– الموعد الثالثة والنصف بعد الزوال، إياكن والتأخر.
رمت فضيلة بجملتها هذه وهي تنظر إلى عيونهنّ عن كثب.
تعرفهنّ جيدا: “مشاغبات”. رددت بينها وبين نفسها وهي تبتسم. لكنها “تحبّهن” أكدت لنفسها، “وهن أهل للمحبة” أكدت ثانية.
فضيلة امرأة في أواخر الأربعين من عمرها، طويلة القامة، عريضة الجسد، واسعة الجبين، تحمل في عينيها البنيتين عزما ويقينا.. للوهلة الأولى تراها صارمة حازمة، لكن ما إن تأخذ في الحديث إليها حتى تفاجئك الطفلة التي مازالت تتعثر على شفتيها وهي تخط بأذيال أمها المنسحبة خلفها ابتسامة كبيرة، وأغنية حالمة تستلقي على أرجوحة قلبها الصغير. سريعة الانفعال والتأثر، عظيمة الروح، عميقة التأثير.
الكلام بالنسبة إليها ليس حديثا شائقا يسيل له لعاب الألسن الثرثارة، بل كثيرا ما يتسق عنوة ليصبح مواعظ وعِبر متصلة بعضها ببعض: تذكير دائم، تحفيز دائم، وتوبيخ يشتد حينا ويتذلل حينا آخر.
– “سامحنني، إنما أقول ما أقول لنفسي أولا، ولحرصي عليكن” تؤكد مرة أخرى.
في اليوم التالي، وعلى بعد شوارع من منزلها، التقت بصويحباتها عند واحدة منهن. هو لقاء أسبوعي، يجتمعن فيه لإحياء سنة من سنن الحبيب صلى الله عليه وسلم العظيمة؛ وهي المجالسة فيه سبحانه وتعالى.
في حديث جميل، ذكره إمامهن ومرشد جماعتهن الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في كتابه الإحسان الجزء الأول فقرة “حِلَقُ الذِّكر” الصفحة 241: “روى مسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري أن معاوية خرج على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله! قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا آلله ما أجلسنا غيره! قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: “ما أجلسكم؟” قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: “آلله ما أجلسكم إلا ذلك!” قالوا: آالله ما أجلسنا إلا ذلك! قال: “أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة”.
مثل هذه المجالس الكريمة محلها بيوت الله تعالى؛ المساجد، لكن بما أنها مُقفلة دونَهُنّ، فإنهنّ يستعضن عنها بمنازلهن. أو لم يقل الكريم صلى الله عليه وسلم: “جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”.
هنّ لا يُشكِّـكن أبدا في أن الملائكة تحُفُّـهُنّ وتحمل معها إليهنّ كل أنوار الحبّ في الله والتواصل فيه.
افتتحت علياء مجلسهن المبارك وهي تقول: “حبيباتي لنتوجّه نحو القِبلة، ونوجّه قلوبنا لبارئها، ونبدأ على بركة الله حصة الذكر”.
جلبت ازْهور صندوق السُّبَح ووضعته بين أيديهنّ وفتحته لهنّ قائلة بابتسامة مُرحبة: “تفضلن عزيزاتي مُنسقات الروح”. شكرنها والتقطت كل واحدة سبحة تناسبها.
السبحة ليست مجرد أداة للذكر، بل هي في ذاتها عون ومدد، ويعتبرنها جزءا منهن، كأنها يد ثالثة، أو قلب ثان يتنفّسن عبره معاني الذكر والانجماع على خالقهنّ. يقال أن الساموراي كان من شدة ولهه بسيفه وتعظيمه له، يعتبره جزءا منه، ولا يتركه حتى وهو نائم في فراشه. أفلا تستحق السبحة، وهي سلاح من أسلحة الذاكر ووسيلة من الوسائل المساعِدة على الذكر والحضور فيه، أن تحظى بمثل ما يحظى به سيف الساموراي الذي هو فخر شعبه وثقافته؟
مَـدَدْنَ أوانيهنّ القلبية، وبسطن حوائجهنّ بين يدي ربهن الكريم النوال، وأخذت كل واحدة تردد في نفسها نوع الذكر الذي توجههن إليه علياء:
– فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارً“. فيرددن: “ربِّ اغفر لي وتُب عليّ إنك أنت التواب الرحيم”.
يبقين مدة من الزمن وهن يستغفرن، ثم تنتقل علياء إلى حصة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
– إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. فيردّدْن: “اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد “.
ثم ينتقلن إلى الكلمة الطيبة بعد مدة أخرى من الزمن:
– فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فيبدأن بترديد الكلمة النور، الكلمة المفتاح: “لا إله إلا الله”، التي قال عنها الحبيب صلى الله عليه وسلم في الحديث النبوي الشريف: “لا إله إلا الله أفضل الذكر، وهي أفضل الحسنات” (رواه أحمد والترمذي عن جابر). فتحمِلُهنّ معانيها إلى علياء الأفضلية وسناء العبودية وجمال التوحيد وجلاله..
تستنير قلوبهن وتغشى عقولهن السكينة وتأخذ النفس الزئبقية المتمردة في الهدوء شيئا فشيئا.
تلك ليست حصصا للذكر عابرة، بل هي حمامات تستجم فيها النفوس وتتطيب فيها الأرواح ويتبدل فيها الحال ويَصْلُح، ليصبح القلب والعقل والنفس في أنس وانسجام، سائرون معا في معية أحباب الله لله تعالى وطلبا لوجهه الغالي الكريم.
يختمن بالتسبيح، لينسلكن مع خلق الله المسبحين ويَـسْبحن في ملكوته عز وجل وقد انعتقت رقاب أرواحهن من كل ما يثقلها ويشدها إلى مادة الأرض الصلبة: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
تتنهد ريم بحرارة. ينفرج قلبها عن ابتسامته الجميلة، وترتسم على محياها الدقيق أمارات الفرح بالله تعالى.
تنظر إليها خديجة من طرف خفي، وتلاحظ تلك الأمارات الجذابة على وجه صاحبتها، وتتساءل في سرّها: “كيف؟ كيف أحيا أنا أيضا؟ متى أتذوق تلك الفرحة اللذيذة؟”.
– “إنك تعيشينها”. تسمرت عينا خديجة والتفتت ببطء إلى هبة المطرقة بجانبها.
هبة اسم على مسمى. إنها أشبه بالدوامة. تدور بضحكاتها ونكاتها على الجميع وتحملهن معها إلى عالم خفيف جدا، يسعدن بمزاحها وفكاهتها وتندّرها في أحلك الظروف.. ورغم آلامها المنتصبة دائما في نفسها، إلا أنها تحب أن تُبهج أخواتها وتدخل الفرحة عليهن.
لم تعلق أية واحدة على جملة هبة، وإنما أكملن تسبيحهن في صمت تام.
– سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. تقبل الله عزيزاتي.. قالت فضيلة: فلننتقل الآن إلى الفقرة التالية. سنتجاوز فقرة المدارسة هذا الأسبوع إلى ركن التعارف بما أن لدينا زائرتان شرّفتانا اليوم: السيدة شفيقة من أهل الدار القدامى، نحترمها ونحبها ونستمد منها بركات “صحبة من صحب”، أما الزائرة الثانية فهي وافدة جديدة، نرحّب بها ونقول لها حللت أهلا ونزلت سهلا وطبت وطاب ممشاك وبوّئت من الجنان مقاعد.
لكن قبل أن نتعارف، أذكر بالحديث الذي نحبه جميعا ونتعلمه في مجلسنا هذا وغيره من المجالس: “ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ”. حديث عظيم، يعلمنا كيف نتلقى كتاب الله علما ونورا ويقينا صادقا وننزله عملا نافعا خالصا صائبا.. جعلني سبحانه وتعالى وإياكن غالياتي المؤنسات ممن يسمعن القول فيتّبعن أحسنه.
أمّنت جميع الحاضرات، وتهيأن للتعريف بأنفسهن تباعا.
– أختكنّ في الله أمل.. أديبة.. آلاء.. إسراء.. هاجر.. مليكة..
غاصت رحمة أثناء تعريفهن بأنفسهن في اسم كل واحدة منهن، راحت تدقق في قسماتهن وتربط معاني أسمائهن بهن.. “لكل واحد منا نصيب من اسمه” هكذا سمعت يوما وقرأت غير ما مرة.
تُراها تكون كما اسمها؟
ترى نفسها بعيدة جدا عن الرحمة ووسعها وجمالها.. لكن في داخلها رجاء دائم لا يفتر: أن تكون رحمة في نفسها وغيرها، ويكون لها حظ من اسمه الكريم سبحانه: الرحيم.
– “إسمي سعيدة، تشرفت بكن.. قالت الوافدة الجديدة وهي تبتسم في خجل، وأردفت: اسمحن لي بالتعبير عما شعرته وأنا أعيش معكن هذه اللحظات الجميلة.. أطرقت قليلا وتابعت: ليست المرة الأولى التي أحضر فيها جلسات إيمانية، لكن صدقنني إنها المرة الأولى التي تغمرني مثل هاته الأحاسيس؛ وكأني على بساط. وكأن السماء انفتحت، فغمرت قلبي بأنوارها وأزالت عن قلبي أوجاعا كانت حتى لحظة وصولنا والسيدة شفيقة إلى بيتك لالة ازهور.. والتفتت ناحية ازهور التي امتلأت مقلتاها العسليتان المفعمتان بالحب وبالدموع، وتابعت: تشد أنفاسي إلى الأرض. والحمد لله ما إن انتهت الحصة الذِّكرية حتى أحسست بخفة عظيمة.. رضي الله تعالى عنكنّ”. ومسحت دمعة أنيقة تدحرجت ببطء من عينها.
هتفت إسراء وقد بانت غمازتاها بشكل أوضح: “وأنا أيضا أختي سعيدة، أحسست نفس الشيء حين أتيت أول مرة.. وكلما غبت عن مجالسي انتزعني البعد من هذه الفرحة التي تستشعرها أرواحنا الآن فأصبحت كالشريدة، غائبة عني لا معنى ولا عنوان”.
أمنت هاجر على كلامها وزادت مؤكدة: “نعم يا أختي نعم. الذكر في صحبة وجماعة يضاعف الأنوار والبركات. ولهذه الجلسة ميزتها الخاصة”.
حملقت فيهن مليكة بعينيها الواسعتين وهي تتمتم: “واه واه”.
ابتسمت آلاء ابتسامة واسعة وهي تدعو في هدوء: “لا حرمنا الله تعالى بركة النظر في وجوهكن الطيبة”.
– “آمين.. آمين”؛ رددن جميعا. وانبرت أديبة لتنشد قطفا من قطوف إمامهن الشعرية ببطء، وكأنها تحبو بين الكلمات الوضّاءة وتقف بين الحرف والحرف لترتضع من معانيه الجمّة وتغترف من أنواره الدانية الرائقة:
إذا دخـلــتَ عـلـيـنــا
فاحسُبْ إلينا خُطاكَ
صَحِّحْ مَقاصِدَ نَفْسٍ
واعْمَلْ لِكَيْمَا نَرَاكَ
فالصِّدْقُ أوَّلُ شَرْطٍ
مُـسَــبَّـــقٍ لصـفاكَ
اعْزِلْ عَوَائِدَ ماضٍ
قَدْ عِشْتَهُ بـهــواكَ
اهْجُرْ رفاقَ سَفاهٍ
ولا تَــعُــدْ لـصِـباكَ
هاجِرْ إلينا بعزْمِ
واصرِمْ حبالَ بلاكَ
وصلِّ دوماً وسلم
على نَبِيِّ هُداكَ 1