الطغيان يصنع الحرمان

شعار اختيرت مصطلحاته بدقة تعكس المعاني العميقة التي تحملها مبانيه, فهي مفاهيم لها من ثقل التاريخ السياسي, والتأصيل الشرعي, والامتدادات الواقعية, ما يجعلها أعمق تحليلا, وأوضح تعبيرا عن مجموع الأزمات التي يخلقها استبداد الإنسان وتجبره حين يتخطى موازين الخلق وسنن الحق.
فالطغيان تجاوز للقدر وغلو وإسراف, فطغيان الماء فيضانه, وطغيان الإنسان كفره وعصيانه, وطغيان الحاكم ظلمه وتجبره.
وأما الصناعة فقد عرفتها قواميس اللغة بأنها كل فن أو علم مارسه الإنسان حتى يبرع فيه ويصبح له حرفة.
وعرفت الحرمان بالمنع تارة والبؤس تارة أخرى.
فطغيان الاستبداد وتجبره, مارس الحرمان عبر القرون التي تدنت فيها القيم الانسانية حتى برع فيه ليصنع بؤس المستضعفين, ويمنعهم من حقوق أصيلة كفلها الشرع قبل القانون.
هو شعار إذن نفهمه في سياق دولي طغى فيه التوسع الامبريالي العالمي الذي صنع حرمان المستعمرات, وصنع فقر إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية, عبر استنزاف الثروات, ونهب الخيرات, والتحكم في مصير الدول, عبر خلق الصراعات الدموية وزرع الفتن والحروب الأهلية, كما نفهمه في سياق إقليمي طغى فيه استبداد الأنظمة الشمولية الذي بلغ منه المدى حد منع الحق في الحياة, واستنفد كل وسيلة خسيسة دونها الحفاظ على عروش بنت أساساتها على قهر الشعوب واستعباد الرقاب, فجرائم نظام الأسد والنظام في مصر, والتحالف الشيطاني الذي يبيد الحياة في اليمن, نماذج لطغيان تفوق على نفسه في إبداع كل أشكال الحرمان. كما نفهمه في سياق وطني لا يشد عن قاعدة الفساد, إذ يجعل المفارقة صارخة بين ثروات هائلة للبلاد, في مقابل فقر مدقع يعجز التعبير عن وصفه, فقر تفنن فيه صناع السياسات العمومية, ومن يفترض فيهم أنهم المكلفون في ابتكار الحلول لأزمات تزداد تفاقما مع الزمن, ولا يكاد المتابع يجد تغييرا أو إصلاحا إلا في أحوال المخزن ودوائر حصانته من المستفيدين من ريع يوزع حسب خدمة المخزن وطاعته والاجتهاد في التعبير عن الولاء له, أما المعارضون فمصيرهم التهميش والتضييق والسجن وفق قوانين تفصل بمزاج الحاكم, وقضاء تحت تصرفه, ومؤسسات لا قيمة لها دون رضاه.
وبما أن الطغيان اختلال في ميزان العدل, فكلما كانت الامتيازات تثقل إحدى كفتيه, فالحرمان يكون حتما من نصيب الكفة المقابلة, والامتيازات اليوم من نصيب ثلة تصنع بؤس المغاربة في كل المجالات وعلى كل الاصعدة, فالتعليم فاشل لا يستجيب لمعايير الجودة العالمية, وميزانية البحث العلمي مدعاة للخجل في بلد يصرف الملايين على مهرجانات التفاهة ونشر ثقافة الاسفاف, والوضع الصحي يستهين بالمواطن وبحياته, وفرص التشغيل موصدة الأبواب, ومستوى الدخل الفردي لا يتناسب مع التهاب الأسعار وارتفاع الضرائب, وكلها خيوط تفتل في بعضها البعض لتصنع حبلا يخنق المغاربة, ويضيق عيشهم, ويرسم صورة قاتمة لمستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة إذا عجز المحرومون عن هندسة المخارج من الأبواب المغلقة, وحفر المنافذ في الأنفاق المظلمة, فالحرمان كما يصنعه الطغاة, يجد السند في القبول الذي يلقاه من المحرومين المستسلمين.








