تناول الدكتور عصام البشير الحرب التي يخوضها الصهاينة على المسلمين عموما وعلى الفلسطينيين على جهة الخصوص، وأكد أن هذه الحرب ليست عسكرية أو اقتصادية أو سياسية فقط، بل هي أيضا حرب تعتمد على ما يسمى بالقوة الناعمة. وقال إن الأمر “حرب مفاهيم” و”حرب سرديات تترسخ في أذهان الناس“، موضحا أن السردية هي سرد يُستعمل في التواصل السياسي أو التسويقي لأجل التفاف الجماهير على فكرة معينة، وأن السردية الصهيونية هي مجموع التقنيات والأفكار التي يراد ترسيخها في أذهان الناس.
وخلال مشاركته في الندوة العلمية الوطنية التي نظمتها المجموعة العلمائية المغربية لإسناد القضية الفلسطينية يوم السبت 3 يناير الجاري، والتي شارك فيها إلى جانب كل من السادة الدكاترة رشيد بنكيران ومحماد رفيع ومحمد عوام، أضاف المتحدث أنه اختار على جهة الخصوص الحديث عن السردية الصهيونية في الإعلام الغربي المعاصر، لكنه نبّه إلى أن هذه السردية وإن كانت في الإعلام الغربي ابتداء فإنها تنتقل بالضرورة إلى المتغربين من بني جلدتنا، ولذلك تنتقل نفس الشبهات التي تُثار في الإعلام الغربي إلى إعلامنا المتصهين أو المتغرب، أولا على استحياء ثم بصلافة وصراحة.
وأكد مدير مركز إرشاد للدراسات والتكوين أن هذه السردية مبنية على مجموعة من الأكاذيب، بل هي في حقيقتها نسيج أكاذيب وأساطير، ومع ذلك فهي تحتاج إلى جهد لتفكيكها. وأضاف أنه قبل التفكيك لابد من المعرفة، أي لابد من معرفة هذه السردية وأهم معالمها. وأعرب عن اعتقاده أن علماء الشريعة من أقدر الناس على التعامل مع مثل هذا الأمر، منتقدا تصورا شائعا عند بعض الناس يظن أن عالم الشريعة ينبغي أن ينزوي في “أوراقه الصفراء” وأن يكتفي بما يُتناقل في كتب التراث، بينما الحق، كما شدد، هو أن عالم الشريعة كان دائما وينبغي أن يكون مطلعا على واقعه، قادرا على تنزيل أحكام الشريعة في هذا الواقع. وأشار إلى أنه سيتحدث باختصار عن جهة الإشارة المُغنية عن التفصيل، فسيعرض أولا أهم معالم هذه السردية، ثم يذكر في محور ثان بعض معالم الرد عليها.
وفي المحور الأول المتعلق بمعالم السردية الصهيونية، قال البشير إنه رتبه على ثلاث نقاط: أولها متعلق بنفس وجود ما يسمى إسرائيل أو الكيان الصهيوني، وثانيها ما يتعلق بأعداء هذا الكيان الصهيوني، أي “أنا وأنت ومجموع المسلمين”، وثالثها ما يتعلق بأصدقاء هذا الكيان الصهيوني، ويعني بذلك الغرب الموالي له.
وعند حديثه عن النقطة الأولى المتعلقة بنفس الوجود، قال إنه قبل الحديث عن وجود هذا الكيان أو شرعية وجوده لابد من وقفة صغيرة تتعلق بحرب المفاهيم المبنية على حرب المصطلحات. ولفت الانتباه إلى أنه ذكر “الكيان المسمى إسرائيل”، موضحا أنه حين كانوا صغارا لم يكونوا يعرفون إلا الكيان الصهيوني، حتى في وسائل الإعلام الرسمية فضلا عن غيرها، أما الآن فقد صار ذكر إسرائيل أمرا دارجا حتى في ألسنة أهل الخير والفضل والعلم فضلا عن غيرهم، مع التنبيه إلى أن إسرائيل هو نبي الله يعقوب. وأضاف أن ذلك يستدعي التدقيق في المصطلحات لأنها ليست بريئة، بل كل مصطلح يحمل مفهوما معينا، مستشهدا بمصطلحات مثل: إسرائيل، والمقاومة أو الإرهاب، والمحرقة، مؤكدا ضرورة الوقوف معها حتى لا يقع الاستدراج إلى المفاهيم التي تحملها.
