السنّة النبويّة بين المنهجيّة النصوصيّة والقراءة التأويليّة الحداثيّة.. قضايا المرأة نموذجا (1)

Cover Image for السنّة النبويّة بين المنهجيّة النصوصيّة والقراءة التأويليّة الحداثيّة.. قضايا المرأة نموذجا (1)
نشر بتاريخ

مقدّمة

إذا كان القرآن الكريم أساس البنيان الإسلامي ومصدر الهداية والرّشاد الإلهي، فإنّ السنّة النبويّة هي بيانه التفصيلي وتطبيقه العملي، والنّموذج الأكمل لمبادئ القرآن الكريم الذي تجلّى في أقواله صلّى الله عليه وسلّم وأحواله ومواقفه. لذلك من الواجب أن تُفهَم السنّة على ضوء القرآن الكريم وتُستَصحَب في فهم أحكامه وتوجيهاته العامّة، باعتبارها تبعا لأصل، تدور حيث يدور وتقف حيث يقف.

 هذا الفهم القرآني للسنّة النبويّة كان مسلك فقهاء الصّحابة في التّعامل مع النّصوص، منهجهم الكلّي وصل الجزئيات بالكليّات وإلحاق الفرع بالأصل الذي ينضوي تحته، وأصل الأصول هو القرآن الكريم، فضربوا لمن بعدهم أروع النّماذج في إعمال الرؤية القرآنيّة وفقه السنّة النبويّة.

 فأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها تردّ حديث أبي هريرة «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ قَالَ فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشِقَّةٌ فِي الْأَرْضِ فَقَالَتْ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ مَا هَكَذَا كَانَ يَقُولُ وَلَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ ثُمَّ قَرَأَتْ ما أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا» 1.

فهل حافظ المسلمون على هذا المنهج الأصيل أم انحدر الزّمان وأسيء فهم الإرث النبوي؟

من أخطر الآفات التي ابتليت بها السنّة النبويّة إخراجها من دائرة التبعيّة للقرآن الكريم وقطع الأوصال بينهما، وأقصد هنا، أوّلا: شيوع الفهم السطحي وهيمنته على فئة من الكتابات الفقهيّة، وأسلوب الاعتماد على بعض الأحاديث النبويّة في بناء الأحكام بمعزل عن الرؤية القرآنيّة، وثانيا: ادّعاءات الحداثيّين الذين يسعون إلى إخضاع التراث الإسلامي ومنه النّصوص النبويّة إلى النّقد التاريخي، وتأويله على ضوء المناهج الغربيّة الحديثة كالهرمينوطيقا والتفكيكيّة الراديكاليّة وغيرها.. أسوة بما حدث في تاريخ الثّقافة الغربيّة، فأنكروا معظم السنّة وجعلوها موضع التشكيك والرّفض.

إذن ما أثر تعطيل تبعيّة السنّة النبويّة للقرآن الكريم وغياب الرؤية القرآنيّة عن الدّوائر العلميّة والفقهيّة؟ وهل من خوف على السنّة النبويّة من دراستها وفق مناهج النقد الحديثة والنظريات العلميّة الغربيّة؟

 وكيف نتعامل مع أحاديث “فتنة النّساء” و”الضّلع الأعوج” وغيرها.. أنُضَعِّفُها ونردّها وهي صحيحة عند الشيخين وغيرهما؟ أم نقرأ الأحاديث وفق مقاصد الوحي وتوجيهات الشّرع ووصل الجزئيّات بالكليّات، وبالنّظر إلى خصوصيّة الظّرف وسياق الحال؟ أم أنّ اتّباع السنّة يستوجب أن نطبّق معانيها تطبيقا حرفيّا؟ أم نطلق العنان للفكر الحداثي لنسج تأويلات تناقض ما استقرّ عليه البحث الإسلامي؟ مبتغاه من ذلك إحداث قطيعة جذرية مع دراسات تقليديّة تطغى عليها النزعة السلطويّة والتخلّف المعرفي والنقدي حسب اعتقادهم.

تأتي هذه الدّراسة للإجابة على هذه الأسئلة، ولاستقراء المواقف والاحتكام إلى قراءة متوازنة رصينة مرجعها القرآن الكريم ومبادئه الجامعة. كما أسعى من خلالها تأكيد مبدأ الاعتصام بالسنّة، وذلك بالكشف عن ثغرات الموقف النصوصي في فهم السنّة النبويّة بالرّجوع إلى أصول نشأته، وأقصد أيضا تفكيك مزاعم الحداثيّين حول القراءة النقدية للسنّة النبويّة ومناقشتها، والبحث عن الأسباب الحقيقيّة لهذه الشّبهات، وردّ المشكلات المثارة إلى أصولها الفكريّة والمعرفيّة.

سأتناول موضوع البحث إن شاء الله تعالى وفق المنهج الاستقرائي من خلال تتبّع بعض مكتوبات المحدّثين والفقهاء، وعرض أسس الفكر الحداثي في دراسة نصوص السنّة النبويّة، ثمّ المنهج التحليلي النقدي لمناقشة آراء الفريقين ودفع الحجّة بالحجّة، وتوضيح ما استشكل من معان، وذلك من خلال المبحث الأوّل الذي يتولّى بيان مرتكزات المنهج النّصوصي في التّعامل مع السنّة النبويّة، والمبحث الثّاني الذي خصّصته لعرض الأطروحات الأساس للمنهج الحداثي في دراسة السنّة النبويّة، فيما تكفّل المبحث الثّالث بدراسة نماذج من السنّة النبويّة عبر استعراض آراء بعض الفقهاء والمحدّثين وتتبّع لموقف نخبة من الحداثييّن.

يتبع…


[1] مسند أحمد بن حنبل، مسند  الأنصار، رقم الحديث 24841، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح.