إدريس عاصيم
مقدمة: بيان يتجاوز إعلان الموقف
يشكل البيان الصادر عن الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، بتاريخ 09 شتنبر 2026، إعلانًا عن مقاطعة الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، لكنه لا يقتصر على إعلان قرار تنظيمي يهم أعضاء الجماعة. فالبيان يقدم هذا القرار باعتباره نتيجة لموقف سياسي وفكري أوسع من الانتخابات نفسها، ويتعامل مع المقاطعة بوصفها تعبيرًا عن رفض منظومة سياسية يرى أنها لم تحقق، خلال عقود، الانتقال إلى “أفق الديمقراطية والحرية والعدل ”.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية البيان لا تكمن فقط في السؤال: هل ستشارك الجماعة في الانتخابات أم لا؟ بل في الأسئلة التي يضعها خلف هذا القرار: ما قيمة الانتخابات إذا لم تكن المؤسسات المنتخبة صاحبة القرار السياسي الفعلي؟ وما حدود الإصلاح الانتخابي إذا لم يرافقه إصلاح أعمق في توزيع السلطة وضمان الحريات؟ وهل يمكن أن تكون المقاطعة موقفًا من طبيعة النظام السياسي، لا مجرد موقف من عملية انتخابية محددة؟ ما الذي يجعل الانتخابات وسيلة حقيقية لتحقيق الديمقراطية والحرية والعدل؟
هذه الأسئلة تجعل البيان نصًا سياسيًا حجاجيًا، يسعى إلى إعادة تعريف معنى المشاركة السياسية، وإلى نقل النقاش من مستوى “المشاركة أو عدم المشاركة” إلى مستوى “طبيعة المشاركة وشروطها وغاياتها”.
أولًا: من نقد الانتخابات إلى نقد المنظومة السياسية
ينطلق البيان من حكم عام واضح: «إن الانتخابات في المغرب، في صيغتها الحالية، لم تستطع أن تنقل المغرب إلى أفق الديمقراطية والحرية والعدل». وتكشف هذه العبارة أن الجماعة لا تنظر إلى الانتخابات باعتبارها غاية في ذاتها، بل باعتبارها وسيلة ينبغي أن تؤدي إلى نتائج سياسية محددة: الديمقراطية، والحرية، والعدل.
وهذا المنطلق يفتح نقاشًا مهمًا حول الفرق بين ”وجود الانتخابات” و”فاعلية الانتخابات”. فقد تكون هناك انتخابات دورية، ومؤسسات منتخبة، وحملات انتخابية، ونتائج تعلنها الجهات المختصة، لكن السؤال النقدي يظل قائمًا: إلى أي حد تتيح هذه العملية للمواطنين التأثير الفعلي في القرار السياسي؟ وإلى أي حد تسمح بتغيير السياسات والاختيارات العمومية عبر الإرادة الانتخابية؟
من هنا تأتي العبارة المركزية في البيان: “إن مكمن الداء يتجلى في منظومة سياسية لا تملك فيها المؤسسات المنتخبة القرار السياسي الفعلي”. فالمشكلة، وفق هذا التصور، ليست مجرد خلل تقني في الانتخابات، ولا ضعفًا في أداء حزب أو حكومة بعينها، بل خللًا في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار.
وتكمن قوة هذه الحجة في أنها ترفض اختزال الديمقراطية في لحظة الاقتراع. فالانتخابات، في التصور الديمقراطي، ليست مجرد آلية لإنتاج مؤسسات، وإنما جزء من منظومة أوسع تشمل توزيع الصلاحيات، والمساءلة، والرقابة، وتداول السلطة، وضمان الحقوق والحريات. وإذا انفصلت الانتخابات عن هذه الشروط، فقد تتحول إلى إجراء دوري لا يضمن بالضرورة انتقالًا حقيقيًا في السلطة أو تغييرًا جوهريًا في السياسات.
غير أن القراءة النقدية تقتضي أيضًا التمييز بين ”القول بأن الانتخابات غير كافية وحدها لتحقيق الديمقراطية”، وهو قول قابل للنقاش الواسع، وبين ”القول بأنها لا قيمة لها مطلقًا”. فالانتخابات قد تكون محدودة الأثر، لكنها قد تظل مجالًا للمنافسة والتعبير والمساءلة، وقد تتيح إصلاحات تدريجية أو تغييرات جزئية. لذلك فإن تقييمها يحتاج إلى النظر في درجات تأثيرها، لا الاكتفاء بالحكم عليها باعتبارها إما ديمقراطية كاملة أو بلا قيمة.
ثانيًا: الاستبداد والفساد بوصفهما نتيجة متكررة
يقول البيان إن الانتخابات ”ظلت تسهم في تجدد وتغول الاستبداد والفساد، مما أدى إلى عزوف شعبي واسع”. وتقوم هذه العبارة على ربط بين ثلاثة عناصر: طبيعة الانتخابات، واستمرار الاستبداد والفساد، والعزوف الشعبي.
هذا الربط يعبر عن رؤية تعتبر أن المشكلة ليست في ضعف الإقبال الانتخابي وحده، بل في فقدان الثقة في قدرة العملية السياسية على إنتاج تغيير ملموس. فحين يشعر المواطن أن مشاركته لا تؤثر في القرارات الأساسية، قد يتحول الاقتراع من فعل سياسي ذي معنى إلى ممارسة شكلية في نظره.
وتستحق هذه الفكرة التوقف عندها، لأن العزوف الانتخابي ليس ظاهرة بسيطة يمكن تفسيرها بسبب واحد. فقد يرتبط بضعف الثقة في المؤسسات، أو بضعف البرامج الحزبية، أو بالشعور بأن الانتخابات لا تغير السياسات الكبرى، أو بظروف اجتماعية واقتصادية، أو بضعف الاهتمام بالشأن العام. ولذلك فإن القول بأن العزوف وإن لم يكن نتيجة مباشرة لطبيعة الانتخابات، فهو يرتبط بشكل أعمق بمنظومة الحكم والتدبير والتسيير والقدرة على تغيير السياسات وامتلاك القرار السياسي الحقيقي.
ومع ذلك، فإن البيان يطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: هل يكفي أن تكون الانتخابات منتظمة لكي تكون ذات شرعية ديمقراطية قوية؟ إن الشرعية الانتخابية لا تنفصل عن شروط المنافسة، وحرية التعبير، وتكافؤ الفرص، وفعالية المؤسسات، وقدرة المواطنين على محاسبة ممثليهم. وكلما ضعفت هذه الشروط، أصبح من الطبيعي أن يتسع النقاش حول حدود الشرعية السياسية التي تنتجها الانتخابات.
ثالثًا: الحريات وشروط المنافسة السياسية
يربط البيان بين أزمة الانتخابات وبين “استمرار التضييق على الحريات وغياب شروط المنافسة السياسية الحرة والعادلة واستمرار منع واعتقال ومتابعة المعارضين والفاعلين”.
هنا ينتقل البيان من نقد النتائج إلى نقد البيئة التي تجري فيها العملية السياسية. فالمنافسة الانتخابية لا تكون ذات معنى كامل إذا لم تتوفر للأطراف السياسية شروط أساسية، من بينها حرية التنظيم والتعبير، وإمكانية الوصول إلى المواطنين، وتكافؤ الفرص، ووجود ضمانات قانونية ومؤسساتية تحمي النشاط السياسي السلمي.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يضع الانتخابات داخل منظومة الحقوق والحريات، بدل النظر إليها باعتبارها إجراءً منفصلًا عنها. فحرية الاختيار الانتخابي لا تكتمل بمجرد وجود ورقة اقتراع، بل تحتاج إلى فضاء سياسي يسمح للمواطن بأن يختار بين بدائل حقيقية، وأن يناقش البرامج، وأن ينتقد السياسات، وأن يشارك في الشأن العام دون خوف أو تضييق.
