مجلة الجماعة.. مجلة التماس الحكمة

Cover Image for مجلة الجماعة.. مجلة التماس الحكمة
نشر بتاريخ
علي بادي
علي بادي

لا خلاف في أهمية ودور الإعلام في أداء كل التنظيمات على اختلاف مجال تحركها وأهداف سعيها وحجم وطبيعة جمهورها. إذ بالوسائل والوسائط الإعلامية تتمكن الهيئات والمؤسسات، بل وحتى الأفراد من التعبير عن ذواتهم وتبليغ مواقفهم والتواصل مع جمهورهم ومناصريهم. وقد شكلت مجلة الجماعة التي خرجت إلى النور في ربيع الثاني من عام 1399ﻫ، الموافق لشهر فبراير 1979م بداية بروز جماعة العدل والاحسان، في شخص مرشدها وأصحابه من رجال الرعيل الأول، إلى ميدان الدعوة والحركة نصرة لقضايا الإسلام والمسلمين.

قصة الفهرست:

بدأ الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى تجربة إصدار المجلة وحده باعتباره المدير المسؤول ورئيس التحرير والكاتب والمشرف على مجمل أبواب المجلة. بدأها متوكلا على الله، ولسان حاله بل وصريح مقاله يصدح:

ألا من مسعف حولي***على أمر أحاوله

تيتم بيننا العدل***وكل الناس خاذله

هلموا ننكر الظلما***ننازله نقاتله

وقد عبر عن ذلك الإمام رحمه الله تعالى في فهرس العدد الأول حيث قال: “إن مجلة حرر موادها رجلان لا تحتاج إلى فهرست. ما ذلك لأننا نريد احتكار المجلة للدفاع عن قضايا تخصنا. أو لتكون منبرا نستعلي من فوقه على الناس. لكن لأن إخواننا المؤمنين الذين ينتظرون أن يكون للإسلام صوت مسموع في هذه الديار فصلنا عنهم وفصلهم عنا قواطع الصمت الذي كان مفروضا. وقد زالت القواطع إن شاء الله تعالى. فهذه مجلتكم أيها المؤمنون المقبلون على الله الملتزمون بالإخاء والجهاد. والقضية قضيتكم. غير أننا لا نحب أن ننشر الكلمات الخجولة ولا التي تمت بصلة للذهنية المصطنعة. نحب الفكر الهادف الذي ينم عن إرادة ويخاطب الهمم لارتياد التجديد واقتراح الحل الإسلامي لمشاكل أمتنا الكئيبة بما يفرض عليها من استسلام في وجه الصهيونية القوى الجاهلية. وانحدار في مهاوي التخلف الاقتصادي والتظالم الاجتماعي والإلحاد”. 1

طفق إذن الإمام وصاحبه الأستاذ أحمد الملاخ رحمهما الله تعالى يشرحان ويبينان دور وأهداف إصدار المجلة التي أرادا منها أن تكون “أداة عمل أداة تعارف بين الإسلاميين”. كما أرادها الإعلاميان الأولان في الجماعة أن تكون “أداة توعية عامة تتبعها يقظة: توعية للعقل ويقظة للقلب” ومنطلق هذه التوعية “قراءة لكتاب العالم وقراءة لكتاب الله وقراءة متزامنة ينير فيها الإيمان القلبي الجهد الفكري”.

وفي وقت عانى فيه الإسلاميون ولا يزالون كما أحرار الوطن عامة من تضييق وحصار وكتم لصوتهم دون آذان الشعب فقد أراد الإمام ورفيقه أن تكون مجلة الجماعة “الصوت المسموع للإسلاميين. فإننا لا ننسبها إلى أنفسنا إلا عنوانا للخدمة الواجبة علينا نحو قضية ليست قضية فرد أو أفراد أو جماعة معينين محصورين تحت العناوين التي تفرقنا. بل هي قضية كل من ينبض قلبه بالإيمان”. 2

لقد كانت واضحة منذ الانطلاقة؛ الأهداف والمقاصد والغايات المرجوة من هذا المنبر الاعلامي، صاحب المضمون الجديد، والدعم والعون الجديد. أداة للتوعية العامة العقلية والقلبية، وعنوان للخدمة الواجبة لقضايا الإسلام والمسلمين، ومنبر للفكر الهادف المنبعث عن إرادة الجد والتجديد، والمزايل للكلمات الخجولة.

مجلة التماس الحكمة:

اتخذ الإمام المجدد رحمه الله تعالى لمجلة الجماعة شعارا وموضوعا هو التماس الحكمة، حيث يقول: “ننفذ إلى موضوع هذه المجلة وهو التماس الحكمة، ونعني بالتماس الحكمة البحث عن الصورة الكاملة للدولة الإسلامية المنشودة في تضرعات رجال الله المجاهدين، الموعودة في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام ربنا عز وجل الذي تكفل لنا، إن آمنا وعملنا الصالحات، أن يستخلفنا في الأرض وأن يمكن لنا ديننا الذي ارتضى لنا وأن يبدلنا من بعد خوفنا أمنا” 3.

ويضيف رحمه الله تعالى موجها الخطاب إلى حكام المسلمين في قوة من غير عنف، ورفق من غير مهادنة: “نعم هذا معنى التماسنا الحكمة، ونعرض ذلك إن شاء الله بحكمة”. وبالحكمة دعا حكام المسلمين على طول بلاد الإسلام، يقول رحمه الله “وإلى الحكمة ندعو رجال الدولة في بلاد المسلمين فنعرض عليهم أن يرفعوا سوطهم عن رجال الدعوة، فإن سجون بعضهم لا يزال يئن فيها المعذبون من المسلمين”.

