يوسف القرضاوي.. إمام الوسطية وفارس الميدان

Cover Image for يوسف القرضاوي.. إمام الوسطية وفارس الميدان
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

ترجل فارس الدعوة والعلم والجهاد، العالم الجليل الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله في سن 96 سنة بعد عقود من العمل الإسلامي الجاد. فقد عاش مكرسا حياته لخدمة الإسلام دعوة إلى عدله، ونشرا لسماحته، ودفاعا عن قيمه، وذودا عن حياضه وحدوده. ووجه جهوده العلمية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لخدمة المسلمين والنهوض بواقعهم.

حفظ القرآن قبل العاشرة وتخرج من الأزهر بمرتبة الشرف الأولى

فُجعت أمة الإسلام بفقد رجل قلما يجود الزمان بمثله، عالم من أبرز كبار الأعلام في الفترة الحديثة والمعاصرة، ترك قرابة 170 مؤلفا، سوى المحاضرات والندوات والمؤتمرات، والأبحاث والدراسات في مجالات متعددة متنوعة من النظرات في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وموضوعات الفكر والتشريع الإسلاميين، إلى الدعوة وإعداد الدعاة، فالفقه والأصول، ثم التوجيه والإرشاد، والاقتصاد الإسلامي والتنمية، مرورا بتنظيم جسم علماء الأمة، فضلا عن التأملات في التراث وخدمة الحضارة الإسلامية والتهمم بهموم المسلمين في بلاد المعمور شرقا وغربا…

ولد رحمه الله شهر شتنبر سنة 1926 بتاريخ النصارى بإحدى قرى المحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية، وأتم حفظ القرآن الكريم، وأتقن أحكام تجويده قبل العاشرة من عمره.

التحق بمعاهد الأزهر الشريف، فأتم فيها دراسته الابتدائية والثانوية وكان دائما في الطليعة، وتدرج بتميز كبير في مستويات دراسته، واستمر في حصد المراتب الأولى في الدراسات العليا، إلى أن تخرج من كلية اللغة العربية، ثم من كلية أصول الدين التي حصل فيها على (الدكتوراه) بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.

تأثر بفكر الإمام البنا واضطهاد مبكر

انضم الدكتور القرضاوي أول اهتمامه بالعمل الإسلامي إلى جماعة الإخوان المسلمين، بعدما التقى بالإمام حسن البنا رحمه الله وتأثر به لما علم أن هدفه هو إعداد الأمة الإسلامية لتقوم بمهمة عظيمة هي الإحياء والتجديد والوحدة والبناء.

بدأت محنة حصاره أول الأمر سنة 1949 في عهد الملك فاروق، ثم سُجن بعد ذلك ثلاث مرات في عهد جمال عبد الناصر في الخمسينات، وكلها على خلفية انتمائه لجماعة الإخوان.

اشتغل رحمه الله بالخطابة والتدريس في المساجد لفترة من الزمن بمصر، ثم نقل بعد ذلك إلى الإدارة العامة للثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف للإشراف على مطبوعاتها والعمل بالمكتب الفني لإدارة الدعوة والإرشاد. قبل أن يتحول سنة 1961م إلى دولة قطر على سبيل الإعارة، فاشتغل عميدا لمعهدها الديني الثانوي، فطوّره وأقامه على قواعد الجمع بين القديم النافع والحديث الصالح.

مواقف قوية ناصرة ومؤثرة

يوسف القرضاوي شخصية إسلامية قوية فذة ومؤثرة في العالم العربي والإسلامي، عرف بمواقفه الواضحة الشجاعة، الناصرة للحق والمستضعفين، فقد ناصر ثورات الربيع وعرف بوقوفه إلى جانب قضية فلسطين في كل المراحل والأزمات ودعم الشعب السوري ضد نظام الأسد…

فهو لم يركن إلى الحكام والظالمين، ولم يكن سجين دهاليز السياسة ليخدم أهلها بغير وجه حق، ولم يصمت عن قول الحق يوما ولم يكن يخشى في ذلك لومة لائم، فحُوصر وجُوبه وسُجن واضطُهد في بلده.

عاد إلى بلده مصر لبعض الوقت إبان ثورة الربيع العربي، وكان له أثر مهم فيها بدعمه لهذه الموجة ضد نظام حسني مبارك، لكنه لم يلبث فيها كثيرا حتى أُخرِج منها مُكرها بعد انتصاره للحق والحقيقة ضد العسكر في الانقلاب الغاشم على الرئيس الشرعي محمد مرسي رحمه الله واشتداد قبضة الاستبداد العسكري هناك، فعاد إلى قطر سنة 2013، وحوكم في بلده الأم بتهم ملفقة كثيرة، توجتها المحكمة العسكرية سنة 2015 بالسجن المؤبد غيابيا.

إمام الوسطية والاعتدال وفقه الأولويات

هو من العلماء الذين تنبض كتاباتهم بالجهاد نصرة للأمة وتمكينا لها، في الوقت نفسه الذي اشتهر فيه بالعالم الذي قعّد فقه الأولويات وهو أحوج ما تحتاجه الأمة في هذا الزمان.

اتسمت شخصيته رحمه الله بالاعتدال بين المتزمتين والمتحللين، وتجلت فيها الوسطية الميسرة بغير تفريط ولا إفراط. فكان بذلك من المفكرين الإسلاميين القلة الذين تميزوا بالاعتدال وجمعوا بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر. حيث وقف بقوة في وجه دعوات الهدم والغزو من الخارج، ودعوات التحريف والانحراف من الداخل، فالتزم منهج الإسلام الوسطي، واجتهد في سلك الطريق السوية البعيدة عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

وبالإضافة إلى الوسطية التي عُرف بها، تميز رحمه الله بدقة أسلوبه في المدافعة عن الإسلام، فجمع بين قوة الحجة وسلاسة الأسلوب، فترى الإخلاص يتدفق بين كلماته لتسلس له القياد وهو يخوض بك دروب الأدلة شرحا وإفهاما وإقناعا، لتجد للعقل مكانا وللعاطفة حضورا، دمجا بين الاستلهام من التراث والاستفادة من العصر.

آثار نوعية شاهدة على بلائه الحسن

ترك الرجل آثارا كبيرة، شاهدة على بلائه الحسن في بناء الأمة وتعبئتها، وما الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أسسه وترأسه لفترة من الزمن، إلا دليلا على عظم ما قدمه للأمة. كما أنه صاحب الفكرة والداعي إلى تأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، حيث كان له اهتمام خاص بالعمل الاجتماعي والخيري، الذي أتقنه خصوم الدعوة الإسلامية، وتسللوا من خلاله لإضلال المسلمين وسلخهم عن عقيدتهم وهويتهم تحت ستار هذه الخدمات. كما كان له إسهام وافر في تأسيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

وفضلا عن كل ذلك، فقد شق ميدان شباب الصحوة الإسلامية المعاصرة، وقدّم فيه إفادات وإضاءات وخط فيه المعالم ووضع الصوى والمنارات لأجيال من شباب المسلمين، فنفع وكان له فضل كبير في إرشاد الشباب، وكانت له صولات وجولات في البلاد العربية والأوروبية في ذلك… وغير ذلك من العضويات في عشرات المجالس بتنوع اهتماماتها.

كان عالما محققا من العلماء الأفاضل المخلصين لدينه وأمته ومنهجه، رحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة والعطاء، وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.