من الحبشة إلـى جنوب إفريقيا: وسؤال نُصـرة المظلوم

موافقة لطيفة
فــي شهر الله الحرام رجب الفرد، وقبل خمس سنوات من الهجرة كانت هجرة المسلمين الأولـى إلى الحبشة، ويشاء الله العليم الخبير أن تقود دولة جنوب إفريقيا الكيان الصهيوني الغاصب قبيل يومين من شهر رجب 1445ه إلــى المحكمة الدولية بتهمة إبادة الشعب الفلسطينـي. ومثلما كانت الحبشة ملاذا لثلة من المسلمين المضطهدين، أصرت دولة جنوب إفريقيا علـى كسر صمت عالمـي علـــى جريمة مكتملة الأركان واضحة الأهداف، أن أبيدوا سكان غزة، فقد فقدوا فـي قاموس الاحتلال الغاصب أسباب البقاء.
لا يظلمُ فـي الحبشة أحدٌ
بُعيد الانتقال من الدعوة السرية إلى الجهرية، ومع بداية إقبال المسلمين علـى اعتناق الإسلام، ازداد منسوب تضييق كفار قريش على المسلمين، لا سيما المستضعفين منهم، تضييق وأذى، بل واستهداف مباشر أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالتوجه إلـى الحبشة: قالت أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا أُوذِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُتِنُوا وَرَأَوْا مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْبَلاءِ وَالْفِتْنَةِ فِي دِينِهِمْ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، فَالْحَقُوا بِبِلادِهِ حتـى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ". فَخَرَجْنَا إِلَيْهَا أَرْسَالًا حَتَّى اجْتَمَعْنَا بِهَا، فَنَزَلْنَا بِخَيْرِ دَارٍ إِلَى خَيْرِ جَارٍ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا وَلَمْ نَخْشَ مِنْه ظُلْمًا". فهاجر أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل: كانوا اثنـي عشر رجلًا، وقيل: عشرة، فخرجوا من مكة حتى وصلوا ساحل بحر القلزم، ثم أمَّروا عليهم: عثمان بن مظعون، ووجدوا سفينتين، فركبوا مقابل نصف دينار لكل منهم، وعلمت قريش فأسرعت في تعقبهم إلى الساحل ولكنهم كانوا قد أبحروا، وكان ذلك في رجب من العام الخامس بعد البعثة الموافق 615 م.
فـي حبشة أصحمة النجاشـي أضحـى المسلمون آمنين علـى أنفسهم ودينهم، ليسجل التاريخ لملِكها موقفه فـي نصرة المستضعفين، علـى الرغم من بُعد المسافة وشح الأخبار وضغط قريش لتسليم "المارقين" التخريبيين الإرهابيين بلغة العصر.
جنوب إفريقيا تنصـر المظلوم
علـــى امتداد أكثر من ثلاثة أشهر، لم تهدأ الماكينة الحربية الصهيونية مدعومة بحلفاء الغرب تسليحا وتغطية سياسية وإعلامية، وبتخاذل النظام العربي الرسمي سكوتا علنا ودعما سياسيا ولوجستيا فـي الخفاء، فـي سعـي حثيث يسابق الزمن لإبادة سكان قطاع غزة؛ إبادة لا تخفى مفرداتها: استهداف متعمد للمدنيين وتخريب لكل مقومات الحياة ومنع وصول المساعدات واستعمال جنونـي لكل أنواع الأسلحة والفتك والدمار. وأمام هذا التواطؤ المفضوح لما يسمـــى زعما وزورا "المجتمع الدولـي"، وتخاذل الأنظمة العربية الإسلامية إلا من تصريحات إنشائية إبراءً للذمة، انبرت دولة جنوب إفريقيا وهـــــي من عانــى جزء من شعبها من نظام الحكم العنصري لتكسـر حاجز الصمت وترفع دعوى قضائية بالكيان الصهيوني لدى محكمة العدل الدولية بتهمة السعـي لإبادة سكان غزة، لتجد دولة الكيان نفسها، ولأول مرة فـي تاريخها الدموي فـي قفص الاتهام؛ دعوة لا تحتاج لبراهين بقدر ما تحتاج لجرأة سياسية ورباطة جأش لا تخاف من تبعات الصدع بالحق لائمة؛ عكس أنظمة "كارطونية" لا تفتر تسبح بحمد أولـــي نعمة بقاء حكامها علـى عروش وهمية.
فتحية إكبار لجنوب إفريقيا شعبا ودولة، وإلـى مزبلة التاريخ من آثر سلامة مؤقتة ونشوة حكم عابرة، وتنكر لبكاء الأطفال ونواح الأمهات ونحيب الآباء، ولم يفزع لشلال دماء الأبرياء، وخان قضية فلسطين التـي أبهرت العالم بصمود مقاومتها وتضحيات شعبها.






