لقد شغل موضوع العلاقة بين الذكر والأنثى فكر العلماء في شتى مجالات المعرفة، فكرسوا لها فصولا في مؤلفاتهم، وتطرق الجميع لنفس الموضوع من زاويته، فنجد الأمر قد شغل فكر أهل اللغة والأدب وعلم الإنسان والتربية والإعلام وحتى الطب والهندسة، وقد نبع هذا الاهتمام من انشغال العامة في هذا الموضوع، فلربما لا يخلو حديث المجالس العامة عن التطرق لموضوع العلاقة بين الرجال والنساء. وبالرغم من مرور زمن طويل على هذا النقاش، إلا إن حسم هذه القضية لا يزال بعيدا، فحوار الفرقاء فيها لم يأت بنتيجة، والقواسم المشتركة بين المتحاورين قليلة جدا، وأوجه الاختلاف بينهما كبيرة.
وهذا الجدل العقيم والاختلاف السقيم، لا نجده غريبا نحن المسلمين. بل إن لدينا قناعة تامة بأن البشر لن يصلوا إلى نتيجة في قضية المساواة بين الجنسين، ولو اجتمعت كل طاقاتهم الذهنية، وتناقشوا الدهر كله. فخالق البشر -سبحانه- نظم هذه العلاقة وبين خصائصها في القرآن الكريم، القول الفصل في موضوع المساواة بين الجنسين، وفي آية واحدة ، هي قوله الحق تبارك وتعالى في سورة آل عمران: فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنثى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم 1 .
الرجل والمراة أكفاء
بنى الإسلام كل مفاهيمه، وقيمه، وتشريعاته الخاصة بالأسرة والمرأة وعلاقتها بالرجل، منطلقاً من قاعدة علمية أساسية وهي الإيمان بوحدة النوع الانساني، وان المرأة والرجل تجمعهما صفة الإنسانية، ولا فرق بينهما في هذه الحقيقة. قال الله تعالى: هو الّذي خلقكُم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها 2 .
فالرجل والمرأة في عرف الإسلام يمثّلان سكّتي قطار الحياة. والإسلام لا يفرّق بين رجل وامرأة من حيث الإنسانية، فهما من نفس واحدة، والأكرم منهما هو المتقي- رجلاً كان أو امرأة – وليس لديه مفاهيم ولا تشريعات خاصة برجل وأخرى بامرأة، إلا بحدود ما يتعلق بطبيعة النوع في كل منهما من الناحية التكوينية والوظيفة الحياتية، يقول الإمام المجدد رحمه الله: المؤمنات والمؤمنون أكفاء في شرع الله المنزَّل بميزان العدل. لا ترجَحُ كفة الرجل ولا كفة المرأة إلا بالتقوى. تجد هي ويجد هو فضل ذلك الرجحان في ميزان الحسنات يوم القيامة. أما التكافؤ في الحقوق والواجبات هنا في الدنيا فمحكوم بشريعة مفصلة ثابتة ثبوت الفَلَك الدَّوّار وثبوت نواميس الله في الكون) 3 .
تكامل الأدوار والمسؤوليات
“النساء شقائقُ الرجال” هكذا جرى هذا المعنى الراقي على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جعل النساء شقيقات الرجال في كل شيء: في التربية، والعمل، والإنتاج، والفكر، والحكمة، وفي إبداء الرأي، وغيره من مهمات الحياة التي لا بد فيها من تكاتف أيدي كل منهما في الارتقاء بهذه الحياة.
المرأة نصف المجتمع، تكمل الرجل في بناء أفراد المجتمع ويتأثر ويؤثر بعضهما في تكوين شخصية الفرد اجتماعيا وهما وجهان لعملة واحدة، والمرأة ذلك المخلوق الذي حباه الله بصفات تختلف عن صفات الرجل، جعل منها شريكته في عملية البناء. وخير مثال على ذلك لسيدتنا خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها تقول للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتَصِل الرَّحم، وتَحِمل الكلَّ، وتُكسِب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق”، ثم أخذتْه إلى ابن عمها ورقةَ بنِ نوفل، ففسَّر له ما رأى، وكانت المرأة هنا هي الحاديةَ للرَّكْب، والحانية الرقيقة، والزوجَ الرؤوم، والمخفِّفةَ للآلام، والمُلطِّفة لساعات القلق، والمهدئةَ للحظات الخوف ومواطنِ الاضطراب.
ويحدثنا القرآن الكريم عن هذه المشاركة، وتلك المسؤولية في سورة الليل؛ إذ يقول الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى 4 يصف تكامل الظاهرة الكونية، وتعاون الليل والنهار في استقامة مسيرة الحياة، فالليل سكن وراحة للأبدان من عناء السعي وطول الجهد في النهار، والنهار محل للعمل والاجتهاد والتطوير والتقدم، فهما مترابِطان، لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يزعم السير دونه، ثم قال القرآن الكريم بعدها: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنثى 5 ، فكما أن الكون استقر بتعاون الليل والنهار، واستقرت الحياة بهما معا وبتتابعهما، فكذلك الذكر في تَعاونه مع الأنثى، واشتراكه في استقرار الحياة الإنسانية، ودوام النسل، وحسن التربية، وتطوير الحياة، لا بد من الشعور بتكامل الرجل والمرأة في دفْع الحياة إلى الأمام وتحقيق العبودية الى الله تعالى.
الرجل والمرأة خلقهما الله سبحانه وتعالى متكاملين، الرجل له وظيفته في السعي على الرزق، ورعاية زوجته وأولاده، وتوفير أسباب الحياة لهم. والمرأة لها مهمتها في رعاية الفطرة. يقول الإمام المجدد رحمه الله: فالرجل مسؤول عن رعيته يربيها، ويطعمها، ويكسوها، ويحميها، ويقيها نارا وقودها الناس والحجارة بتوجيهها إلى الإيمان. والمرأة حافظة لغيب الرجل، حامية لظهره، كي ينبعث إلى جهاده آمنا أن تظهر من خلفه عورة تكسر صلبه. جند الله كتائب بعضها يغشى ساحة الجهاد على كل الجبهات، وبعضها خصص الله له الجبهة الأمامية جبهة إعداد المستقبل، جبهة الحفاظ على الفطرة وسط المجتمع المفتون، حتى تبرز أجيال غد الإسلام لموعود الله عز وجل) 6 .
وهكذا حدد الله سبحانه وتعالى المهمة المتكاملة للرجل والمرأة، فكلاهما يكمل بعضه بعضاً، لا الرجل يصلح لمهمة المرأة في إنجاب الأطفال ورعاية البيت، وتربية الأولاد والعناية بهم، ولا المرأة مهمتها الأساسية أن تسعى في سبيل الرزق؛ لتوفير لقمة العيش للرجل، وليس هذا على مستوى الأفراد والأمم فقط، ولكنه شمول للكون وما فيه ومن فيه، وإن كانت هناك نساء يسعين على الرزق، فإن ذلك يكون في حدود إمكاناتها واستعدادها الفطري مع شمولها بالكرامة، وإحاطتها بكامل الرعاية.
اخي القارئ، اختي القارئة
يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا. 7
ألا تبصرا معي هذا العدل الرباني في أبهى صوره؟ آية تجمع بين الرجل والمرأة في سراج واحد، وفي شأن عال، حقيقة هامة هي أن الرجل والمرأة في المجتمع المسلم، ركنان أساسيان لسلامة المعمار، وخليتان متحدتان لبناء جسد الأمة السليم. فلا تستقيم الأمة إلا بمشاركة الاثنين معا، فالمرأة والرجل في دين الله متساويان في عطاء الله ومتعاونان في إقامة الدين، ولا عذر لهما عن التخلف عن هذه مهمة، فكلاهما مناديان في القرآن على السواء للعمل الصالح والجزاء في الدنيا والآخرة، وكلاهما عند الله موعودان بأجرهما، فلا عقبة بين العبد و ربه، ولا وساطة بين الله وبين مخلص في حبه.