من جوامع الكَلِمِ: خالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ (3/3)

Cover Image for من جوامع الكَلِمِ: خالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ (3/3)
نشر بتاريخ

جوامع الكلم:

تعددت دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه أوتِـيَ جوامعَ الْكَلِمِ، حيث يعبر بألفاظ قليلة علـى معان غزيرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة” و”الدين المعاملة” و”إنما الأعمال بالنيات”؛ أحاديثُ علـى إيجازها صُنفت فـي بيان معانيها وسبْـر دلالاتها كتبٌ ومصنفاتٌ. وفـي صحيح البخاري عن أبـي هريرة رضـي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِـرْتُ بالرُّعْبِ، وبيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنـِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرْضِ فَوُضِعَتْ فـي يَدِي” (الشيخان)؛ خاصية بلاغية وتبليغية كان لها كبير الأثر والتأثير فـي تواصله صلى الله عليه وسلم مع قومه وهم أهل شعر وفصاحة، فالشعْـرُ صنعتُهم أقاموا اهتبالا به المحافل والمواسم.

وصايـا مُعاذيّةٌ:

عن أبـي ذَرٍّ جُنْدُب بْنِ جُنَادةَ وأبـي عبْدِ الرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جَبلٍ رضـيَ اللَّه عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ” (الترمذي)، وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، حيث اشتملت هذه الوصية الجامعة علـى كل مقتضيات الإيمان: تقوى وتوبة وحسن خلق؛ مقتضيات يروم هذا المقال ملامسة معانيها وقيمتها فـي سلوك العبد إلـى مولاه متشوفا لأعلـى المقامات يوم العرض عليه.

وقبل ذلك وجب التنبيه فـي عجالة إلـى خاصية تركيبية فـي الحديث، حيث جاءت الوصايا فـي صيغة أمْرية من خلال أفعال “الأمر” التـي تفيد الطلب والإلزام أو الوجوب – كما يرى الأصوليون – ما لم تأت قرينة تخصصُه؛ صيغة أمْريّة ترفع منسوب إجرائيته وتحض علـى المسارعة لتنزيله. فهيّا نتفيأ ظلال الشطر الثالث من الوصية النبوية لسيدنا معاذ، ولنا من خلاله رضـي الله عنه: “خالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ”.

بعد الشطرين الأول والثانـي حيث أوصـى صلى الله عليه وسلم بلزوم التقوى والتوبة، جاء الحضُّ فـي الشطر الثالث علـى تحري الخلق الحسن فـي التعامل مع الناس، عموم الناس، وهـي إشارة لطيفة تحيل إلـى الفرق بين المسلم والمؤمن. عن فضالة بن عبيد، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فـي حجَّةِ الوداعِ: “ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، …”(مسند الإمام أحمد).

“خالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ” تُجسد حقيقة التديُّن ودرجة التحقق من الأعمال التعبدية قولا وعملا وسلوكا، والتـي تشكل فـي مجموعها منظومة المعتقدات والقيم والتعاليم الـتـي يتأسس عليها الدينُ الإسلامـيّ، وعليه فمعيار صحة ما يُؤتـى من العبادات يحدده الحظ من مخالقة الناس بالحسنـى. يقول عز وجل فـي شأن الثمار السلوكية للصلاة: اُتْلُ مَا أُوحِــيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَـىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (سورة العنكبوت: 45). عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم تنهَهُ صلاتُــه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بُعدا” (رواه الطبراني من حديث أبي معاوية). وأورد ابن كثير فـي تفسير هذه الآية قولَ ابن مسعود: “لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهـى عن الفحشاء والمنكر”.

وما قيل فـي الثمار السلوكية والأخلاقية للصلاة ينسحب على الصيام، كما ينسحب على الحج. فشرط صحة الصيام وقَبوله أن يصـرف عن الزور قولا وعملا. عـن أبـي هريرة رضـي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ” (البخاري والترمذي والنَّسائـي وابن ماجة)؛ وفـي مقتضيات الحج وشروطه بعد استيفاء الأركان جاء النهـي القرآني عما يخدش فـي قدسية الحج. يقول جل جلاله: فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولـِي الْأَلْبَابِ (سورة الحج: 196).

“خالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ” باب واسع للسلوك والإقبال علـى الله. عـن أبـي هُريرة رضـي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ عَنْ أَكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، قَالَ: “تَقْوى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُق …” (الترمذي)؛ مخالقة بالحسنـى تُعتبر مرقاةً فـي مدارج الإيمان، فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، كما في حديث أبـي هريرة رضـي الله عنه. وبحسن الخلق ينال المؤمن درجة الصائم القائم. عـن أم المؤمنين عائشة رضـي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن المؤمن لَيدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم” (أبو داوود). وبالمقابل تذهب الأعمال التعبدية هباء بسوء الخلق فيجد نفسه يوم الحساب مُفلسا. عـن أبـي هريرة رضـي الله عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: “أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟ إنَّ المُفلسَ من أُمَّتـي مَن يأتـي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتَم هذا، وقذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعْطَى هذا من حَسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فَنِيَتْ حَسناتُه قبلَ أن يُقضَى ما عليهِ، أُخِذَ من خطاياهم، فطُرِحَتْ عليهِ، ثمَّ طُرِحَ في النَّار” (صحيح مسلم).

“خالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ”، وصية نبوية بليغة تجسد المستوى الأفقـي لتعاليم الإسلام نشـرا للتراحم والتحاب والتضامن والتعاون بين المسلمين تحديدا وبين المسلمين وسائر الخلق عموما. إنها مجال للتأسـي بالقدوة العظمـى المشهود له فـي القرآن الكريم بالخلق العظيم؛ شهادة أكدتها أم المؤمنين خديجة رضـي الله عنها وهـي تواسيه وتهدئ من روعه صلى الله عليه وسلم بعد عودته فزعا خائفا علـى نفسه بعد حادث نزول الوحـي: “كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ” (صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضـي الله عنها). لقد عددت رضـي الله عنها سجايا ومكارم وأخلاقا ذات بعد اجتماعـي فـي لفتة منها لطيفة أن أعظم الأعمال وأجزل القربات ثوابا ما عمّ فضله الناس، كل الناس.

اللهم أكرمنا بحسن الخلق وحببنا لخلقك واجعلنا ممن ترضـى وتحب من عبادك الهيّنين الليِّنين منْ يألفون ويؤلفون. والحمد لله رب العالمين.