لكن القراءة النقدية تقتضي كذلك أن تكون هذه الادعاءات قابلة للفحص والتوثيق. فكل أحداث المنع أو الاعتقال أو المتابعة أو التضييق التي عرفتها الساحة السياسية المغربية في الآونة الأخيرة، وطرق تمرير العديد من القوانين التي تهم فئات مجتمعية متعددة تبرز طبيعة السياقات القانونية والسياسية التي تتم فيها الانتخابات القادمة، فالنقد السياسي يصبح أكثر قوة حين يميز بين الوقائع الموثقة، والتقديرات السياسية، والاستنتاجات التي يبنى عليها.
رابعًا: المقاطعة بين الرفض والمشاركة في الشأن العام
يؤكد البيان أن فعل المقاطعة “ليس انسحابا من الشأن العام، بل رفض لانتخابات لا تمكن الشعب من امتلاك قراره السياسي”.
وهذه العبارة هي من أهم العبارات الحجاجية في بيان الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، لأنها تسعى إلى نفي التأويل الذي قد يعتبر المقاطعة انسحابًا من المجال السياسي أو تراجعًا عن المشاركة العامة. فالبيان يقدم المقاطعة باعتبارها ” شكلًا من أشكال الموقف السياسي”، لا مجرد امتناع عن التصويت.
ومن الناحية النظرية، يمكن فهم المقاطعة باعتبارها أداة احتجاجية تستخدمها قوى سياسية عندما ترى أن المشاركة في عملية معينة قد تمنحها شرعية لا توافق على شروطها أو نتائجها المتوقعة. لكن المقاطعة في المقابل، تظل خيارًا سياسيًا له آثار وتكاليف، ولا يمكن افتراض أنها تؤدي تلقائيًا إلى تغيير المنظومة أو فتح أفق سياسي جديد.
فالمقاطعة قد تعبر عن رفض واضح، لكنها قد تطرح أيضًا أسئلة عملية: كيف يتحول هذا الرفض إلى تأثير سياسي؟ وما البدائل التنظيمية والمؤسساتية التي يمكن أن تترتب عليه؟ وكيف يمكن الحفاظ على الحضور في الشأن العام دون المشاركة في العملية الانتخابية؟ وما طبيعة العلاقة بين المقاطعة وبين بقية أشكال العمل المدني والسياسي؟
ولهذا فإن قوة البيان لا تتوقف على تبرير المقاطعة، بل على قدرته على توضيح ما الذي يترتب عليها سياسيًا، وكيف يمكن أن تتحول من موقف احتجاجي إلى مشروع إصلاحي قابل للنقاش.
خامسًا: «امتلاك الشعب لقراره السياسي» بوصفه أفقًا معياريًا
يقدم البيان هدفه الأوسع في عبارة: “من أجل الحرية والكرامة والحكم الرشيد، ومن أجل فتح أفق سياسي جديد يقوم على إرادة شعبية حرة ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات فعلية”.
وتحمل هذه العبارة تصورًا معياريًا للديمقراطية، يقوم على أن الإرادة الشعبية لا تكتمل بمجرد المشاركة في الانتخابات، بل تحتاج إلى مؤسسات منتخبة ذات صلاحيات حقيقية، وإلى شروط سياسية وقانونية تسمح بتحويل الاختيار الشعبي إلى قرارات وسياسات.
وهذا التصور يثير نقاشًا أساسيًا حول معنى “الحكم الرشيد”. فالحكم الرشيد لا يقتصر على نزاهة الانتخابات، بل يشمل الشفافية، والمساءلة، والفعالية، واحترام القانون، وحماية الحقوق، والقدرة على الاستجابة لحاجات المجتمع. كما أن المؤسسات المنتخبة لا تكون فعالة فقط لأنها منتخبة، بل لأنها تملك صلاحيات واضحة، وتخضع للمحاسبة، وتعمل ضمن توازنات مؤسساتية تضمن عدم تركز السلطة في جهة واحدة.
ومن هنا يمكن قراءة البيان باعتبار مطالبته بإعادة التفكير في العلاقة بين الإرادة الشعبية والمؤسسات، وبين الشرعية الانتخابية والسلطة الفعلية، وبين المشاركة السياسية والنتائج التي تترتب عليها.
لكن من المهم أيضًا أن يظل هذا الأفق مفتوحًا للنقاش حول الوسائل. فالدعوة إلى مؤسسات ذات صلاحيات فعلية تحتاج إلى تصور واضح لتوزيع الاختصاصات، وآليات المساءلة، وضمانات التوازن بين السلطات، وكيفية حماية الحقوق والحريات في ظل أي إصلاح سياسي مقترح.
سادسًا: قوة البيان وحدوده الحجاجية
من أبرز نقاط قوة البيان أنه يقدم موقفه ضمن رؤية سياسية متماسكة: الانتخابات في صيغتها الحالية لا تحقق الغاية الديمقراطية المنشودة؛ والسبب يعود إلى خلل في المنظومة السياسية؛ ولذلك فإن المقاطعة تعبر عن رفض هذا الوضع، وعن التطلع إلى أفق سياسي جديد.
كما أن البيان يستخدم لغة واضحة ومباشرة، ويكرر مفاهيم ذات حمولة سياسية قوية، مثل «الديمقراطية والحرية والعدل»، و«القرار السياسي الفعلي»، و«المنافسة السياسية الحرة والعادلة»، و«الإرادة الشعبية الحرة». وهذه المفاهيم تمنح النص وحدة موضوعية، وتربط بين الموقف الانتخابي والمشروع السياسي الأوسع.
ولأن طبيعة البيانات أن تكون مختصرة ومركزة، فإنه يقدم أحكامًا واسعة دون أن يرفقها بتفصيل كافٍ للمعطيات التي يستند إليها. فعبارات مثل “تجدد وتغول الاستبداد والفساد” أو “عزوف شعبي واسع” تحتاج إلى مؤشرات وبيانات وتحديدات حتى تصبح أكثر قوة من الناحية التحليلية. هذه المؤشرات نجدها في مختلف بيانات جماعة العدل والاحسان خلال الخمس سنوات الأخيرة، والتي كانت تصدر تزامنا مع مختلف الأحداث والوقائع التي تضيق على الحريات والمعارضين ومختلف المحاكمات التي تستهدفهم (الصحافيون، النشطاء السياسيون….)، الأمر الذي يزكي كون قرارات ”المنظومة السياسية”، والجهات الفاعلة فيها، لا ترتبط بالمؤسسات المنتخبة التي تفرزها الانتخابات، وتلكم أهم مواطن الخلل التي تحول دون الإصلاح الحقيقي لهذه المنظومة.
خاتمة: من سؤال المقاطعة إلى سؤال الإصلاح
يمكن قراءة بيان العدل والإحسان باعتباره نصًا يطرح سؤالًا أعمق من المشاركة في انتخابات محددة: ما الذي يجعل الانتخابات وسيلة حقيقية لتحقيق الديمقراطية والحرية والعدل؟
فالبيان يرفض اختزال المشاركة السياسية في الاقتراع، ويؤكد أن المؤسسات المنتخبة ينبغي أن تكون ذات صلاحيات فعلية، وأن المنافسة السياسية ينبغي أن تكون حرة وعادلة، وأن الحريات والحقوق جزء أساسي من أي انتقال ديمقراطي ذي معنى.
وفي المقابل، فإن القراءة النقدية تقتضي أن تظل هذه المطالب موضوعًا للنقاش العمومي المفتوح، وأن تُدعَم بالمعطيات والتفصيلات، وأن تُناقش وسائل تحقيقها وآثارها المحتملة. فالمسألة لا تتعلق فقط بموقف من الانتخابات، بل بتصور أوسع للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسات والإرادة الشعبية، وبين الشرعية السياسية والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار.
ومن هذه الزاوية، فإن قيمة البيان تكمن في أنه يعيد طرح سؤال الديمقراطية بوصفها “ممارسة مؤسساتية وحقوقية وسياسية متكاملة”، لا مجرد إجراء انتخابي دوري. لذا يظل موقف المقاطعة مرتبطًا بالنقاش حول البدائل، والنتائج المتوقعة، والقدرة على الإسهام في تحقيق الأهداف التي يعلنها البيان: الحرية، والكرامة، والحكم الرشيد، وامتلاك الشعب لقراره السياسي.
قراءة في بيان مقاطعة الانتخابات التشريعية بالمغرب
نشر بتاريخ
نشر بتاريخ