الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان.. السياقات والدواعي، والهوية والرسائل

Cover Image for الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان.. السياقات والدواعي، والهوية والرسائل
نشر بتاريخ

هذه ورقة تحاول أن تبحث في هوية الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان، وفي السياقات والدواعي التي فرضت إعدادها وتنزيلها ونشرها، وذلك من منظور تحليل نصي يفكك بنيتها الداخلية، ليقرأ بنسقية ما تقوله الوثيقة نفسها، وتتقدم به هي ذاتها. وقد قدمنا الحديث عن السياقات والدواعي قبل الهوية والرسائل، لأن فهم ظروف ودواعي التنزيل مقدمة لوعي هوية الوثيقة ومضامينها ورسائلها.

1. معطيات توثيقية

– الاسم: الوثيقة السياسية.

– جهة الإصدار: جماعة العدل والإحسان – المغرب.

– المؤسسة التنظيمية: الدائرة السياسية.

– التاريخ المدرج في المقدمة: 1445 ه/ 2023 م.

– تاريخ الإعلان الرسمي: في بيان المجلس القطري للدائرة السياسية الصادر في 22 أكتوبر 2023.

– تاريخ النشر الرسمي: 6 فبراير 2024.

2. الوثيقة: السياقات والدواعي

تكشف القراءة النصية لهذه الوثيقة، عن سياقين اثنين كبيرين هما: سياق الإنتاج، وسياق التنزيل. وتدلنا على وجود داعيين وسببين كبيرين وراء إصدار هذه الوثيقة.

1.2. السياقان

أ‌. سياق الإنتاج: وهو سياق يكشف في مستوى داخلي عن سيرورة عملية إعداد الوثيقة وإنشائها، وفي مستوى خارجي عن السياقات المرعية إبان عملية الإعداد تلك. وعليه نميز هنا بين:

– سياق داخلي: يفيد أن إعداد الوثيقة يأتي في إطار الاستمرارية في إنضاج التصورات والمقترحات، وأن ذلك غطى إطارا زمنيا لما يقرب من أربع سنوات، وفق منهجية اعتمدت في الإعداد على المشاركة الجماعية من خلال مراعاة الخبرة والتخصص وحضور مكاتب الدراسات، وعلى التشاور في المناقشة والتداول والمصادقة والاعتماد والتنزيل. لتكون الوثيقة بهذا امتدادا لاشتغال مؤسسات الجماعة وتنفيذها لبرامجها وإعداد أطرها الخبيرة للوثائق ذات البعد الاقتراحي، وهذا يجعلها تطورا طبيعيا لعمل الجماعة في مجال صياغة تقديم البدائل؛ وعليه لا يستقيم إمكان تأطيرها ضمن ظروفها من غير ربطها بمثيلاتها من وثائق سابقة من قبيل “حلف الإخاء” في 2006، و”جميعا من أجل الخلاص في 2007″، وتقارير المجلس القطري للدائرة السياسية، وغير ذلك -قبلها- من وثائق ورسائل ودراسات تشخيصية بعضها منشور وبعضها مقصور على التداول الداخلي. نحن إذن بهذا المعنى أمام وضعية امتداد واستمرارية لا حالة قطائع، مما يضعنا أمام وثيقة منتجة ليس في سياقات الضغط ولا الانتقالات ولا التحولات ولا التغيير في التصورات والمواقف. وإذن فالسياق الداخلي هو سياق إعداد البدائل والمقترحات المسهمة في الطرح التفصيلي للتصورات التغييرية للمغرب من منظور الجماعة، وهنا يمكن التذكير أن قبل إصدار الوثيقة بمدة قليلة كانت الجماعة قد أصدرت في وثيقة مهمة أخرى رأيها في موضوع تعديل “مدونة الأسرة”.

– سياق خارجي يقوم على وعي الوثيقة بسياقها الدولي وواقعها الوطني؛ فالسياق الدولي في نظر الوثيقة يتميز بأربع ظواهر أساسية: تنامي الصراعات الدولية، واشتداد التقاطب الدولي، وتصاعد الصهيونية وغطرستها في البلاد الإسلامية، وامتداد التطبيع في المغرب، وهي ظواهر إنما تكشف أو تؤكد الوجه الاستكباري الاستعلائي والاستغلالي والمصلحي للأنظمة الغربية. أما الواقع الوطني فيتسم أساسا في منظور الوثيقة بخاصيتي الجمود والانحباس غير المسبوقين، وذلك للأسباب الأربعة التالية: تغول السلطوية سياسيا وحقوقيا، فساد وإفلاس السياسات العمومية اقتصاديا، تردي الأوضاع المعيشية اجتماعيا، والانحلال الأخلاقي قيميا، وهي سمات تفضح أو تؤكد الوجه السلطوي الاستبدادي للنظام الحاكم، وترد الرد الصريح الفصيح على من صدق أو روج لأوهام التغيير الجديد في المغرب.

ب‌. سياق التنزيل: وهو سياق تحكمه تقديرات خاصة للمرحلة بعد سنوات عديدة من الاشتغال المؤسساتي المنظم القائم على ملاحظة الوضع وتتبع المعطيات والتداول الداخلي، وبالنظر إلى التاريخ المدرج في المقدمة يتبين أن الوثيقة كانت مهيأة في أكتوبر من العام 2023، وباستقراء أحداث تلكم الفترة سنفهم أن الذي حال دون تنزيلها إذاك ثلاثة أحداث رئيسة هي: زلزال الحوز وما خلفه من قتلى وانهيارات، وطوفان الأقصى وما ارتبكه الكيان الصهيوني من تقتيل دموي في الشعب الفلسطيني، ثم الحراك الاجتماعي في قطاع التعليم وما نتج عنه من اضطراب. وإذا كان الحدث الأول والثالث إنما يبرزان المستوى التدبيري المرتجل والنهج السلطوي للدولة في مقاربتها لقضايا المجتمع، فإن حدث طوفان الأقصى قد أنجز عمليات مهمة في سياق الوعي العالمي عموما والعربي الإسلامي خصوصا، لأنه فضح السقوط الأخلاقي والقيمي للأنظمة الغربية، وعرى الخيانة التاريخية لمقدسات الأمة من طرف الأنظمة العربية، ورسخ الوصف العنصري والدموي النازي للصهيونية، وأظهر فشل التطبيع، وفتح الباب أمام إمكانيات كبرى للتحرر وللبناء والمقاومة من خارج صندوق ما يروج له زعماء العالم وصانعو السياسة العالمية، وأعاد المشروع الإسلامي والفكرة الإسلامية إلى الواجهة. وإن سياق التنزيل بمحدداته المذكورة، إنما يدل على هذا المعنى النبيل للفعل والممارسة السياسية عند جماعة العدل والإحسان، وعلى التهمم الصادق بمراعاة مصلحة البلاد التي يجب أن تبقى على كل حال فوق كل توظيف شخصي، ثم إن جاز التعبير هو يدل على الذكاء في التعامل مع اللحظة التاريخية أو في الحقيقة على التوفيق والتسديد الرباني عمقا وأساسا.

ولئن بدا أن تنزيل الوثيقة قد اختار وقت فراغ سياسي عام على المستوى الوطني، واعتمد آلية الإعلام والتواصل والتوزيع والتقاسم مع مختلف الفاعلين إشارة إلى تحقيق مبدأ الوضوح والانفتاح عوض الغموض والانعزال، فإن جماعة العدل والإحسان قد استهدفت من خلال الوعي العميق بهذه السياقات في تفاعلاتها وتأثيراتها المتبادلة، خاصة أمام تجذر تغول السلطوية، وتجذر الهشاشة في مختلف مناحي البلاد دق ناقوس الخطر بالتحذير من الانهيار العام والتصدع الكلي للنظام المجتمعي، هو أمر أخطر بكثير من مجرد انهيار نظام استبدادي فاسد، وهذا أيضا تعبير عن وعي أعمق بما يتهدد المجتمع إن لم يتم التدارك في الوقت المناسب.

2.2. الدواعي والأسباب

يمكن أن نجمل الدواعي والأسباب الموجبة لإصدار هذه الوثيقة في العناصر التالية:

– داع تصوري، يقوم على التهمم بقضيتي العدل والإحسان ومحوريتهما في فكر ومشروع وبرنامج جماعة العدل والإحسان، وما تطلبه الهوية الدعوية للجماعة، وجوهرية خاصية الوضوح في مواقفها من تحمل المسؤولية أمام الله، والقيام بواجب النصح للوطن كلية.

