في غرفة فسيحة كأنها السماء.. لا جدارن بها تحد الانطلاق، ولا سُقُف تهوي على الرؤوس، انبسطت أكُفهن اللينة وامتدت إلى المائدة التي أنزلت من أجلهنّ وفرشت طنافسها تحت أقدامهن.
اخضلت قلوبهن بحب مصطفاهن، وتنافست مهجهن في أيهن يوافق مدحها أوصافه الكريمة، فتفوز منه بنظرة جميلة.
اجتمعن في هذا اليوم الذي ترفع فيه الأعمال إلى حضرته الشريفة فيفرح إذا بدا من أمته ما يسر ويحزن قلبه الشريف إن بدا فيها ما يخزي.
اجتمعن حول سفرة “النصيحة” الأبوية الجامعة، وصاحبها يدلف الغرفة/السماء ويقبل بابتسامته الحانية وجلبابه الأبيض الناصع المتلألئ وشامة الولاية بارزة على محياه الكريم كأنها تحييهن معه وتقبل الرؤوس المطأطئة في سكينة ورحمة.
كم تسعده لمتهن حول حبيبهن!
وكم يسعده فهمهن واستيعابهن لدروس المائدة المحمدية، وتشربهن لجوهر الدين وأساسه!
تنفتح كفا نُزيْهة وهي تردد دعاء ختم القرآن وقلبها الحزين يبثّ مولاه نجواه وشكواه، وصوتها الخفيض الجميل يتغنى بأفضال كتابه جل جلاله ويتوسل به إليه سبحانه وتعالى.
ثم تقرئ منها السلام لأهل السلام وأحبته من ملإ الأرض والسماء. وتنطلق بعدها في حكي قصة جلسة من أعظم الجلسات؛ كيف أنها فرصة للنجاة من أهوال فتن الظاهر والباطن، وكيف تبث فيها أسرار المصحوب المواسي والصاحب الصادق، وكيف توزع فيها الأرزاق وتمتلئ بها أوعية القلوب وأوانيها من روح وريحان، وأنها وصية الوالد المرشد ونصحه ونصيحته وإرث منهاجي واصل.
تختم تذكرتها، وتسلم الكلمة إلى العامرة بالحب والعطاء، الفاطمة ذات الحسن الجمال، لتخط بيمناها محاور: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58]. وتقول: “ما هو فضل ربنا وما هي رحمته؟ وكيف نفرح بهما؟ وما دلالة الفرح القرآنية؟ وما سياق الآية؟ ولماذا نجتمع حول هذه الآية الكريمة بحثا وتفصيلا؟”.
تعتدل في جِلستها المهيبة، تتنحنح، وكأنها تأمر العيون بالتدفق، وأمواه الحب بالانسياب والانسكاب على القلوب المتطلعة إليها.
ثم تابعت:
– الفرح حبيباتي بالعطاء هو حمد وشكر للواهب العاطي عز وجل. نذكره سبحانه بدموعنا وقت الشدة، ونذكره تعالى بضحكاتنا وقت الرخاء، وأعظم الذكر الدعاء، وأعظم الدعاء الحمد لله.. وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.
هذا من جهة العاطي سبحانه، أما من جهة العطية، وهي هنا الفرح بفضل الله أولا، وأعظم الفضل كتابه عز وجل “القرآن الكريم” المعجزة الخالدة، كلامه سبحانه وتعالى، الذي يحبه ويحب أربابه ممن يتعلمونه ويعلمونه ويتخلقون بخلقه..
وهنا تتوقف لحظة لتطلق تنهيدة حرّى تفيض بحب نفيس، وتمسح دمعات شقت لنفسها طريقا طويلا سريعا على خديها السمراوين، ثم تكمل: يوقفني خاطر وهو التغني بالقرآن الكريم الذي يحبه عز وجل، هل نحسب حبيباتي التغني بكتاب الله تعالى مجرد تلاوة حسنة بصوت حسن أو قراءة نَصفها بالخاشعة؟
التغني بكتاب الله تعالى روح تنبعث من القلب الذي يتشرب معاني القرآن فيتغنى بها وصفا تتحلى به الأخلاق، وجمالا تشع به الوجوه، ورحمة تستقر بالجوارح، وصفاء ومحبة تجمع عليها وبها عباد الله، وعلما نافعا وعملا صالحا، وخصالا تكتمل رافدة رافدة.
حبيباتي في الله..
فضل الله تعالى حين نفرح به، يتجسد عملا صالحا خالصا صائبا يقبله الله تعالى، ويقبله رسوله الكريم فيفرح بفرحنا صلى الله عليه وسلم.
ورحمته وهي العطية الثانية منه سبحانه، ولا نشك أنها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسل رحمة للعالمين، ففرحنا به يكون حمدا وشكرا لله تعالى أننا من أمته الشريفة، وأيضا يكون بتقفينا لآثاره صلى الله عليه وسلم وحسن الاهتداء والاقتداء به صلى الله عليه وسلم، وبالتعريف به في نفوسنا أولا ثم الأقرب فالأقرب، وأخيرا التبليغ عنه ولو بآية.
تصمت فاطمتنا للحظات، وهي تجيل النظر في صويحباتها، وتلمس من محياهن مدى استيعابهن واستماعهن، فتسأل الله تعالى في سرها: “اللهم اجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه”. ثم تواصل وقد فاض بها الوجد، وبلغ منها الشوق لحبيبهن صلى الله عليه وسلم مبلغه :
“الفرح في القرآن الكريم له وجهان، وجه الفرح بالدنيا وزينتها وهذا مذموم منبوذ مكروه، ووجه الفرح بما عند الله كما ورد في آيتنا وهو محمود مطلوب مرغوب.
وقد يكون العطاء منعا، وقد يكون ابتلاء، وقد يكون منحة.. وكلها نقبلها من مولانا عز وجل قبولا حسنا، فذلك عين الرضى ووجه الفرح والبِشر”.
تختم الفاطمة محاورها، وتبسط المائدة للمدارسة والتوسع.
مجلسٌ للنصح نعم المنتدى
يضرب الأحباب فيه الموعدا
في بيوت تَّخذوها مسجدا
بعد أن مس الخراب المسجدا
ختم قرآن به بدْء الخطى
ودعاء خاشع يمحو الصدا
ثم تذكير بأن المبتغى
طُهر قلب ونجاة من ردى
فكرة من بعد أخرى يا لها
من دروس نهشات كالندى
نتواصى بعدها أن لا نُرى
حيث لا يرضى الحبيب المُفتدى
مجلس للنصح نعم المنتدى
نائب عن صحبة يا للندى
هو حوض من حياض المصطفى
هو روض من جنان قد بدا 1
“ومجلس النصيحة بعد هذا، افتقار واستمداد، واستعداد وإعداد، وبرنامج ومواد، توصيات وحصاد، تتحقق بها الغابة ويحصل المراد” 2.
كسانا الوقار بمجلسه
وما كدّر الجوّ لغوُ جدلْ
فصلِّ إلهي على المصطفى
حبيب القلوب ونور المُقلْ 3