مفاهيم منهاجية: الفتنة

Cover Image for مفاهيم منهاجية: الفتنة
نشر بتاريخ

مفاهيم منهاجية: الفتنة

يجد الأستاذ عبد السلام ياسين كلمة الفتنة كثيرة الورود في كتابات الاسلامين وخطاباتهم، ولذلك يرى أنه من الضرورة تأصيلها وتبين معانيها، يقول في تعريفها: “عرف الراغب الأصبهاني رحمه الله، وهو إمام هذا الفن، الكلمة كما يلي: “أًصل الفَتْن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار”. قال: وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء. وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا). 1 هذا هو المعنى الجذري والاصطلاحي القرآني للكلمة: امتحان واختبار وابتلاء في الدنيا للإنسان، وفي الآخرة عرض للكفار على النار” ، كما يؤكد الأستاذ على أنها مفهوم أساسي من مفاهيم الدين لفهم سنة الله في هذا الكون ، حيث إن مادة ” فتن” في القرآن ستين مرة،(…) فالمفهوم أساسي، إن غفل المسلم والمسلمة عن حكمة الفتنة الابتلائية حصل في حيرة أمام تناقضات الخلق وتحديات الكون بعضه لبعض واختلاف المقاصد واشتباك المصالح). 2 فهذه الفتنة دائما تكون بلاء أو امتحانا أو ظلما أو إغراء أو خوفا، إذ يبتلي الله سبحانه الناس بعضهم ببعض، حتى ينظر من يصبر ويثبت ومن يفتن و يكفر.

وإضافة إلى المفهوم القرآني الاصطلاحي، نجد عند الأستاذ مفهوما سنيا يعتبره الشطر الثاني في دلالة الكلمة يقول: ” الفتنة الابتلائية شطر فقط من دلالة الكلمة، تكتمل دلالتها إن أضفنا إلى المفهوم القرآني الابتلائي المفهوم السني. فإننا نجد في دواوين الحديث المصنفة “كتاب الفتن” أو “كتاب الملاحم” بصيغة الجمع. في هذه الكتب إخبارات نبوية بما يقع للأمة بعده صلى الله عليه وسلم من مِحن تاريخية، من ثورات وقتال وسفك دماء وفساد حكام وخروج كذابين إلى ظهور الدجال فنزول عيسى عليه السلام بين يدي قيام الساعة.

الفتن التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم حوادث عيْنية منها ما كان يسمِّي زمانه ورجاله، ومنها ما أبهمه وعممه.

في معظم ما أنذر به من الفتن أمر صلى الله عليه وسلم السامعين بالكف عن المشاركة في الفتنة، وبكسر القِسِيِّ وإغماد السيوف. وشدد النهي عن سفك الدماء) . 3 إذن نحن أمام شكلين مختلفين من أشكال الفتنة، فتنة ابتلائية وفتنة تاريخية، فهل هذا معناه أن ينآى المسلم وتنآى المسلمة بنفسيها عن الواقع المفتون، وتنظر إلى الناس والمجتمع بعين الإحتقار؟ وتضع نفسها جانبا بعيدا عن كل هذا، وهل هذا ما أمر به الله ورسوله؟ أم أن الفهم القاصر والفقه المتحجر هما السبب؟ وهل ترك الأمور لغير أهلها، والسكوت عن الحق والظلم و تخريب جسم الأمة، كفيل بإعادة مجد الأمة وإحيائها، وهل هذا هو الأخذ بأسباب النصر والتصديق بموعود الله ؟

إن علينا أن نعيد فهم معنى الفتنة على ضوء الكتاب والسنة، حتى لا نسقط في فخ الاستكانة والهروب. يجمل الأستاذ الجواب على كل هذه التساؤلات حين يقول: وفي كتب الحديث فصول خصصت لذكر ما حدث به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن نشوء فتن واضطرابات في الأمة، ما ذكر أنها تخرج الأمة عن إسلامها. إنما هي أمراض، بعضها أخطر من بعض، والزيال الواجب لها ليس في الانسحاب والاستعداد لنسفها، لكن في معالجة الفتنة لنقضي على الفتنة لا على الناس.) 4

هذه الفتنة عليها أن تكون سببا في النهوض بالنفس وطلب كمالها ومدافعتها مع غيرها بالخير والمعروف، والإجتهاد والصدع بالحق لأن وجود الفتنة المتعددة الوجوه، فتنة الشيطان والإنسان والسلطان عامل إحياء، فلولا الفتنة لكانت الحياة الدنيا ركودا، ولما كان أي معنى ولا أية ضرورة للجهاد، ولا للعمل أي حق في أن يوصف بالصلاح، ولا للجزاء في الدار الآخرة مكان. لو كانت الدنيا جنة، والناس ملائكة، لم يكن معنى ولا وجود ولا داع للحرية واقتحام العقبة إليها، إذ لا وجود عندئذ لعقبة أساسا.) 5


[1] المرجع السابق، ص 114.
[2] المرجع السابق، ص 114.
[3] المرجع السابق، ص 115.
[4] المنهاج النبوي، ص 243.
[5] مقدمات في المنهاج، ص 68.