– داع اقتراحي إجرائي، مؤسس على الطابع الإجرائي للتصور المنهاجي المبني على هذا الارتباط الوثيق في فكر الجماعة بين التصور والممارسة وبين النظري والعملي، وهو ما يدعو إلى الاشتغال على تقديم الجواب عن أسئلة الكيف الملحة لمعالجة مشكلات وتحديات تدبير الشأن العام في المغرب، عبر اجتهاد يطور مشروع الجماعة للتغيير السياسي.

– داع تفاعلي تواصلي، تتفاعل فيه الجماعة مع الواقع الآني بتحدياته المعيشية، وفرصه الممكنة لبناء المستقبل، وتتواصل فيه الجماعة مع مختلف الفاعلين المجتمعيين نخبا وسياسيين وباحثين ومهتمين، ومع الشعب والمواطنين عموما، بيانا وتوضيحا لتصوراتها، وعرضا لاقتراحاتها، واستمرارا في مد اليد للكل لصناعة تحول جماعي مشترك للتغيير في المغرب.

تقود هذه الدواعي إلى الحديث عن مفهوم التغيير الحقيقي الذي تعرضه الجماعة في وثيقتها السياسية، وهو المفهوم القائم على معنى وأساس؛ أما المعنى فينبني على كونه عملية معقدة وسيرورة ممتدة لا مجرد عملية فصل بين وضعين أو مرحلتين، وعلى حاجته إلى فعل جماعي متسم بالعمق لا السطحية وبالاستدامة والنفس الطويل لا الاستعجال، ثم على ضرورة التخطيط المسبق والمستشرف إعدادا واستعدادا. أما الأساس فيقوم على مبدأ التربية باعتبارها آلية لصياغة الشخصية، وتغيير ما بالذات حتى يتغير ما بالمجتمع. وبناء على هذا المعنى للتغيير يأتي عرض فكرة النهوض الجماعي في إطار جبهة مجتمعية لإنقاذ البلاد والعباد: “وإن تعويلنا على الله الكريم الوهاب توفيقا وسدادا، ثم على ذكاء ومروءة وغيرة الصادقين تعاونا وتناصرا، وكذا على الفطرة والسلامة القلبية لهذا الشعب سندا شعبيا، لهو السبيل للنهوض الجماعي لصنع ما يستحقه المغاربة، كل المغاربة، من عدل وكرامة وحرية” (الوثيقة، ص11).

 يفرض هذا الوعي بمعنى التغيير وعيا آخر بالمرحلة ومقتضياتها، لذا تتقدم الوثيقة باعتبارها إسهاما إيجابيا من جماعة العدل والإحسان في عملية إيجاد منفذ للإنقاذ تحقق غايتين: إيقاف نزيف البلاد والتأسيس للمستقبل، وذلك من خلال تحمل ذاتي للمسؤولية المنوطة بأي فاعل مجتمعي في مستويات الحضور والفعل والمبادرة، ثم من خلال مطلب ملح يروم بناء جبهة مجتمعية لتوحيد الجهود وتوجيهها نحو مواجهة الاستبداد والفساد.

3. الوثيقة: الهوية والرسائل

يتم تعريف هوية الوثيقة من خلال عملية إثبات ونفي؛ إثبات كونها نسخة متطورة من نسخ الاقتراح والبدائل التي اعتادت الجماعة التقدم بها، ونفي كونها ورقة مذهبية أو برنامجا انتخابيا، لتعتبر بذلك وثيقة وسطى بين “مستوى الخطاب الاستراتيجي العام والمستوى التنفيذي التفصيلي” (الوثيقة، ص11). وهذا ما يدفع عنها النزعة التنظيرية المجردة وكذا النزعة التجريبية التجزيئية.

تتناول الوثيقة السياسية في مضامينها قضايا الشأن العامة بالمغرب لتحدد بذلك إطارها المكاني في المغرب، ولتقدر زمانها بمنظور استشرافي يمتد لسنوات، ثم تعرض المبادئ الاستراتيجية في فكر الجماعة، ومقترحاتها التفصيلية للخروج بالبلاد مما تحياه. وتعتمد في ذلك على بنية هيكلية تقوم على مدخل وثلاثة محاور كبرى؛ أما المدخل فعرض للمنطلقات المرجعية للجماعة وأفقها التغييري من خلال التعريف بالجماعة وبأسس وغايات وأهداف وخصائص مشروعها السياسي. أما المحاور الثلاثة؛ فقد قدم المحور الأول منها المخصص للمجال السياسي، ومن خلال عنوان الحرية والعدل وحكم المؤسسات تصور الجماعة للدولة وللسلطات وللحقوق وللإدارة ولمؤسسات الوساطة وللسياسة الدفاعية والأمنية والوقائية، وعكس المحور الاقتصادي والاجتماعي من خلال ثلاثية العدالة والتكافل والتنمية المستدامة اختلالات الاقتصاد والواقع الاجتماعي المغربيين، عارضا مقترحات الجماعة للسياسة الاقتصادية وللتنمية، بينما رفع  المحور المجتمعي شعارات الكرامة والتضامن والتربية المتوازنة ليسرد بدائل الجماعة في مجالات تدبير الحقل الديني والأسرة والطفولة والمرأة والشباب والتربية والتعليم والإعلام والاتصال والثقافة والفن والرياضة.

تتحدث الوثيقة عن وظائف تستهدف إنجازها هي: التوضيح، والتحيين، والشرح، والتدقيق لجوانب من التصورات السياسية لجماعة العدل والإحسان، وتعلن أنها تتميز بخصائص الشمولية في تناول القضايا، والتفصيل في المقترحات والبدائل، واعتماد اللغة المشتركة تحقيقا للتواصل والتفاهم، والنسقية والتكامل بين المداخل والمقترحات. وعلى المستوى المنهجي تتحدث الوثيقة عن المزاوجة بين الرصد التشخيصي في حدود ما يفيد الاقتراح والبدائل، وبين النفس الاستشرافي من منظور واقعي، وبرؤية عملية، وبوعي مدرك لحدود التغيير الممكنة.

 إن كانت الوثيقة ترصد حقيقة الوضع الخطير للمغرب، وتحذر من انهيار المجتمع، فإنها في الآن نفسه تقر بأن ذلك الوضع، بخطورته تلك، هو أكبر من أن تدعي جهة ما أو يتحمل طرف معين تغييره. وبهذا تكون الوثيقة تبعث رسائل طمأنة جمة تبدد أوهاما خمسة: وهم الاستقالة والانعزالية، وهم الرغبة في السيطرة والاستفراد، وهم ادعاء الكمال وتضخيم الأنا، وهم الاستعجال لقطف الثمار، وطبعا وضمنا وهم السياسوية الضيقة والحزبية المقيتة.

خلاصات

– إن كانت الوثيقة تكشف عن تقدم مهم، وجرأة علمية وعملية كبرى في الخطاب السياسي لجماعة العدل والإحسان على مستوى اقتراح البدائل، وإعلانها للعموم؛ فإنه ليس في خطاب الوثيقة ما يبرز وجود تحول جوهري للجماعة في تصوراتها الرؤيوية، ومواقفها المعهودة الثابتة، ولا ما يبرر الحديث الراجم بالغيب عن استجابة الوثيقة لتصريف ضغط ما، أو الدخول في تسويات معينة، أو الاستعداد لولوج اللعبة السياسية وفق قواعدها الحالية.

– لا يمكن قراءة الوثيقة وفهمها خارج التطور الطبيعي للاشتغال المؤسساتي للبنى الهيكلية للجماعة في مستوى بناء التصورات واقتراح البدائل، وخارج الوعي العميق بتفاعلات السياقات العالمية والوطنية، وخارج الإدراك الجيد لدواعيها الدعوية التواصلية، والتصورية التنزيلية. وكلها شروط إمكان مؤطرة بالمرجعية العامة للمشروع المجتمعي الذي عنه ينبع تصورها السياسي، وبخاصيتي النسقية الداخلية والتكامل البنيوي بين المنطلقات المؤسسة، والمقترحات المعروضة.

– إن كانت الوثيقة تعرض تفصيلا مهما عبر اقتراحات متعددة تغطي مجالات الفعل في الشأن العام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومجتمعيا، فإنها تعي أن فاعلية المقترحات تنزيلا، ونجاعتها تطبيقا في النسق السياسي المغربي الحالي الذي يتميز بلازمة بنيوية هي غياب الإرادة السياسية الحقيقية للتغيير الديموقراطي، لا يمكن أن تنجز إلا في إطار تغيير جوهري لبنية موازين القوى، وذلك ببناء القوة المجتمعية المتصدية للتغيير الجماعي ضمن ثنائية متفاعلة بين ذات الفاعل المجتمعي من خلال الإرادة الصادقة في البناء الجماعي للمغرب، وبين السند الشعبي من خلال الاحتضان والحضور والخدمة والإشراك.