هل أكثر أهل النار النساء؟

Cover Image for هل أكثر أهل النار النساء؟
نشر بتاريخ

تُتهم السنة النبوية بظلم المرأة وإذلالها من خلال أحاديث كثيرة يؤتى بها في سياق التنقيص من قيمة المرأة في الإسلام، منها ما يلي:

– روى الامام البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط” [1].

– روى الإمام الترمذي عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء” [2].

– روى الامام البخاري، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: “يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير” [3].

كيف نتعامل مع هذه الأحاديث النبوية؟

أنُضَعِّفُ الأحاديث ونردها لأنها تعارض ما قرره القرآن الكريم من قواعد المساواة بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والتكاليف والجزاء والحساب؟ هي صحيحة عند البخاري ومسلم وغيرهما. أم نقرأ الأحاديث ونفهم معانيها وفق مقاصد الوحي، وتوجيهات الشرع، وخصوصية الظرف، وسياق الحال، ووصل الجزئيات بالكليات؟ أم أن اتباع السنة الشريفة يستوجب أن نطبقها تطبيقا حرفيا، ونعطل علاقة تبعية السنة للكتاب؟

استنبط بعض العلماء من هذه الأحاديث أفضلية الرجال على النساء، يقول الإمام القرطبي: “إنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا لنقصان عقولهن أن تنفذن بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين بها ولها، ثم مع ذلك هن أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الأخرى لما لهم فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن صارفات عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى وأعمالها من المتقين” [4].

يظهر أن المرأة جبلت على النقص وخفة العقل والسفاهة، فلماذا تستوي مع الرجل في التكليف والحساب إذن؟

الواجب أن تفهم السنة النبوية على ضوء القرآن الكريم وتستصحب في فهم أحكامه العامة وتوجيهاته، وليس اجتزاء أحاديث متفرقة من سياقها العام وفهمها فهما ضيقا، لأنه لا يستقيم أن يصدر هذا الحكم الجاهز على جنس النساء من نبي الرحمة الذي أوتي جوامع الكلم ومفاتيح البلاغة، وهو الذي أوصى بالمرأة وأحسن إليها كما تدل السنة العملية.

بالرجوع إلى القرآن الكريم نجد قاعدة عامة في التفاضل؛ يقول تعالى:من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [5]، يعلق الإمام الطبري: “من عمل بطاعة الله، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم وهو مؤمن: وهو مصدق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية) فلنحيينه حياة طيبة” [6]، أما الإمام ابن عاشور فيقول في تفسيره قوله تعالى من ذكر أو أنثى: “تبيين للعموم الذي دلت عليه (من) الموصولة، وفي هذا البيان دلالة على أن أحكام الإسلام يستوي فيها الذكور والنساء، عدا ما خصصه الدين بأحد الصنفين، وأكد هذا الوعد كما أكد المبين به” [7].

يتضح من كلام المفسرين أن في الآية تسوية بين الذكر والأنثى في جزاء الأعمال بشرط الإيمان، وفي خطاب الآية استعداد فطري للمرأة لطلب الكمال الإيماني والترقي في مراتب الدين كما الرجل، فلا ترجح كفة أحدهما إلا بالعمل الصالح.

وفي القرآن الكريم يتحدث الله تعالى عن بعض صفات الإنسان فيقول: إن الإنسان لربه لكنود [8]، يفسرها الإمام ابن عاشور بقوله: “والتعريف في الإنسان تعريف الجنس، وهو يفيد الاستغراق غالبا، أي أن في طبع الإنسان الكنود لربه أي: كفران نعمته، وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوت فيه، ولا يسلم منه إلا الأنبياء، وكمل أهل الصلاح؛ لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه، وهو أمر في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره. وبذلك قد يذهل أو ينسى حق الله، والإنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته، لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه، والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخلق منها، والعزائم متفاوتة في استطاعة مغالبته” [9].

إذن : فكفر النعمة خلق متأصل في الإنسان وطبع متعلق بالنفس البشرية عامة غير مخصوص بالأنثى فقط.

وبالرجوع إلى ما ذكر في مناسبة الأحاديث، يقول الحافظ ابن حجر: “رأيت النار فرأيت أكثر أهلها النساء”، يستفاد من حديث ابن عباس أن الرؤية المذكورة وقعت في حال صلاة الكسوف [10].

ففي المسجد يعلم رسول الله الصحابيات ويعظهن ويعالج الأخطاء اليومية ويوجه، وفي هذا السياق يستنبط الحافظ
ابن حجر من الحديث الفائدة التالية: “فيه الإغلاظ في النصح بما يكون سببا لإزالة الصفة التي تعاب، وألا يواجه بذلك الشخص المعين، لأن في التعميم تسهيلا على السامع” [11].

أما الحديث الثالث، فروي يوم العيد: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء”. أَيَغُمُّ نبي الرحمة المرأة ويحزنها يوم الفرح بالله وفي مناسبة السرور والبهجة، وهو الذي أمر النساء بالخروج ليشهدن معه العيد، كما روي عن أم عطية قالت: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا العواتق وذوات الخدور ليشهدن العيد ودعوة المسلمين وليجتنبن الحيض مصلى الناس” [12].

إنما أخرجهن ليبشرهن بالخير ويكرمهن، وليعلم النساء أنهن ركيزة أساسية في التغيير وفي بناء حاضر ومستقبل الأمة، وهو ذو القلب الرحيم، صاحب الذوق الرفيع عليه أزكى الصلاة والتسليم.

إذن ما الغرض من ذكر هذه الأحاديث؟

ليس في الأحاديث حكم قاطع جازم ببوار جنس النساء بالنظر إلى ما أقره القرآن الكريم من مبادئ عامة تعدل بين الرجل والمرأة في العطاء والجزاء، فلو سبق عند الله في حقهن الهلاك فما الجدوى من التربية والتوجيه؟

جاءت الأحاديث في سياق تعليمي؛ لأن اجتماع النساء في العيد أو صلاة الكسوف مناسبة للوعظ عبر التنبيه على بعض العيوب والطباع المذمومة والتحفيز على البذل والعطاء، وليس للفضيحة وسوء الظن بالمرأة.


[1] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب كفران العشير وكفر دون كفر فيه، رقم الحديث 29، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة. رقم الحديث 1004.

[2] سنن الترمذي، كتاب صفة جهنم، باب ما جاء أن أكثر أهل النار النساء، رقم الحديث 2602. صحيح الجنة فقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، رقم الحديث 2737.

[3] صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث 298.

[4] كتاب التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، باب ما جاء في أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار.

[5] سورة النحل، الآية 97.

[6] تفسير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 289/17، دار المعارف بمصر، حققه محمود محمد شاكر.

[7] الإمام ابن عاشور، التحرير والتنوير، 273/15، دار سحنون.

[8] سورة العاديات، آية 6.

[9] التحرير والتنوير، 502/31.

[10] فتح الباري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث 298.

[11] المصدر نفسه.

[12] سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في خروج النساء في العيدين.