وبالحكمة ذاتها خاطبت هيئة تحرير مجلة الجماعة حكام المغرب قائلة: “وإلى الحكمة ندعو رجال الحكم في بلدنا المغرب بمثل ما ندعو إليه زملاءهم في بلاد الإسلام وبأن يوسعوا لنا على مائدة الديموقراطية إن أرادت لنفسها وقارا ويرفعوا عن الإسلاميين الحجر حتى نتنظم على وضح النهار. أفليس لنا حق إلا في معاتم التنظيمات السرية التي يلجئ إليها بعض حكام المسلمين أمة الخير أمة الدعوة لينصبوا لها بعدئذ الفخاخ؟” 4

لينتقل بعد ذلك الإمام المجدد إلى تسطير بعض المطالب والحقوق التي من أجل إعلانها وإعلائها تم إصدار المجلة فيقول رحمه الله تعالى: “هذه المجلة الملتمسة الحكمة تطالب أول ما تطالب بإنصاف الإسلاميين ورفع اليد عنهم، وتطالب بمنحهم حق المواطنة وحق التعبير وإلا فواخجلة الديموقراطية! وتطالب أن يعترف لهم بحق التجمع والتنظيم وإلا فهو اعتراف لدعاة الباطل بأن ما يسعون إليه بكل نفوذهم من طرحنا على هامش العمل السياسي هو المصير المحتوم الذي تدّخره لنا الدولة أيضا”. 5

كما استثمر الإمام رحه الله هذا المنبر الإعلامي الأول لمخاطبة المثقفين العقلانيين وإليهم يوجه رحمه الله نداء الدعوة الحكيمة الرحيمة فيقول: “ندعوهم ليسمعوا إلينا على صفحات هذه المجلة لنفتح عليهم بإذن الله الآفاق الفكرية والعملية التي يجليها الإيمان لنظرنا، وليصبروا علينا إن لم يعمهم الغرور العقلاني حتى نتم جملنا… نحن رجال الدعوة نغلط كما تغلطون، لكننا نصحح أغلاطنا على نور قلوبنا المتفتحة على الله وعلى ضوء عقولنا المتفتحة على كتابه المنزل وكتابه المخلوق كتاب العالم. لا يغرنكم أن رصيدنا من التجربة لا يزال قليلا وأن رصيدنا الفكري المجدد لا يزال في ألفبائه فتعتزوا بما ترجمتم عن ماركس من فكر وعن لينين وذريته الثورية من ممارسة وتظنوا أنكم وحدكم الأذكياء. تعلموا أننا قوم نحب العلم ونلتمس الحكمة، وأننا نتبع الخطوة الخطوة بأقدام ثابتة على إيمان لا على أرض الضغمطية العقلانية كما تقولون، فما أسرعنا أن نتعلم” 6

ويبسط الإمام أمامهم بساط اللقاء ويمد لهم يد الحوار بذات الحكمة ونفس الرحمة وبغيرة صادقة على الوطن وحاله ومستقبله فيقول: “أما أنتم فلا تجدون في زحمة مسؤولياتكم اليومية أو خصامكم الحزبي حين تكونون داخل الحكومة أو خارجها وقتا للتأمل، فها نحن نعرض عليكم وعلى أنفسنا، نحن الشعب المسلم المحب للعلم الملتمس للحكمة، دعوتنا إلى الله من خلال نظرتنا للعالم ومشاكله، وللمستقبل وآفاقه وللحاضر والماضي في عموم الزمان والمكان اللذين كانا ويبقيان وعاء لهذا الإنسان الذي يومن بالله أو يكفر، يعنف عنف الجاهلية على أخيه الإنسان أو يكنفه بالرحمة الإسلامية” 7.

على سبيل الختم

إن مجلة الجماعة التي صدرت أواخر القرن الرابع عشر ومستهل القرن الخامس عشر الهجري، ورغم كل المصاعب التي واجهتها إلا أنها وصاحبها قد كانا يستشرفان أفقا بعيدا، يعلو بحكمته العقلية ورحمته القلبية عن تفاصيل الحياة اليومية لعامة المسلمين في المغرب وخارجه، كما كانا يطمحان إلى تغيير هذا الواقع الثقيل والموبوء، وهذا ما ظهر جليا اليوم رغم بعد الشقة.

والآن وقد رسخت الفكرة واتضح المسار وتقوى المسير برجال نقلوا عن الإمام همته وفصلوا الخطة وفتحوا لها آفاقا جديدة في مختلف مشارب الإعلام؛ بدءا بالورقي الذي وأده من لا يعرف قيمة الخير الذي دعا إليه الإمام وتدعو إليه جماعته هذا الوطن، مرورا بالإعلام الإلكتروني ثم ما يفتح الله في كل مرحلة من وسائل جديدة لتبليغ ذات الدعوة بذات الرحمة وبتلك الحكمة التي بدأ بها الإمام وسار على دربه فيهما خلفاؤه أبناء مشروع العدل والإحسان إلى حين تحقق المشروع، بل إلى لقاء الله عز وجل.


[1] مجلة الجماعة العدد الأول، صفحة 113.
[2] مجلة الجماعة العدد الأول، صفحة 44.
[3] مجلة الجماعة، العدد الثاني، صفحة 14.
[4] مجلة الجماعة، العدد الثاني، صفحة 14-15.
[5] نفسه، ص 15.
[6] مجلة الجماعة، العدد الثاني، صفحة 18.
[7] نفسه، ص 20.