إحياءً لذكرى الإسراء والمعراج، وفي سياق فعاليات أسبوع القدس العالمي، نظّمت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة بمدينة الجديدة، مساء الثلاثاء 20 يناير 2026، ندوة علمية حملت عنوان: «مركزية القضية الفلسطينية في كتاب سنة الله»، خصصت لتسليط الضوء على البعد الفكري والتربوي للقضية الفلسطينية في مشروع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله من خلال كتاب سنة الله.
الندوة، التي أطرها الأستاذ عبد الصمد فتحي رئيس الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، شكّلت مناسبة فكرية عميقة لمساءلة موقع المسجد الأقصى في الصراع الحضاري القائم، حيث أكد المتدخل أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي أو نزاع جغرافي، بل هي في جوهرها صراع بين الحق والباطل، وبين الإسلام والجاهلية الحديثة، التي تتجسد، بحسب تعبيره، في المشروع الصهيوني العالمي الساعي إلى الهيمنة المعنوية والحضارية على العالم.

وأوضح الأستاذ فتحي، من خلال قراءة تحليلية في كتاب «سنة الله»، أن مركزية المسجد الأقصى تشكّل ركيزة أساسية في فهم وعد الآخرة وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمستقبل هذه الأمة، معتبراً أن بيت المقدس هو قلب التحرر الموعود، ليس لفلسطين وحدها، بل للأمة الإسلامية جمعاء.
كما توقف عند مظاهر العلو والإفساد الصهيوني، مبرزاً أنها تمثل، وفق السنن الإلهية، مقدمات حتمية لوعد الآخرة، كما ورد في سورة الإسراء، وهو ما يفرض، يؤكد المتدخل، وعياً سننياً عميقاً بالواقع، بعيداً عن القراءات الانفعالية أو الاختزالية.
هذا وتضمّنت المداخلة تقديمًا مركزًا لسنن الله كما أبرزها الإمام عبد السلام ياسين، وفي مقدّمتها: سُنّة نصر الله للمؤمنين وشروطه، وسُنّة الابتلاء والتداول بما تحمله من تمحيص ورفعٍ للأجر، وسُنّة وفاء الله بما أخبر ووعد؛ من وعد الآخرة إلى بشارة الخلافة على منهاج النبوة. وقد شكّلت هذه السنن الإطار الناظم للمداخلة ومنهجها التحليلي.

وتوزعت المداخلة إلى محورين رئيسين، انطلاقًا من مركزية بيت المقدس في كتاب سنّة الله؛ المحور الأول ركز على “بيت المقدس ومركزية التدافع”، حيث توقّف فيه المتدخل عند الفتح النبوي المتجسّد في حادثة الإسراء والمعراج، باعتبارها تثبيتًا للنبوة وإعلانًا مبكرًا عن مكانة بيت المقدس في مسار الصراع والتدافع، ثم انتقل إلى الفتح العمري فالفتح الصلاحي، وصولًا إلى استحضار وعد الآخرة في واقعنا المعاصر. ومن خلال هذه المحطات التاريخية، تتبّع سُنن الله في النصر والابتلاء والتداول، مبرزًا كيف يتنزّل الوفاء الإلهي بالوعد عبر الزمن، وفق شروطه وقوانينه التي لا تتخلّف.
أما المحور الثاني فخصصه للحديث عن “بيت المقدس ومركزية الانطلاق والوصال”، وفيه أكّد أن بيت المقدس لم يكن فقط ساحة صراع، بل كان عبر مراحل الأمة منطلقًا حضاريًا ومركزَ وصالٍ بين الأرض والسماء، وبين العبد وربه. ففيه بلغ رسول الله ﷺ ما لم يبلغه بشر ولا ملك، وفيه أُكرمت الأمة بالوصال الرباني عبر فرض الصلاة، التي هي في جوهرها صلة وقرب من الله. ومن هذا المنطلق شدّد المتدخل على أن معركة بيت المقدس لا تنفصل عن معركة الإنسان في قلبه، معركة الوصال والسمو والسير في مسالك الصالحين.
وخلصت المداخلة إلى أن هذا الارتباط بالله، وهذا السمو الروحي، هو الشرط العميق لتحقيق النصر والتحرير والانطلاقة الحضارية، حيث تتكوّن معاني الرجولة كما بيّنها الإمام، استنادًا إلى قوله تعالى: «في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه»، مؤكدًا أن التوأمة بين بيوت الله وبيت المقدس هي التي تصنع الرجال، وتحرّر الأرض والإنسان معًا، وفق سنن الله التي لا تحابي أحدًا.
وختم الأستاذ فتحي مداخلته بالتأكيد على ضرورة الانتقال من منطق التفاعل الموسمي إلى منطق العمل المتراكم، داعياً إلى توظيف كل الوسائل المتاحة، التربوية والفكرية والإعلامية والمجتمعية، من أجل الدفاع عن المسجد الأقصى، والمساهمة في الإعداد والاستعداد للتحرير الموعود.

وعرفت الندوة، في ختامها، حفل توقيع الكتاب الجديد للأستاذ عبد الصمد فتحي الموسوم بـ: «طوفان الأقصى وسنّة الله.. قراءة في كتاب سنة الله للإمام عبد السلام ياسين»، والذي يأتي في سياق قراءة فكرية للحدث الفلسطيني من زاوية سننية وتاريخية. وقد قدّم كل من الأستاذين أحمد الخطابي ومحمد العربي النجار قراءتين نقديتين في الكتاب، تناولا فيهما بنيته العامة ومضامينه الفكرية والمنهجية، وأبرز الإشكالات التي يثيرها، إلى جانب التعريف بالسياق العلمي لإصداره، وبمؤسسة الإمام، الناشرة للكتاب، وبالدكتور عبد الفتاح العويسي الذي تفضّل بتقديمه.
وشهد النشاط تفاعلاً لافتاً من طرف الحاضرين، سواء مع موضوع الندوة أو مع مضامين الكتاب، حيث أغنت المداخلات والأسئلة النقاش، وأتاحت للمؤلف فرصة تعميق عدد من القضايا المرتبطة بمركزية الأقصى، وسنن التغيير والتحرير في وعي أبناء الأمة.*
