ماذا بعد؟ حينما تستعمل كرة القدم لتوجيه المزاج العام وتبرير تحالفات لا صلة لها بالرياضة

Cover Image for ماذا بعد؟ حينما تستعمل كرة القدم لتوجيه المزاج العام وتبرير تحالفات لا صلة لها بالرياضة
نشر بتاريخ

أثارت قناة الشاهد الإلكترونية، في حلقة جديدة من برنامج: “ماذا بعد”، موضوع تداعيات نهائي كأس أفريقيا للأمم وما أعقبه من تحولات في النقاش العام.

وجاء على لسان مقدم البرنامج الإعلامي محمد اليقيني أن حصيلة كأس أفريقيا للأمم كانت نجاحا في التنظيم وجاهزية في البنية التحتية وصورة مشرقة لمغاربة أبانوا في لحظات كثيرة عن كرم ورقي أسهم في إعادة شيء من وهج الكرة الأفريقية، غير أن “النهاية جاءت مخيبة للآمال، جمهور كان يتوق إلى لحظة فوز وفرح مستحق”، لكن “بدل أن تُدار الخسارة بلغة الرياضة ومنطق الكرة انزلقت بعض كتائب التجييش إلى صناعة سردية موازية تسعى إلى توظيف اللحظة لفرض تموقع جديد للبلد وإعادة رسم خريطة الأصدقاء والحلفاء، خارج روح المنافسة وحدود المستطيل الأخضر”، قبل أن يطرح السؤال الأساسي للبرنامج “ماذا بعد؟”.

سجّل مقدم البرنامج أن تداعيات نهائي كأس أفريقيا لم تكن “مجرد خيبة رياضية عابرة” بل “كشفت هشاشة المسافة الفاصلة بين الفرح المشروع والهوس الجماعي”، إذ في غضون ساعات قليلة تحول النقاش العام من تقييم أداء المنتخب إلى انفجار انفعالي اختلطت فيه الوطنية بالعصبية، والنقد بالتخوين، والغيرة الصادقة بالتحريض المفتوح، حيث ساهمت منصات الإعلام الاجتماعي وكتائب التشهير المعروفة في تكريس هذا الانزياح بما راكمته من فوضى وتأجيج حتى جرى التطبيع مع لغة القذف والسب، وتحولت الفضاءات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للتشهير واستعداء الجميع باسم الغيرة الوطنية.

واستنكر البرنامج كيف انحدر النقاش الذي أعقب الخسارة من مساءلة رياضية هادئة إلى صراع هوياتي صاخب، تدار فيه المعارك بالكلمات الجارحة بدل الأفكار، وبالتحريض بدل التحليل، وبدا وكأن كرة القدم بما تحمله من شحنة رمزية قد أفرغت من معناها الرياضي لتستعمل أداة تفريغ نفسي جماعي تستدعى فيه أسوأ الغرائز: سب الشعوب، واختزال الهوية في مباراة، وتحويل المنافس الرياضي إلى عدو وجودي.

ورصد البرنامج بأن هذا التحول لم يكن عفويا بالكامل بل تغذى على فراغ رسمي وإعلامي ترك الرأي العام وحيدا أمام الصدمة بلا رواية مؤسساتية ولا معطيات دقيقة ولا خطاب يضبط الانفعال ويعيد النقاش إلى سياقه الطبيعي.

وأشار البرنامج الذي تقدمه قناة الشاهد الإلكترونية إلى أن الملاعب الخفية التي تدار فيها اللعبة الحقيقية عند تقاطع السياسة والمال والإعلام، يتحرك اللاعبون الكبار الذين لا يرتدون قمصان المنتخبات بل يمارسون نفوذهم عبر قرارات استراتيجية يحددون حجم الاستثمارات ويرسمون الوجهات ويقررون متى تشحن العصبيات ومتى تغلق ملفات أكثر إلحاحا، في هذا المستوى تتحول كرة القدم إلى لغة سياسية غير معلنة تستعمل لتوجيه المزاج العام وصناعة عداوات رمزية وتبرير تحالفات لا صلة لها بالرياضة ولا بقيمها، بينما يعاد تشكيل الوعي الجماعي بهدوء عبر الانتقاء بين ما يقال وما يخفى، من يحتفى به ومن يقصى من المشهد. وبهذا المعنى تنتقل كرة القدم من كونها لعبة جامعة إلى أداة توظيف رمزي، تصفق المدرجات بينما تتوارى في الخلفية أسئلة موجعة عن العدالة الاجتماعية والكرامة والتنمية ومصير المال العام.

وأضاف اليقيني بأن الملاعب تُشيد اليوم بوصفها واجهة نجاح فيما تؤجل مواجهة اختلالات بنيوية في الصحة والتعليم والاقتصاد، ويقدم الانتصار الكروي أحيانا كدليل كاف على التقدم رغم غياب أثر ملموس في حياة الناس، والأخطر من ذلك أن تستعمل اللعبة لتفريغ الهوية من بعدها الإنساني، فتطفو دعوات للتطبيع مع القتلة ومن في صفهم نقيضا لهوية الأمة وقطعا لحبال الوصال مع من تجمعنا بهم روابط الدم والدين والجغرافيا، فقط لأننا تقابلنا في مباراة كرة القدم.

غير أن هذا التشخيص، يقول مقدم البرنامج؛ لا ينبغي أن يقود إلى اليأس أو الانسحاب، بل إلى إعادة طرح السؤال الجوهري: ماذا نريد من الكرة وماذا نريد لأنفسنا؟ فالقضية ليست في الفوز أو الخسارة بل في استعادة المعنى، أن تكون الرياضة امتدادا لمشروع إنساني وتنموي لا بديلا عنه، وأن يعود الجمهور شريكا في الفهم لا مجرد أداة تعبئة.

وفي ختام الحلقة أكد البرنامج أن كرة القدم تستعيد براءتها حين تدار بقواعد عادلة وتفصل عن حسابات التوظيف السياسي، ويسمح لها بأن تكون فضاء فرح وتلاق لا أداة إلهاء وتفريق، عندها فقط يصبح الانتصار في الملعب انعكاسا لانتصار أوسع في ملاعب الحياة: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.