وأضاف المتحدث أن من النقاط المتعلقة بوجود هذا الكيان أو مشروعية وجوده تلك الأساطير الدينية التوراتية التي نشرها الصهاينة وبنوا عليها سُوَاغ وجود الكيان. وأشار إلى أنها مذكورة في كتابات كثيرة ومردود عليها، مثلما هو عند روجيه غارودي وغيره من المؤلفين. وذكر أنها لم تعد منتشرة في الإعلام الغربي بتلك الحدة التي كانت عليها قبل هذا العصر لأسباب متعددة، من أهمها أن الإعلام الغربي الذي يريد أن يكون إعلاما علمانيا متحررا من السطوة الدينية يرفض وجود مثل هذه المصطلحات والمفاهيم الدينية التوراتية، ومع ذلك كما قال فهذا لا يزال موجودًا ويحتاج إلى وقفة.
ثم انتقل إلى نقطة أخرى حول وجود هذا الكيان تتعلق بتعريف اليهودي، وقال إن تعريف اليهودي مبني على ما يسمى بالنزعة الجوهرانية أو الجوهرية (Essentialism)، أي أن تُذكر للأشياء أو للهويات جواهر وخصائص ذاتية يُبنى عليها فهمها والحكم عليها بغض النظر عن السياقات التاريخية والسياسية ونحو ذلك. وأضاف أن هذا ما فعله الصهاينة؛ فقبل الصهيونية لم يكن هناك شيء اسمه شعب يهودي، وإنما كانت اليهودية دينا من الأديان، فكان اليهودي المغربي واليهودي الأمريكي واليهودي الأوروبي… إلى آخره، لكل واحد همومه وتطلعاته وآماله وآلامه، إلى أن جاءت الصهيونية فحاولت جمع هؤلاء أجمعين انطلاقا من “جوهر” مدعى يتجاوز الأعراق والشعوب والحدود الجغرافية بين الدول.
وشبّه المتحدث ذلك بما تقع فيه النسوية حين تتحدث عن المرأة انطلاقا من جوهرٍ مزعوم دون اعتبار للاختلافات الاجتماعية والدينية والثقافية وغيرها، معتبرا هذا من أعظم معالم الخلل في الفكر النسوي المعاصر، وأشار إلى أنه بيّن ذلك في كتابه “جدل النسوية والذكورية”. ثم أورد في السياق نفسه فكرة اختراع الشعب اليهودي كما في كتاب شلومو ساند المشهور، معتبرا أنه شعب لم يكن موجودا ثم وُجد بفعل الدعاية الصهيونية وبفعل الجوهرانية التي ابتنى عليها الصهاينة هذا الاختراع.
وتطرق المتحدث بعد ذلك إلى قضية المحرقة النازية، وقال إن من يتكلم في الإعلام الغربي عن هذه الدولة بنقد يُتهم بأنه “Holocaust Revisionism”، أي مراجعة المحرقة أو رفضها أو التشكيك في وجودها أو نحو ذلك. وأضاف أن هذه المحرقة، سواء في أصلها أو في المبالغات الكثيرة التي أضيفت إليها، صارت حصان طروادة الذي دخل منه الصهاينة إلى عمق الوعي والضمير الأوروبي خاصة والغربي عمومًا، لفرض تصورهم للكيان الصهيوني الذي لابد أن يوجد، ولابد أن يسانده الغربيون لكي يكفّروا عما وقع في ألمانيا وفي قلب أوروبا لليهود، مؤكدا أن المحرقة النازية من أشد وأهم وأخطر ما يسوّغ به وجود هذا الكيان.
وانتقل المتحدث إلى ما يتعلق بأعداء إسرائيل، وقال إن من معالم السردية اتهام المقاومة بالإرهاب وبالوحشية. وأضاف أن من اطلع على الإعلام الغربي في الشهور الأولى على الأقل بعد السابع من أكتوبر، وجد أن كل من حاول مخالفة السردية السائدة وتحدث عن مذابح ترتكب في غزة كان يُطلب منه ابتداءً أن يندد بحماس، “لا بد أن تندد بحماس وتندد بإرهابها” قبل أن يستطيع الكلام معهم في أي شيء. وذكر كذلك الأكاذيب المعروفة التي ذُكرت في السابع من أكتوبر عن الأطفال الذين أحرقوا في الأفران، وقال إنها ما تزال تتكرر رغم تفنيدها من وسائل الإعلام المحايدة، بل تتكرر إلى الآن في بعض وسائل الإعلام.
وأضاف المتحدث أن من ذلك أيضًا الاتهام بمعاداة السامية، واصفًا الأمر بالابتزاز بمعاداة السامية، حيث إنه بمجرد انتقاد الحكومة الإسرائيلية أو دولة إسرائيل أو الصهيونية يُوصم المنتقد بأنه معادٍ للسامية أي معادٍ لليهود، ثم “ينزل عليه” ما ينزل تاريخيا على معاداة السامية؛ أنه نازي وفاشي ويريد إحياء هتلر إلى غير ذلك.
وتابع المتحدث أن من معالم السردية كذلك تقديم إسرائيل بوصفها دولة ديمقراطية تتمثل حقوق الإنسان، وأنها جاءت وسط شعوب متبربرة ووحشية لا تراعي حقوق الإنسان، ولذلك تستحق الدعم. وقال إن هذا يتضح في المحاورات الإعلامية التي كان يراها خلال السنتين الأخيرتين، حيث إنه بمجرد أن يقول قائل إن الغرب يكيل بمكيالين حين ينكر على روسيا غزوها لأوكرانيا ولا ينكر على إسرائيل ما تفعله في غزة، يقال له إن روسيا دولة ديكتاتورية وبوتين معادٍ لحقوق الإنسان، “أما إسرائيل فدولة ديمقراطية”، واعتبر ذلك من معالم سرديتهم الراسخة في الوعي الغربي.
أما ما يتعلق بأصدقاء إسرائيل، أي بالغرب، فقال المتحدث إن أول شيء وأهمه، وهو مما يصرحون به، قولهم: إسرائيل تقاتل بالنيابة عنا، وقد صرح به رئيس وزراء الكيان. وأضاف أن إسرائيل دولة غربية لكنها داخل الشرق الأوسط، مؤكدا أهمية فهم ذلك. ثم أشار إلى أمر آخر يحتاج إلى بسط لا يجد وقته، وهو أن أصدقاء الكيان الصهيوني في الغرب كانوا في الأصل من اليسار ثم صاروا الآن من اليمين، وأن اليمينيين الغربيين الذين كانوا قبل عقود معادين لليهود في إطار عنصريتهم صاروا الآن من أشد الداعمين لدولة إسرائيل المزعومة، ومن أشد المناوئين لأعدائها من الفلسطينيين.
وفي حديثه عن كيفية تفنيد هذه السردية، قال المتحدث إن ذلك يكون بثلاثة أمور سريعة. وأوضح أن الأمر الأول هو التأصيل ورفع الوعي عند المسلمين بإعادة وضع المفاهيم وترتيب المصطلحات، مثل الكلام عن الكيان الصهيوني، وعن الجهاد، وعن بيت المقدس، وعن إرهاب الدولة الذي تمارسه هذه الدولة الهجينة. وأضاف أن الأمر الثاني هو الحديث عن تاريخ الصهيونية لرد السردية التي تمارس من الناحية التاريخية، مؤكدا أن تاريخ فلسطين ليس تاريخًا يهوديا، وأن الحديث عن إبراهيم وموسى عليهما السلام مثلًا ينبغي أن يُرسخ في وعي المسلمين بأن هؤلاء أنبياء مسلمون، وأن الأنبياء كلهم مسلمون، وليسوا أحق بإبراهيم منا بل نحن أحق به منهم.
وأضاف المتحدث أنه من المهم أيضا التأكيد على أن المحرقة ليست سبب قيام دولة إسرائيل، بل ينبغي تذكير الغربيين وتذكير أنفسنا بأن إقامة هذا الكيان سابقة على المحرقة، مستحضرا وعد بلفور وكون قيام الصهيونية كان قبل المحرقة بكثير، وأن المحرقة سرّعته لكنها لم تنشئه، داعيا إلى ترسيخ هذا المعنى في وعي الناس. وختم ضمن هذه النقطة بالتنبيه إلى أن السامية أو اليهودية ليست هي الصهيونية، وأن بين الأمرين فرقا، “دون أن نميّع القضية ودون أن نسقط في إنكار الحقائق القرآنية المتعلقة باليهود”، مع التأكيد أن اليهودية غير الصهيونية.
