قِبلة القلب لا قبلة الجسد

Cover Image for قِبلة القلب لا قبلة الجسد
نشر بتاريخ
خديجة مسامح
خديجة مسامح

يقول الله تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة، 178]. إن فعل البر وعمل الخير من خلال الآية ليس مقصورا على أن يتوجه الإنسان في صلاته جهة المشرق والمغرب، وليس البر تلك الشعائر والعبادات الظاهرة الشكلية، فهي في ذاتها – بدون ما يصاحبها من حضور للقلب وتقويم في السلوك – ليست عنوانا للبر. إنما البر اسم جامع للطاعات وأعمال الخير، والطاعة اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه. البر تصور وشعور ثم أعمال وسلوك؛ تصور: يعني فكر وعلم وقناعة بالعمل الصالح، وإيمان بماهية العمل الصالح. وسلوك: يعنى التطبيق العملي لهذا العلم وتلك القناعة.

فالبر شامل لأعمال باطنية قلبية، وأعمال خارجية جوارحية؛ فهو بر باطن وظاهر. وهذا ما صورته الآية.

أولا: البر الباطن

لَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ. لقد أجملت الآية البر الباطن في أصول اعتقادية تتمثل في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيئين.

– الإيمان بالله: إن أساس البر ومنبعه الإيمان بالله تعالى، ذلك الإيمان العميق الراسخ الذي لا ينتابه أدنى شك أو ريب، فنؤمن به ربا يملك الأمر والنهي فننزل عند أمره ونهيه، ونؤمن به خالقا رازقا فتنبعث النفس لحمده وشكره والثناء عليه، ونؤمن به معبودا فنوحد له العبودية ونتحرر من عبودية من سواه.

– الإيمان باليوم الآخر: هو في حقيقته إيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء، والاعتقاد التام بأن الله لم يخلق الناس سدى، ولم يجعل حياة الإنسان فوضى وعبثا بغير ميزان، بل جعل لكل عمل جزاء في الدنيا، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[الزلزلة، 9]، فالجزاء وإن لم يكن ذو طابع مادي حسي فهو لا يخلو أن يكون معنويا، فأعمال القلب مثلا كحب الخير للناس لا ترى العين المجردة ثوابا لها، وإنما الثواب تلك السعادة والراحة واللذة النفسية التي تغمر الإنسان حين يقدم معروفا للناس، وهذا أكبر جزاء وأكبر نعمة في الدنيا، وأمر الآخرة بيد الله، ولاشك أنه أعظم وأجزل.

– الإيمان بالملائكة: الملائكة كما هو معلوم مخلوقات نورانية لا تراها العين المجردة، لكن النفس المؤمنة تستشعر وجودها، وتؤمن بخبر الذي لا ينطق عن الهوى: إن لله ملائكة طوافين يلتمسون حلق العلم والذكر… وإن لله ملائكة كتبة لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها… فالإيمان بالملائكة إيمان بالغيب، ومن ثم فهو عنوان تميز الإنسان عن الحيوان، فالإنسان يستطيع إدراك ما وراء الحس، أما الحيوان فلا يدرك إلا ما يرى بعينه المجردة ويسمع بأذنه العضو!

– الإيمان بالكتاب والنبيئين: هو في حقيقته إيمان بوحدة الرسالات السماوية من حيث المصدر والأساس والغاية؛ فمصدرها جميعها رباني، وأساسها وحدة البشرية في ربوبيتها لرب واحد، وبنوتها لأب واحد، وغايتها سعادة البشر في العاجل والآجل.

ثانيا: البر الظاهر

ويشمل: إيتاء ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس.

إن البر الظاهر هو نتيجة حتمية لبر الباطن، ولا ينال البر ما لم يحدث انقلاب في القلب، وما لم يخرج للعيان بحيث يراه الناس دليلا على الإيمان الراسخ، لذا نجد الله عز وجل قد جعل أعمال الجوارح تالية، وأعمال القلب متقدمة وسابقة، لأن القلب مضغة في الجسد إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله، فكلما كان الإيمان عميقا كلما كان الإحسان كثيرا، وكلما كانت التقوى أعمق كان البر أوفى، ولكن البر من أعطى واتقى.

