ندوة دولية: جلسة ومحاضرة افتتاحيتان تضعان المتابعين في قلب التزكية

Cover Image for ندوة دولية: جلسة ومحاضرة افتتاحيتان تضعان المتابعين في قلب التزكية
نشر بتاريخ

نظمت مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات، وبشراكة مع الهيئة العامة للتربية والدعوة التابعة لجماعة العدل والإحسان، يوم الأحد فاتح ذي القعدة 1447 هـ الموافق لـ19 أبريل 2026 م، ندوة علمية دولية حول موضوع “فقه التزكية الإيمانية بين كمال الوظيفة ومحاذير التوظيف”.

وقد شارك في الندوة، التي جرى بثها يومي السبت والأحد 25 و26 أبريل الجاري، ثلة من الباحثين والعلماء والمختصين في قضايا التزكية والتربية والسلوك من داخل المغرب وخارجه، حيث تنوعت المقاربات وزوايا المعالجة ومنهجيات التعاطي مع الموضوع وقضاياه، وأفضت إلى مقترحات أساسية وخلاصات وتوصيات حبلت بها الأوراق والعروض التي قاربت العشرين، وتوزع عرضها على جلسة ومحاضرة افتتاحيتين، وثلاث جلسات عرض ونقاش، وجلسة ختامية.

وبعد قراءة مُجيدة لآيات بينات من الذكر الحكيم تلاها على مسامع الحاضرين القارئ ياسين أزغي، تولى الدكتور عبد الرحمن حرور عضو الهيئة العامة للتربية والدعوة إدارة أشغال الندوة، إذ أوضح السياق الذي تجري فيه والترتيبات التي سبقتها وامتدت لحوالي تسعة أشهر، وصولا إلى الإعلان عن تنظيم الندوة يوم 1 أكتوبر 2025 لتتوصل اللجنة المشرفة بالعديد من الدراسات والمشاركات، وبعد الاختيار العلمي الدقيق الذي أشرفت عليه لجنة محكمة خبيرة، استوى عود ندوة “فقه التزكية الإيمانية” التي توزعت إلى محاور جلسات الندوة: الجلسة الأولى خصصت لنقاش موضوع التزكية الإيمانية المفهوم والخصائص، والجلسة الثانية لبحث: فقه التزكية من حيث الآثار والوظائف، والجلسة الثالثة لفقه التزكية: قضايا ومخاطر.

د. نصيح: التزكية هي قضية الساعة لأمتنا

ثم كانت الجلسة الافتتاحية مع الجهتين المنظمتين للندوة، انطلقت مع كلمة للدكتور عز الدين نصيح الأمين العام للهيئة العامة للتربية والدعوة الذي، وبعد أن رحب بالحاضرين والمشاركين والمتابعين، شدد على أن التزكية هي قضية الساعة بالنسبة لأمتنا المثخنة بالجراح، وهي “نبضُ كلِّ ساعةٍ وشأنُ كلِّ لحظةٍ” بالنسبة لكلّ مؤمن ومؤمنة نهضا بصدق لطلب وجه الله تعالى، والْتمسا الطريقَ لمعرفته، ونيل ما يكرم به الحنّان المنّان المصطفين من عباده. لينبه إلى أن التزكية “أشرفَ علومِ دينِنا الحنيفِ، والوظيفةَ الكبرى لرسولِ اللهِ ﷺ، وَرِثَهَا عنهُ بعدَهُ، الرَّبَّانِيُّونَ والعلماءُ العاملون”؛ فهي بهذا المعنى السبيل إلى سلامة القلب، واستقامة السير إلى الله تعالى، والعنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ثم استدعى معنى التزكية عند الإمام المجدّد عبد السلام ياسين رحمه الله قائلا هي: التربيةُ الإيمانيةُ الإحسانيةُ التي بها يرتقي منْ وَفَّقَهُ اللهُ تعالى صُعُدًا في مَدَارِجِ الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، كما اعتبرَ “تحقيقها أعزّ مطلب، في حقّ المؤمنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحقّ وإظهار دين الله”.

ثم أوضح الدكتور نصيح أن الندوة تطمح إلى جمع همم البصائر والأبصار على هذه القضية “المَنْسِيَّةِ المكبوتةِ في الزوايا… التي ضاعتْ وسَطَ الاختلافاتِ والنزاعاتِ، وضاعتْ بفعلِ هَيْمَنَةِ السلطانِ على القرآنِ، فمُنعَ الناسُ رؤيةَ ما بعدَ الحياةِ الدنيا، وحُجِبَ عنهمْ نورُ الهدايةِ وسُبُلُ الرشادِ”. كما أنها تسعى للإجابةِ على أسئلةٍ جوهرية، من قبيل: ما دور التزكيةِ في تحقيقِ العبودية لله تعالى؟ وهو مطلبها الأعظم، وما دورها في انبعاث الأمة لتنهض من كبوتـها وهوانـها نحو العزة والتمكين؟”.

د. المساتي يستعرض بعضا من أعمال مؤسسة الإمام ياسين

من جهته، أوضح الدكتور عبد الصمد المساتي المدير التنفيذي لمؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات أن هذه الندوة تأتي ضمن الفعاليات والأنشطة العلمية والفكرية والأكاديمية التي دأبت المؤسسة على تنظيمها منذ تأسيسها في مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، من أجل تعميق التواصل بين المؤسسة والباحثين في نظرية المنهاج النبوي، والمهتمين بفكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ومشروعه. كاشفا أن المؤسسة أصدرت سلسلات من الكتب، منها: أربعة كتب لأعمال المؤتمرات التي نظمتها المؤسسة منذ سنة 2012، وثلاثة كتب فائزة في أصناف جائزة المنهاج النبوي، وخمسة عشر كتابا في قضايا مختلفة في فكر الإمام ومشروعه التربوي والتغييري، كما أصدرت ترجمات لعدد من كتب الإمام إلى لغات عالمية. هذا فضلا عن تنظيم عشرات الأنشطة والفعاليات العلمية، منها: أربعة مؤتمرات، وإحدى عشْرة محاضرة في قضايا متعددة، وخمسَ قراءات في كتب الإمام، وإثنتا عشرة ندوة.