ثم قال المتحدث إن النقطة الثانية في التفنيد هي أن يكون الدفاع بالهجوم، مستشهدا بقولهم إن أفضل دفاع هو الهجوم. وذكر في ذلك منازعة الصهاينة في التاريخ اليهودي المزعوم لفلسطين، والتذكير المستمر بالإرهاب الصهيوني والأمريكي، وبما سماه البلطجة الأمريكية. وأضاف ضرورة بيان أن إسرائيل ليست كما يزعمون دولة ديمقراطية، بل هي كيان عنصري، مشيرا إلى وجود مؤلفات غربية نصت على ذلك وبينت كيف تمارس هذه الدولة العنصرية داخل مواطنيها فضلًا عن ممارستها تجاه الفلسطينيين.
وأكد المتحدث ضرورة إلزام الغربيين بعلمانيتهم حتى لا ينساقوا وراء التأصيلات اليهودية التوراتية، معبرًا عن استغرابه من بعض الحوارات الإعلامية الغربية التي يسمع فيها المتحدث الصهيوني يتحدث عن “يهوذا والسامرة” والمصطلحات التوراتية، بينما لا يستطيع محاوره أو المذيع أن ينكر عليه، وكأن هذا، وإن كان في أصله أمرًا دينيًا يخص اليهود، صار مقبولا بقوة الواقع عند مجموع الغربيين.
وختم المتحدث بما سماه “التنزّل” على طريقة علماء الجدل وعلماء الخلاف، موضحا أن التنزّل يعني ألا ننازع في مقدمات الخصم بل نقبلها ثم ننكر النتائج التي يريد الوصول إليها. وضرب مثالا بقوله؛ على فرض صحة المحرقة النازية وصحة جميع التفاصيل التي وقعت فيها، فإن هذا شأن أوروبي، فما علاقة المسلمين به؟ وما علاقة الفلسطينيين به؟ وأضاف أن الأوروبيين، لا النازية فقط، بل عموم الأوروبيين كانوا لأسباب متعددة يكرهون اليهود ومارسوا المحرقة إما بشكل مباشر أو بالتعامي عما وقع فيها، وهو شأن أوروبي لسنا معنيين به، وبالتالي لا يمكن أن يتحمل الفلسطينيون تبعاته بدلا منهم.
وضرب مثالا آخر على التنزل بقوله: لو فرضنا أن إسرائيل دولة ديمقراطية مع مواطنيها، فما طريقة تعاملها مع غير مواطنيها؟ وكيف تتعامل مع الفلسطينيين؟ وأضاف أنه ينبغي نشر فكرة أن هذه الدولة دولة استعمارية احتلالية، وأن ديمقراطيتها المزعومة لا تمنع أن تكون دولة محتلة لا تراعي حقوق الإنسان. واستشهد في ذلك بمثال فرنسا التي كانت تحتل بلادا كثيرة في شمال أفريقيا وغيرها وتمارس ألوانا من الإرهاب، ومع ذلك تُقدَّم بوصفها دولة الأنوار وحقوق الإنسان والديمقراطية، فخلص إلى أنه “لا تلازم بين الأمرين”، وأن هذا المعنى يحتاج إلى تركيز.
وفي ختام مداخلته، قال المتحدث إن غرضه من هذا كله بيان أن هذه السرديات لا ينبغي الاستهانة بها لأنها خطيرة جدًا في تأثيرها على الناس. وأضاف أنه رأى كثيرا من المسلمين المتغربين، الذين لا يكادون يتابعون الإعلام الإسلامي أو العربي أو المغربي، يتابعون الإعلام الفرنسي خاصة في المغرب، فتسري إليهم هذه الأفكار وتترسخ في أذهانهم ويصعب استئصالها فيما بعد، وهو ما يستدعي كما قال جهدا كبيرا لمدافعة هذه الأفكار وتفنيد هذه السرديات.