منهاج الأسرة في حفظ الفطرة عند الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for منهاج الأسرة في حفظ الفطرة عند الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

إن الولد من عمل الإنسان، وينطبق عليه ما ينطبق على سائر أعماله؛ يعاقب على ما أذنب فيه، ويجازى على ما أحسن فيه. من هنا، فإن الأسرة مسؤولة عن حفظ فطرة الولد وتحصينها ووقايتها من كل ما يمكن أن يشوههاـ وأي تشويه يحصل لها يتحمل مسؤوليته الوالدان.

ونقصد بالفطرة هنا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدْعَاءَ”، ثُمَّ يقولُ أبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (الروم:30). ويوضح ابن القيم رحمه الله معنى الحديث فيقول: “إنهم ولدوا حنفاء على فطرة الإسلام، بحيث لو تركوا وفِطَرَهم لكانوا حنفاء مسلمين، كما ولدوا أصحاء كاملي الخلقة، فلو تركوا وخلقهم لم يكن فيهم مجدوع، ولا مشقوق الأذن”، ويعضد هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: “إني خلقت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم” 1.

واليوم، تعددت الشياطين التي تتربص بالفطرة، تروم تشويهها، وتلبس لبوس الحضارة والعلم والتقدم والعقلانية والإنسانية وغير ذلك. فبأي منهاج يمكن للأسرة اليوم حفظ فطرة ولدها؟

1- من الكمال العلمي والخلقي إلى حفظ الفطرة

نقصد بالكمال العلمي والخلقي تلك التربية التي تلقاها الأبوان خلال مسارهما، سواء من خلال جهد فردي أو جماعي. وهذه التربية ذات بعدين: علمي تعليمي وتربوي إحساني. ولعله من نافلة القول إن الكمال الإحساني هو غاية الغايات. لكن “كمالَ المرأة الوظيفي وكمال الرجل، أبوَين مسؤولين مُرَبيين، هو غاية ما يراد منهما تحقيقه حفظا لفطرة الله، ونشراً لرسالة الله، وخدمة لِأمة رسول الله. ما يرفَع المرأة إلى القداسة إلا أمومتها، وما يرفع الرجل إلا أبوته، يُذْكَر حقهما بعد حق الله مباشرة في قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (الإسراء: 23)” 2.

إن هناك رباطا وثيقا بين هذا الكمال العلمي والإحساني وبين حفظ الفطرة، وينبغي أن تظهر ثمرته وهي صلاح الولد.

نعم؛ قد يكون الأبوان ذوا كمال علمي وخلقي وإحساني، وفي المقابل ولد غير صالح، وقد حدث هذا للأنبياء كما في قصة نوح عليهم السلام جميعا، ويكون ذلك قدرا من قدر الله. لذا، وجب التنبيه هنا على ضرورة دوام التوجيه والنصح والإرشاد دون كلل أو ملل مع رجاء الله في الهداية والاستقامة؛ ذلك أن أمر الهداية والاستقامة بيد الله تعالى.

إن هذا الكمال العلمي والخلقي يصير كمالا عقيما إن لم ينتج ولدا صالحا أو لم يحافظ على فطرته، ينتج فقط غثاء لا يسهم في بناء حضارة أمة ولا في بناء أبنائها ولا في آخرتهم.

يلفت الإمام رحمه الله انتباهنا، وانتباه المرأة خاصة، إلى الحديث الدائر “في الأوساط النسوية من بنات الدنيا، المارقات منهن والتائهات والتابعات، حول حقوق المرأة السياسية والاقتصادية الاجتماعية، وحول سعادتها الزوجية، دون اعتبار أمومة المرأة والمغزى السامي للأمومة، إنما هو دَوَران على غير مِحور. كالعجَلة التائهة المتَفلتة زاغت عن مكانها، فهي تدور في فلَكِ الهوَس. ما يُستفاد من العجَلة إن كانت الوظيفة التي تصَوَّرها لها الصانع وبناها بقصدها معطلة مهمشة؟ ما يستفاد منها إن أصبحت العجلة أنانية تدور حول نفسها وجمالها ورونق ألوانها، تستكمل من ذلك وتستزيد، إن لم تعصِرْها كمَّاشة البؤس الاجتماعي وتَرْمِ بها في الركن القصيِّ من الحياة، آلة لصنع الغثاء؟” ولعل هذا باب عظيم من أبواب إفساد الفطرة ومدخل إلى إنتاج الغثائية.

هذا تحذير يوجهه الإمام رحمه الله إلى الأسرة، وتحديدا المرأة، التي قد تجد نفسها محتضنة لمثل هذه الأفكار المزينة تحت عنوان حقوق الإنسان وحقوق المرأة وغير ذلك، مما عج به الإعلام ووسائل الاتصال.

