في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح” تناول الأستاذ حسن بناجح ثلاثة محاور رئيسة أولها نظام الدعم الاجتماعي المباشر، ثم تسقيف أسعار المحروقات، وأخيرا علاقة كرة القدم بالمونديال والتوظيف السياسي للرياضة.
نظام الدعم الاجتماعي المباشر.. بين “الحق” و”الإعانة“
في المحور الأول، ناقش عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية نظام الدعم الاجتماعي المباشر الذي أُحدث بموجب القانون رقم 58.23، بوصفه آلية لتقديم تحويلات مالية مباشرة إلى الأسر المصنفة ضمن الفئات الفقيرة والهشة، اعتمادا على السجل الاجتماعي الموحد والمؤشر الاجتماعي والاقتصادي، ولا يعترض المتحدث على مبدأ التضامن الاجتماعي في حد ذاته، بل يقرّ بأهمية كل مبادرة ترمي إلى دعم الفئات الهشة، لكنه ينتقد فلسفة هذا النظام، وآليات الاستهداف، وحجم الدعم، وشفافية الاستحقاق، ومدى تحقيق العدالة الاجتماعية.
يرى المتحدث أن هذا النظام يحوّل الحق الاجتماعي للمواطن من حق دستوري وإنساني مشروع إلى إعانة مشروطة، لأن ولوج المواطنين إلى بعض الحقوق لم يعد مضمونا بوصفهم أصحاب حقوق، بل أصبح مرتبطا بالتسجيل في قواعد بيانات إدارية، واجتياز عتبات رقمية تحدد من هو الفقير ومن هو المستحق. ولا يرفض المتحدث الضبط والتدقيق من حيث المبدأ أيضا، لكنه يتحفظ على ما قد يشوب هذه الإجراءات من اختلالات إدارية وبيروقراطية، تجعل المواطن في وضعية طالب دعم ينتظر قبول ملفه أو رفضه. واعتبر أن قيمة الدعم المالي تظل محدودة جدا أمام الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، فمبالغ من قبيل 500 درهم، أو حتى 1000 درهم لبعض الأسر، لا يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للخروج من الفقر والهشاشة، خصوصا في ظل غلاء المواد الغذائية، وارتفاع تكاليف السكن، ومصاريف التمدرس، والعلاج، والتنقل. لذلك يرى أن تسمية “الدعم الاجتماعي” تبدو أكبر بكثير من الأثر الواقعي لهذه المبالغ على معيش المواطنين.
وانتقد بناجح كذلك طريقة تحديد المستحقين، حيث إن المنظومة تعاني من اختلالات بنيوية، منها ضعف الشفافية في المعايير المعتمدة، وعدم تأهيل المواطنين لفهم كيفية احتساب نقطهم داخل المؤشر، وصعوبة مراجعة القرارات أو الاعتراض عليها بفعالية، إضافة إلى وجود تفاوتات بين أسر متشابهة في أوضاعها الاجتماعية. ووجه كذلك انتقاده للاعتماد المفرط على الخوارزميات والمعالجة الآلية بدل البحث الاجتماعي الميداني القريب، لأن ذلك يعزز الطابع البيروقراطي والسلطوي للمنظومة على حساب بعدها الاجتماعي والإنساني.
وأشار المتحدث إلى تراجع أعداد المستفيدين مقارنة بأنظمة سابقة مثل “راميد”، حيث كانت الدولة تتحدث عن أعداد كبيرة من المعوزين، وصلت في بعض المراحل إلى ما يقارب 10 أو 11 مليونا، بينما تقلص العدد في النظام الجديد إلى حوالي ثلاثة أو ثلاثة ملايين ونصف مليون مستفيد. فأين تبخر الفقراء؟ هل اختفوا أم إن الأنظمة السابقة كانت تضخم الأعداد؟ أم إن السجل الاجتماعي الموحد يقصي جزءا واسعا من الفئات الهشة؟ يتساءل القيادي في العدل والإحسان.
وخلص في المحور الأول إلى أن الدعم الاجتماعي، بصيغته الحالية، يعالج أعراض الفقر أكثر مما يعالج أسبابه البنيوية، حيث اعتبر أن الفقر مرتبط بالبطالة وضعف التنمية عموما، والتنمية المجالية خصوصا، وهشاشة الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، واختلال توزيع الثروة، وغلاء المعيشة. ومن دون معالجة هذه الجذور، يضيف المتحدث، ستظل منظومات الدعم مجرد مسكنات اجتماعية لا حلولا تنموية دائمة، لذلك يدعو إلى إصلاح حقيقي للحماية الاجتماعية يجمع بين ضمان الحقوق الأساسية، والشفافية في تحديد المستفيدين، والعدالة في التوزيع، والتنمية الاقتصادية المنتجة الحافظة للكرامة والاستقلال عن الإعانات.
