لم يعد ممكنا التعامل مع مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة وغيرها من الوجهات، باعتبارها مجرد “محاولات للهجرة السرية”، أو حوادث معزولة تفرضها ظروف فردية. فما جرى خلال هذه الأيام، حين اندفع نحو 1500 شاب مغربي نحو سبتة، وسقط عدد منهم في البحر غرقا، وأوقفت السلطات المغربية المئات، ليس سوى عنوان جديد لفشل سياسي واقتصادي واجتماعي يتفاقم عاما بعد عام.
إنها ليست أزمة حدود، بل أزمة وطن
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس عدد الذين غامروا بحياتهم، وإنما أن هؤلاء لم يعودوا يخافون من الموت. حين يصبح البحر، بما يحمله من غرق ومجهول، أرحم في نظر آلاف الشباب من البقاء في وطنهم، فإن ذلك يعني أن شيئا عميقا قد انكسر في العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
ولا يجوز، أخلاقيا ولا سياسيا، أن يختزل النقاش في تشديد الحراسة، أو مطاردة الشباب، أو الاكتفاء ببلاغات أمنية. فهذه ليست معالجة للأزمة، بل إدارة لنتائجها. أما الأسباب الحقيقية فتوجد في مكان آخر.
دعنا من حسابات الغرب في التساهل تجاه هجرة شبابنا بسبب شيخوخة أوروبا ومشاكلها الديمغرافية، وحاجتها في الوقت نفسه لسواعدنا وعقولنا التي يأخذها بأبخس الأثمان، فهذا موضوع آخر. لكن مشاكلنا نحن تجاه هذه القضية تكمن حيث يصنع القرار، وتدار الثروة، وتحتكر السلطة.
لقد أوصلت عقود من الاستبداد السياسي، والفساد البنيوي، ونهب المال العام، والاقتصاد الريعي، واحتكار الثروة، وغياب المؤسسات المنتخبة ذات الصلاحيات والرقابة الحقيقية، وإفراغ الحياة السياسية من مضمونها، إلى هذا الانسداد الخطير.
ولم يعد الشباب يرى أمامه أفقا للكرامة، ولا يجد في سوق الشغل عدالة، ولا في الإدارة مساواة، ولا في الانتخابات أملا في التغيير، ولا في المؤسسات من يدافع عن حقوقه. فكيف يُطلب منه أن يؤمن بالمستقبل، بينما يرى أن الامتيازات توزع بالولاء، والثروة تتركز في أيدي قلة، والمحاسبة تكاد تكون غائبة؟
والمفارقة المؤلمة أن هذا يحدث في بلد ليس فقيرا، بل في بلد أنعم الله عليه بخيرات استثنائية. فالمغرب يمتلك نحو 70% من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، ويعد من كبار المنتجين والمصدرين له. ويمتد شريطه الساحلي لأكثر من 3500 كيلومتر، ويزخر بثروة سمكية هائلة. وتتوفر فيه ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، (8 مليون هكتار) ويحتل مراتب متقدمة في تصدير المنتجات الفلاحية، كما يمتلك ثروات معدنية متنوعة من الذهب والفضة والكوبالت والزنك والنحاس والمنغنيز وغيرها. وأصبح قطاع السيارات يحقق صادرات تفوق 18 مليار دولار سنويا، إلى جانب نمو صناعات الطيران والطاقات المتجددة. فأين تذهب ثمار هذه الثروات؟
كيف يعقل أن تتضخم مؤشرات الاقتصاد الكلي، بينما تتراجع القدرة الشرائية، وتتفاقم البطالة، ويزداد اليأس، ويختار الشباب البحر بدل الوطن؟ وكيف يمكن إقناع المواطنين بأن المشكلة في قلة الإمكانيات، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الحكامة الرشيدة، وفي تركيز القرار والثروة، وفي ضعف الرقابة والمساءلة، وفي نهب المال العام داخليا، الذي وصلت نسبته حسب مؤشرات الفساد وفق معطيات رسمية 5 ملايير دولار سنويا، وتهريب أموال الوطن، التي تقدر بـ8 ملايير دولار سنويا!؟
إن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط الوضع الاجتماعي، بل يهدد استقرار الوطن ومستقبله. فالدول لا تقاس فقط بما تملكه من ثروات، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى عدالة، وكرامة، وفرص متكافئة.
ما الحل؟
لقد آن الأوان لوقف هذا النزيف الوطني. آن الأوان لإصلاح سياسي حقيقي، لا إصلاحات شكلية. آن الأوان لديمقراطية يكون فيها الشعب صاحب القرار، ولمؤسسات منتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية، ولانتخابات تنافسية لا مجرد آلية لإعادة إنتاج الخريطة نفسها، ولحكومة تُحاسَب على أدائها، ولمسؤولين لا تعلوهم أي حصانة أمام القانون.
إن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات المطمئنة، بل إلى شجاعة الاعتراف بأن النموذج القائم بلغ إفلاسه، وأن استمرار السياسات نفسها لن ينتج إلا مزيدا من اليأس والهجرة والاحتقان.
إن إنقاذ المغرب يبدأ من إعادة الاعتبار للحرية، والكرامة، والعدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإطلاق إرادة الشعب في اختيار من يحكمه ومحاسبته. فالأوطان لا تبنى بالقمع ولا بالخوف، وإنما تبنى بالعدل، وبالثقة، وبالإرادة الشعبية الحرة.
وإذا استمرت البلاد في الاكتفاء بتدبير الأزمات الأمنية، بينما تترك أسبابها العميقة دون علاج، فإن أمواج البحر ستواصل حمل الرسالة نفسها، وستبقى قوارب الهجرة تصدر كل يوم حكما قاسيا على واقع لم يعد يحتمل التأجيل، ويتجه نحو المجهول.
ولاحول ولاقوة الا بالله. وإنا لله وإنا إليه راجعون.