2- تربية قرآنية مسجدية

يعد القرآن الكريم مصدرا أساسيا للتربية عند الإمام رحمه الله، بل إنه قضية مركزية في تصوره وفي منهاجه. ولعله بدون مبالغة يمكن القول إنه رجل القرآن؛ يحث على قراءته وتعلمه وحفظه وتدبره والامتثال بأوامره، جنبا إلى جنب سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

من هنا، فإن القرآن الكريم هو نقطة انطلاق تعلم الطفل؛ يتعلم القراءة والكتابة كما يتعلم الدين. يقول الإمام رحمه الله: “من القرآن يتعلم الأطفال القراءة والكتابة. ومنه يتضلعون من اللغة، نحوِها وصرفِها وبلاغتها. كان التلقين التقليدي على الألواح بركةً. لا شك. ومن قرأوا في الألواح وحفظوا يتميزون، لا يزالون، بالتمكن في اللغة العربية، لا كما يجرح اللغةَ ويخدِش وجهَها دكاترة ودكتورات ما فتحوا المصحف يوما. توضع أرقى وسائل التعليم المادية، وتوضع الخبرة التربوية أحدَثَ ما وصلت إليه العبقرية العلومية، في خدمة حِفظ القرآن” 3.

إضافة إلى نقطة الانطلاق هاته، يذكرنا الإمام رحمه الله بالتقاليد العريقة التي كانت تميز الأسر المسلمة؛ حيث أول خُطى الطفل إلى المسجد “مناسبة يُحتفل بها في الأسرة، ويُلْبَس الطفل لباس الأعياد، ويصور ليحتفظ في ذاكرته بحدث مهم في حياته. كان أجدادنا رحمهم الله أفضل مِنا وَلاءً للقرآن، يختِم الطفل ختمة كاملة فيركب فرساً ويُزف كما تُزَف العُرسان، احتفاءً به أن حفظ من آيات الله. ويختم نصف ختمة وربعها وعشرها فيُفعَل به من البِر والاحتفال. ذكريات الطفولة مؤسِّسَاتٌ للشخصية، نربطها بالمسجد والقرآن، لا نترك المناسبات الاجتماعية تنسج ثوبها” 4. وهذا كاف ليربط الطفل بالقرآن والمسجد، وبالتالي تتشكل هويته الروحية الإسلامية وتُحفظ فطرته وتُصان.

3- إطعام الحلال

لا يمكن أن نفصل تربية الإنسان عن مطعمه؛ فلذلك أثر في سلوكه وتربيته ورزقه المادي والمعنوي. كيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ: يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وقالَ: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، قالَ: وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك5.

واليوم، مع ضغط الحياة، أصبح الإنسان المسلم يقتحم مجالات الشبهات، وأحيانا مجالات الحرام، حتى كاد يصبح الأمر عاديا، ويبرر بتبريرات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وتعطى لها صبغة شرعية تحت مسمى المصلحة. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله مصورا حالتنا اليوم: “من يتكلم في زمننا عن الشبْهة واللقمة الحرام؟ عمت الفتنة المجال السياسي والاجتماعي والمعاشِيَّ، فالدرهم درهم وكفى. والطين البشري انعجن بالموجود” 6.

وكما أن أكل الخبيث يغذي النفس بالخبث ويجعل الخبيث منقلا إلى الذرية، فكذلك مخالطة الخبثاء، ويبين رحمه الله ذلك بقوله: “أكل الخبيث ومخالطة الخبثاء. كلاهما تغذية لنفوس الصغار والكبار بالسموم المهلكة”. ويستشهد بأبي حامد الغزالي الإمام رحمه الله في حثه على استنكار السلوك المنحرف وذمه وحفظ الصبي منه بحفظه “عن مخالطة كلِّ مَن يُسمِعه ما يُرَغِّبهُ فيه. فإن الصبي مهما أُهْمِل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سَروقا نماما لَحوحا ذا فضول وضحك وكِيادٍ ومَجانةٍ. وإنما يُحفَظ عن جميع ذلك بحسن التأديب، ثم يُشغَّلُ في المكتب، فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالَهم لينغرس في نفسه حب الصالحين. ويُحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله. ويُحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظَّرْف ورِقة الطبع. فإن ذلك يغرسُ في قلوب الصبيان بَذْر الفساد” 7.

من هنا، كان لا بد في نظر الإمام رحمه من تربية وقائية حافظة، تحفظ الولد من كل ما يشوب فطرته وتربيته من خبث، سواء كان ماديا أو معنويا. ويركز هنا على حفظ الصبيان من تيارات الانحلال والإباحية التي لها أوجه عدة في زماننا هذا: الكتب والقصص ومختلف وسائل الاتصال والرفقة السيئة المتربصة بالأولاد خارج البيت.

4- حفظ العقل

لا يمكن أن نفصل حفظ العقل عما سبق، وإنما أفردناه بالحديث هنا لأسباب منهجية وتذكيرا بأهميته وقيمته. وليس عبثا أن جعل علماؤنا حفظ العقل من كليات الشرع التي ينبغي السعي إلى حفظها. وقد لا نبالغ إن قلنا حفظ العقل اليوم مهمة كبرى للوالدين. ألا نرى أبواب تشويه الفطرة فتحت على مصراعيها باستغلال عقول الأطفال والشباب؟ ألا نرى هجوما على الدين؟ على القرآن الكريم؟ على سنة مبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ ألا نرى تسرب بعض الأفكار الإلحادية إلى عقول الناشئة؟ وكل هذا تحت العنوان العريض “العقل والعلم”، وما يقابله كله خرافة. وكل الناس يريدون أن يظهروا بمظهر العقلانيين وليس بظهر الخرافيين.