تسقيف أسعار المحروقات.. غياب الحماية المؤسساتية
في المحور الثاني انطلق بناجح من واقعة إسقاط مجلس المستشارين مقترح قانون يهدف إلى تسقيف أسعار المحروقات، حيث يرى أن المفارقة تكمن في أن مؤسسة منتخبة كان يفترض أن تفعّل آليات المراقبة والتقصي والمحاسبة، اختارت بدل ذلك تعطيل مقترح يهدف إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وانتقد تبرير الأغلبية رفضها المقترح بدعوى احترام حرية السوق وضمان المنافسة، متسائلا عن معنى الحديث عن السوق والمنافسة بعد مرور أكثر من عشر سنوات على قرار تحرير أسعار المحروقات سنة 2015. فالحصيلة أظهرت استمرار تركّز السوق وهيمنة عدد محدود من الشركات والفاعلين على القطاع، مع تحقيق أرباح كبيرة بمليارات الدراهم، في الوقت الذي تُركت فيه الأسر المغربية تواجه موجات الغلاء المتتالية.
وأكد أن مقترح التسقيف كان يهدف فقط إلى وضع ضوابط وحدود تمنع الانفلات المفرط للأسعار وتحمي المواطنين مما يعني أن رفضه يكشف انحيازا إلى منطق الربحية على حساب حماية القدرة الشرائية، وهذا يطرح أسئلة سياسية مركزية: فما جدوى الانتخابات إذا كانت تفرز مؤسسات لا تحمي المواطنين عند المساس بمعيشتهم؟ وما قيمة التنافس الحزبي إذا كانت نتائجه تنتهي إلى القرارات نفسها؟ وما معنى التمثيل السياسي إذا وجد المواطن نفسه وحيدا في مواجهة الأسعار والضرائب والاحتكار، بل إذا تحولت المؤسسات المنتخبة إلى أدوات تزيد من قهره المعيشي؟
الكرة والمونديال.. بين المتعة والتخدير السياسي
أما المحور الثالث فتناول كرة القدم والمونديال، حيث أكد في البداية على قيمة الكرة كمساحة للفرح وأداة للتقريب بين الشعوب وبث القيم التنافسية الشريفة، مثمنا مشاركة المنتخب المغربي وما يحققه من نتائج مشرفة للكرة الوطنية والعربية والإفريقية. غير أن المتحدث يرى أن تقدير كرة القدم لا يجب أن يمنع من الانتباه إلى ما يحيط بها من توظيف سياسي وإعلامي. فهذه اللعبة، بما تملكه من قدرة هائلة على تحريك مشاعر الملايين وتوجيه اهتماماتهم، تحولت في السنوات الأخيرة، حسب النص، من رياضة نبيلة إلى أداة سياسية ضخمة للتخدير السياسي، وتبييض السمعة، وإلهاء الشعوب عن قضاياها المصيرية، والتغطية على ملفات حقوقية وسياسية خطيرة.
وانتقد المتحدث الفزاعة التي تُرفع في وجه كل قراءة نقدية أثناء البطولات، وهي القول إن “هذا ليس وقت الملاحظات” وإن الواجب هو التشجيع فقط، معتبرا أن هذا المنطق يؤدي إلى إسكات كل صوت واعٍ وتأجيل كل نقد إلى أجل غير معلوم، خصوصا أن البطولات والمنافسات الكروية أصبحت متلاحقة بلا توقف. كما يؤكد أنه لا يوجد تعارض بين تشجيع المنتخب وممارسة الوعي النقدي، لأن موضوعه ليس أداء اللاعبين أو الخطط الفنية، بل السياسات الكبرى وهندسة التوظيف الخارجي لهذه اللعبة. كما انتقد أيضا توظيف كرة القدم في تسميم الأجواء بين الشعوب العربية والإسلامية، من خلال تحويل المباريات والمناسبات الرياضية إلى وقود للشحن والبغضاء وبث الكراهية. ويرى أن غرف التحكم السياسي، وأبواق الفتنة الإلكترونية، تستغل الرياضة لإثارة الأحقاد بين شعوب تجمعها روابط الدين والتاريخ والدم والحضارة. ولذلك يدعو إلى اليقظة وعدم الوقوع في فخ تمزيق المشترك العربي والإسلامي، مع التأكيد أن ذلك لا يعني التخلي عن القضايا الوطنية أو عن الحق في التميز الرياضي والفوز.
وختم بناجح بالتأكيد على أن المقصود ليس الدعوة إلى مقاطعة كرة القدم أو التخلي عن تشجيع المنتخبات والفرق الوطنية، بل الدعوة إلى تشجيع واعٍ ويقظ، لا يقلب الأولويات ولا يسمح للفرجة بأن تحجب العقل والضمير. فالوعي لا يمنع متعة اللعبة، بل يحميها من التحول إلى غطاء للظلم، أو أداة بيد المستبدين، أو وسيلة لتمزيق ما تبقى من روابط بين شعوب الأمة.