب في عتبة الفقر أو دونها ويتضور من وقع الجوع والطوى فتلك سرقة للوطن. حينما تتكدس أموال الوطن أو تهرب إلى بلاد بعيدة ولا يستفيد منها أبناء الوطن فتلك سرقة للوطن. حينما يأكل القوي الضعيف ويضيِّق عليه ويمنعه حقوقه فذلك اغتصاب للوطن. ثم وإن أمِنّا يا ابنتي في دارنا فقلوبنا تتفطر على إخوتنا هنا وهناك. نحن جسد واحد لا ينبغي أن نغفل عن الدعاء لهم.
البنت: أهذا ما حصل لذلك الرجل الصالح الوقور، يا أمي، الذي حوصر ومُنعت ابنته فلذة كبده من زيارته، كما منع محبوه وسجن منهم من سجن واختُطف من اختطف وعذب من عذب كما أخبرتني؟
الأم سعيدة بقوة ذاكرة ابنتها: بوركت يا ابنتي، نعم. إنه يحرص على خير الوطن، يحرص أن نصحح علاقتنا بربنا سبحانه ونزداد منه قربا وله حبا. يحرص أن تتحقق العدالة في قسمة الأرزاق ولا يُضيَّق علىى أحد في قوت يومه. وكل من صحبه عرف قدره، وحرص على ما يحرص عليه.
الصغيرة: خبريني يا أمي، ماذا يفعل السارق بنساء الوطن، وكيف يحيا الأطفال مثلي هناك؟ نحن أطفال نحب السلم ونحب الأمان.
الأم: يحيون بعزة وإباء رافعين الهامات على الرغم من الجراح الغائرة، والأمهات مصممات على التحرير أكثر من أي وقت مضى، يرضعن أبناءهن لبان التضحية ويرسلن الشهيد تلو الشهيد، محتسبات الأجر عند رب العزة والجبروت.
البنت: لكن يا أمي هل معهم سلاح؟
الأم: إن سلاح الإيمان هو الأمضى يا ابنتي. ما واجه باطلا إلا صرعه، وما وُضع على ظلم إلا أرداه وقطعه، به تُحتمل الأحوال وتُقتحم الأهوال بفضل ذي الإكرام والجلال.
البنت: ليت هذه المسيرة العالمية تستمر إلى البلاد التي نرى صورها المؤثرة على شاشة التلفاز، تلك البلاد التي دُنسب مساجدها وهدمت مدنها وأحياؤها، وقَتلوا فيها الصغار والكبار، وذبحوا النساء، ونكلوا بحمزة الخطيب رحمه الله.
ليتهم يحررونها يا أمي.
الأم: إن الله ناصر جنده يا ابنتي، و "إن مع العسر يسرا". وفي الغد القريب، إن شاء الله، سينقشع غمام الظلم عن فلسطين وسوريا وكل البلاد، سينقشع عن سماء صافية يستظل الناس جميعا تحتها مطمئنين على دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.
البنت: رجوت، يا أمي، لو أننا رافقنا أبي ومن معه في رحلتهم الميمونة ومسيرتهم المشهودة، ووالله إن نفسي، يا أمي، لفداء لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ليتنا ذهبنا معهم إلى الأرض المباركة يا أمي. ليتنا هناك مع تلك الجموع الفاضلة.
الأم: إلى حين أن تكبري يا ابنتي كان لابد أن نمكث معا، ومن خلف غازيا فقد غزى، ومن حدث نفسه بجهاد ومنعته الأعذار فنيته أبلغ من عمله، ولكن لنحرص على الدعاء فالناصر الله وحده، هو القادر على فك الحصار.
جثت البنت مسرعة على ركبتيها، وتوسلت إلى الخالق سبحانه بعين دامعة وقلب خاشع: "اللهم يا رب الأرباب، يا سيدي ويا مولاي، انصر أمة نبينا صلى الله عليه وسلم، واحفظ المؤمنين والمؤمنات، وأكرم كل فاضل، وسلم أبي ومن معه، وردهم سالمين غانمين".
بصوت واحد نردد آمين.





