قيمٌ تضيء روح المرأة… من وحي سيرة هند بنت المهلب

Cover Image for قيمٌ تضيء روح المرأة… من وحي سيرة هند بنت المهلب
نشر بتاريخ

قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج: 38].

من بين ظلال هذه الآية الكريمة ينساب المعنى رقيقا عميقا: الله جلّ جلاله لا يترك المؤمن وحده في وجه العواصف، ولا يسمح للظلم أن يطغى بلا رادع، فالدفاع الإلهي وعد محكوم بحكمة الرحمة وعدل القدرة. لكن الإيمان الذي يستحق هذا الدفع ليس شكلا ظاهرا ولا ألفاظا تردد، بل هو حياة ممتدّة في كل حركة وسكنة؛ صلاة وصمت، كسب طيب، خلق رفيع، وصبر يزهر في القلب. فـحياة المؤمن كلها عبادة، يعبد ربه وهو يعمل، وهو يعفو، وهو يصبر، وهو يسعى إلى الخير، حتى تغدو تفاصيل يومه ميراثا ممتدا من النور.

ومن هذا العمق الروحي ولد جيل التابعين والتابعات، الذين حملوا أنفاس الصحابة وامتداد تربيتهم، فصاروا مرآة صافية لمدرسة النبوة. وفي هذا الأفق تبرز سيرة امرأة من نوادر الزمان: هند بنت المهلب بنت أبي صفرة؛ ابنة مجاهد لا يهاب السيف، وابنة حكيم عقلها بوصلة لا تخطئ. آتاها الله ذكاءً لامعا وخلقا رفيعا وفصاحة تبهر السامعين، حتى قال عنها أيوب السختياني: “ما رأيتُ امرأةً أعقل منها”. ومع ما أُعطيت من مكانة، ابتُليت بزواج الحجاج بن يوسف؛ حياة ظاهرها الإبهار وباطنها الامتحان. ومع ذلك ظلّت هند تُقيم جلال الإيمان في قلبها، وتمسك ناصية الحكمة بقوة لا يهزمها صخب القصور.

روى ابن عساكر، في تاريخه من طريق يزيد بن مروان،  دخل عليها عبد الله بن زياد القرشي، فوجدها تمسك بالمغزل، تديره بأنامل هادئة فقال متعجبا: “كلما دخلت عليكِ وجدت بيدك مغزلًا! أتغزلين وأنت زوجة أمير؟”، فقالت بوقار العالمات: “سمعتُ أبي يقول: قال رسول الله ﷺ: أطولكن طاقة أعظمكم أجرا، وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس”.

ومن هذا المشهد البسيط تنطلق قيم تضيء روح المرأة؛ فالغزل ليس خيطا يُفتل، بل صبر يُصقل، وانشغال يطرد ثقل الوساوس، وعبادة لطيفة تنسج في القلب طهارة وطمأنينة، وتعلّم المرأة أن الوقت إذا مُلئ بالخير لم يجد الشيطان إليه سبيلًا.

ولم تكن هند حكيمةً في فعلها فحسب، بل في قولها ونصحها أيضا، فقد أورثت النساء من حولها دروسا لا تزال صالحة لكل زمان. فقد دخلت عليها مرة إحدى الجواري وأخبرتها عن جمال امرأة رأتها، فابتسمت هند ابتسامة من يعرف الجوهر من المظهر وقالت لهن: “ما تَحَلَّت النساء بحُلِيّةٍ أحسن عليهنّ من لُبٍّ طاهر تحته أدبٌ كامل”. كأنها تقول لهن: إن أزهى الحُليّ ليس ما عُلّق على الأعناق، بل ما استقرّ في القلب من طهارة، وما تناثر على السلوك من أدب. فالجمال الذي يثبت هو ذاك الذي يبدأ من الداخل، ويُصدّقه العمل والحياء والرقيّ.

وفي مجلس آخر، قالت لجارياتها حكمةً تُشبه صفاء سريرتها: “رأيتُ صلاحَ الحُرّةِ إلفَها، وفسادها بحدّتِها، وإنّما يجمع ذلك ويفرقه التوفيق”. كانت تشير إلى أن المرأة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها، بل التي تُوازن بين صلابة المبدأ ولين الخُلق؛ بين قوة الشخصية ورفق الحياء. فالحدة تفسد جمال الروح، أما الرفق فيزيدها نورا، وما يجمع هذا كله هو توفيقٌ من الله يسكبه على قلبٍ عرف حدوده، وتهذّب بأدبه.

وهكذا تصوغ هند المهلبية للنساء مدرسة كاملة:

أن يكون العمل عبادة، والقلب طاهرًا، والخُلق زينة، والقوة في المبدأ لا في الصوت، والحياء لينًا يزيد الجمال ولا ينقصه. وأن المرأة حين تنشغل بما ينفعها، وتَسكن روحها إلى الطاعة، يصبح وجودها كله رسالة نور، تمشي بثباتٍ ناعم، لا تغريها القصور ولا تجرّها القلوب الخاوية.

وبهذا تمتدّ سيرتها كخيط غزل لا ينقطع… خيط يبدأ من قلب مؤمن، ويمرّ بعقلٍ حكيم، ويصل إلى نساء يردن أن يعشن كما عاشت: جميلات من الداخل، راقيات بالأدب، قويات بالتوفيق، ولطيفات بالحياء.