وفيما يخص موضوع الندوة، فقد أشار المساتي إلى أن الموضوع يكتسي أهمية بالغة في فكر الإمام عبد السلام ياسين ومشروعه التربوي والدعوي والتغييري، وهو الذي ما فتئ يؤكد على قيمة “التربية” باعتبارها مدخلا ومنطلقا وأساسا للبناء والحركة والسلوك الجهادي الفردي والجماعي، فموضوع التزكية والتربية شكل أهم الموضوعات وأكثرها حضورا في مكتوباته ولقاءاته وحواراته رحمه الله، بل إن التربية، يشدد المتحدّث، هي جوهر ما عاش عليه رحمه الله، فقد كان همه الأول كما بين دائما هو: التربية، ثم التربية، ثم التربية… فالتربية عنده هي وسيلة البعث الإسلامي، وهي بداية السير في ميدان السلوك إلى الله، “متى كانت متينة على هدى من الله كان الجهاد ممكنا، ومتى أصابها الخلل فلا نصر يرتجى أو ينتظر”.

ذ. العلمي يدعو إلى تأسيس رابطة ربانية تجمع الأفئدة والعقول لما يقرب إلى الله

بعد ذلك كان الحاضرون والمشاركون مع المحاضرة الافتتاحية التي قدمها الأستاذ عبد الكريم العلمي، المتخصص في قضايا التربية والتزكية وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، تحت عنوان “السلوك إلى الله بين حاجة الفرد واحتياجات الأمة”، تطرق فيها إلى عدد من المحاور وهي: السلوك لغة واصطلاحا، نظرة تاريخية، لماذا السلوك إلى الله؟ كيف السلوك إلى الله؟ أين الأمة من كل ذلك؟

وبعد أن عرج على تعريف السلوك لغة واصطلاحا، منوّها إلى أنه نفوذ وسير في الطريق التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بشكل كامل غير مجزوء ولا منقوص، ومستدعيا قول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الذي قال بأن السلوك: “سير وطريق تقطع مسافاتها وغاية يسعى إليها. ما هي طريق معبدة سهلة، بل هي طريق وعْرة، عقبة”، تطرق في لمحة تاريخية لنشأة ومسار مفهومي التصوف والسلوك. ليقف بعد ذلك عند السؤال المركزي لماذا السلوك، قائلا ومجيبا “إذا تذكرنا وأدركنا أن ديننا مراتب كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعليم القرآن: إسلام وإيمان وإحسان، وأن المسلم إذا ادعى الإيمان لا تقبل دعواه حتى يبرهن حقا على دخول الإيمان في قلبه، وإذا تذكرنا كذلك أن هذا الإيمان يزيد إلى ما شاء الله عز وجل، تبيّن أن السلوك إلى الله فرض وواجب محتم على من أراد الارتقاء في سلم الدين من إسلام مبني على حركة اللسان وحركة الجوارح إلى إيمان ثم إحسان يضيف إلى حركة اللسان والجوارح عملَ أعظم ما في الإنسان وهو القلب. وإن أسمى وأسنى عملٍ لهذه المضغة ولهذه اللطيفة الربانية هو حُبُّ العبدِ مولاه سبحانه الذي يوصل إلى ما هو أعلى وأغلى وهو أن يحب الرب الكريم عبده وأمته”.

وفي جواب صاحب كتاب “السلوك إلى الله عند الإمام عبد السلام ياسين” عن سؤال كيف السلوك إلى الله؟ شدد على أنه لا سلوك إلا على شريعته صلى الله عليه وسلم ومنهاجه، ولا نموذج يتبع ويحتذى إلا ما كان عليه -عليه الصلاة والسلام- وإلا ما كان عليه القرن الأول والأفضل الصحب الكرام -رضوان الله عليهم- والقرنان التاليان والتي يُمثل مجموعها القرون الفاضلة التي دل عليها النطق النبوي الشريف، والتي جمعت السلوك من كل أطرافه قلبا وعقلا وعلما وعملا وعاطفة وموقفا وسمتا ورؤية للإنسان وللكون وللدنيا والآخرة. فهو، يضيف المتحدث، سلوك جامع للإحسان الكامل والعدل الشامل لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

ليختم بالتأكيد على أن جمع كلمة الأمة في هذه المسألة الجوهرية (التزكية) لهو أعز ما يطلب في هذا الحاضر المؤلم لاستشراف الغد الأسْعَد للمسلمين. داعيا العارفين والصالحين إلى “رابطة ربانية نبوية تجمع الأفئدة والعقول والجهود لتوجه قلوب شباب الأمة وحركتهم وفكرهم لما يقربهم إلى الله ولما يعز أمتهم”. واعتبر الدعوة إلى هذه الرابطة “أهم ما في هذه الورقة وبيت القصيد فيها. يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب الإحسان: “ونبث في هذه الأوراق نداءنا إلى العارفين بالله أن يجمعوا الشمل ويقودوا الركب. فكفانا تمزقًا””.