في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي بدأ فكر منحل يغزو العالم الإسلامي، فكر ولد في الغرب وصادم الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها. تبنى العقل الوضعي الذي حددت وظيفته فيما هو حسي. ومن يتبنى العقل الوضعي لا يفرق بين ما هو ثابت من الدين وما هو متغير، بل هل يعتبر الدين؟ وهو العقل الذي يعتمد المسلمة الدوابية الداروينية القائلة إن الإنسان ليس سوى حيوان متطور خلق من عدم؟

انبهر المسلمون بهذا الفكر وافتتنوا به، خصوصا أولئك الذين ذهبوا في بعثات علمية إلى أوربا وعادوا ممتلئين إعجابا وفخرا بالغرب. ويحضرني هنا مثال رفاعة رافع الطهطاوي الذي أعجب بمراقصة الرجال للنساء وقال عن الرقص في مصر: “إنه من خصوصيات النساء لأنه تهييج للشهوات، وأما في باريس فإنه نط مخصوص لا تشم منه رائحة العهر أبدا” 8.

العلمُ في نظر الإمام رحمه الله هو العلمُ بالله، وبكتاب الله، وبرسل الله، وبقدر الله، وبملائكة الله، وبلقاء الله. هذا أول العلم، وهذا ما يعمل الوالدان على غرسه في الناشئة انسجاما مع فطرته التي فطره الله عليها. و”مصدرُ هذا العلم الوَحي، وِعاء نوره القلب، والعقل الإيماني المنفتح المنافذ على القلب يتلقى الأمر والنهي، يعرف الحق” 9.

لم يكن الإمام رحمه الله منعزلا عن واقع أمته وعما يدور فيها من أفكار، أبدا. يقول رحمه الله منتقدا هوس الناس بالعقل: “العقل، العقل، العقل. كلمة يرددها الناس غيرَ عابئين بتعريف ما هو العقل الذي يتحدث عنه القرآن، وما مدلول العقل في ميادين المعاش. قلوب تفقَه عن الله، تعقل عنه تتلقى وحيه بالقَبول. وقلوب مختوم عليها، منسَدَّةٌ قنواتها، لا تقبل الوحي ولا تعرف الحق. ومع ذلك فعقولها المنطقية المعاشية المنقِّبَةُ المستنتجة الصانعة المكتشفة لها الفاعلية في الكون، تُطوِّرُ مادياتها ويبقى العقل الإيماني كسيحا” 10.

إن العقل في القرآن الكريم عقل مستنير بنور الوحي، وهو الذي أثنى عليه وجعله دالا على الاستقامة، مقابل عقل معاشي لا علاقة له بالوحي. وينبه الإمام رحمه الله الوالدين وكل المسلمين إلى أن العقلانية الفلسفية الغربية اليوم تستعين بالعقلانية العلمية لتنشر أفكارها الوثنية والإلحادية/ فيتلقف الناشئة العقلانيتين كتلة واحدة، فيبدأ التحلل من الدين والقيم رويدا رويدا، فيصعب بعد ذلك رد الأمور إلى نصابها. لذا يجعل الإمام رحمه الله عنصر حفظ العقل من تمام حفظ الفطرة، على الوالدين الانتباه إلى ذلك وعدم إغفاله إطلاقا. وإذا نجحنا في هذا فقد نجحنا في كل شيء.

وختاما، هذه بعض معالم منهاج حفظ الفطرة من قبل الأسرة، قد تتفرع عنها عناصر أخرى عن التفصيل في كل معلم من هذه المعالم. وما يهمنا في هذا المقال المختصر هو أن نعود إلى تراث الإمام رحمه الله ونتهمم بهمومه التي كان يبثها في كتبه وجلساته، ودور الأسرة في مشروعه دور حيوي وحاسم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

 



[1] – ابن القيم، أحكام أهل الذمة، 2/70.
[2] – عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، 2/193.
[3] – تنوير المومنات، 2/232.
[4] – نفسه.
[5] – رواه مسلم.
[6] – تنوير المرمنات 2/248.
[7] – نفسه.
[8]- رفاعة رافع الطهطاوي، تلخيص الإبريز، ص 206.
[9] – تنوير المؤمنات، 2/223.
[10] – نفسه.


[1] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، 2/70.
[2] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، 2/193.
[3] تنوير المومنات، 2/232.
[4] نفسه.
[5] رواه مسلم.
[6] تنوير المؤمنات 2/248.
[7] نفسه.
[8] رفاعة رافع الطهطاوي، تلخيص الإبريز، ص 206.
[9] تنوير المؤمنات، 2/223.
[10] نفسه.