وآتى المال على حبه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان” [متفق عليه]. فبذل المال هو تحرر الروح من حب المال، ومن عبودية المال، والتخلص من الشح والحرص، والانعتاق من الأثرة وحب النفس، وهذا من مزايا الإسلام الذي يعمل على تحرير الإنسان من نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يعمل على تحريره من العالم الخارجي، يقينا منه بأن عبيد أنفسهم عبيد الناس، فمن استطاع التخلص من هوى نفسه لن تستطيع قوة أن تفرض عليه هواها وميولها وإغراءاتها وتأثيراتها، ولن يخضع لأية مثيرات، فتحرير الإنسان من نفسه توحيد لعبودية الله، وتحقيق لحب الله الخالص له، إذ أن حُبَّانِ في قلب واحد لا يجتمعان، وفي هذا مبلغ الإحسان، لأن حب المال يبقى عالقا في نفس المؤمن، لكن المحسن يستطيع أن يتخلص منه لأن قلبه مغمور بحب الله والتوكل عليه، وإن طلبه فإنما يطلبه لعمل البر.

ويحدد الله تعالى أصناف المستحقين لبذل المال لتحقيق قيمة إسلامية معينة تعود على الفرد والمجتمع بالمصلحة وتدرأ عنهما المفسدة:

– فبدأ بذوي القربى وذلك لتوثيق العلاقة بين الأسر والعائلات، فأسر وعائلات مترابطة ومنسجمة ومتعاونة يعني مجتمعا مترابطا ومنسجما ومتعاونا.

– واليتامى: لتعويضهم عن فقدان الحماية والرعاية، وحماية للمجمع من التشرد والفساد والنقمة التي قد تملأ نفوسهم فيكبر عندهم حب الانتقام من محيطهم..

– وللمساكين: الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا يسألون الناس إلحافا وإلحاحا في السؤال، إشعارا لهم بالتضامن والتكامل والتكافل داخل المجتمع، وهذا لن تحققه القوانين الوضعية إنما العطاء منبعه الإيمان.

– ولابن السبيل: المنقطعين عن أموالهم وأهاليهم، فنفرج كرباتهم إشعارا لهم بأن الإنسانية أهل كلها.

– وللسائلين: تحقيقا لحاجتهم، وإسعافا لعوزهم، وكفا للمسألة التي نهى الإسلام عن اتخاذها مهنة، وتطهيرا للمجتمع من مظاهر الفقر والبؤس.

– وفي الرقاب: تحقيقا لمبدأ العبودية لله لا لغيره، حيث نجد الإسلام يستغل كل فرصة لتخليص الأسرى وفك رقاب الأرقاء والعبيد من عبوديتهم لغير الله حتى يسمعوا كلام الله ويخلصوا له سبحانه.

– وأقام الصلاة: إن إقامة الصلاة غير التوجه بالجسد إلى ناحية من نواحي الأرض، ولكنها التوجه بالقلب نحو قبلة الله، فكما يتحرى المؤمن أن تكون قبلة جسده صحيحة، يجب أن يكون أحرص على أن تكون قبلة قلبه صحيحة، فلا معنى لجسد يستقبل الكعبة وقلب لا يستقبل رب الكعبة، بل يستقبل هموم الدنيا والمشاغل، قلب لاه وغافل.

– وآتى الزكاة: الزكاة عبادة مالية لله، وهي حق الله، وحق الفقراء في أموال الأغنياء، المال مال الله، والإنسان فقط مستخلف فيه، لا يملكه ملكية تامة مطلقة بدون قيود أو حدود، بل من شروط عقد امتلاك المال بين الله والعبد إيتاء الزكاة، وأي اختلال يقع في الشرط يبطل العقد، فيعود على العبد بالخسران المبين في الدنيا والأخرى، حيث تتآكل الأرباح ولا تنمو.

والملاحظ أن الله عز وجل ذكر الزكاة بعد الحديث عن إيتاء المال، وهذا دليل على أن إيتاء المال من تلك الوجوه ليس بديلا عن الزكاة، فالزكاة فريضة والإنفاق صدقة وتطوع، والبر لا يتم إلا بهذا وذاك.

– الوفاء بالعهد: العهد هو عقد يكون بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “العقود العهود وهي ما أحل الله وما حرم، وما فرض الله في القرآن كله من التكاليف والأحكام” [فتح الباري]. فأعمال البر السابقة هي العهد بين العبد وربه، فمن أقامها فقد وفى العهد، ومن لم يوفها فقد خان الله، ومن خان عهد الله كان أجرأ على خيانة عهود الناس.

ومن مميزات المجتمع المسلم ومن مقوماته أن تكون العلاقة بين أفراده مبنية على الثقة والطمأنينة وحسن الظن، وهذا نابع من ثقتهم في موعود الله ووعده، ونابع من حسن ظنهم بما عند الله، وخوفهم من أن يدخلوا في زمرة المنافقين.

– الصبر في البأساء والضراء وحين البأس: هذه كلمات جامعة تعني أن عمل البر الباطن والظاهر يحتاج إلى صبر في جميع الحالات: في البأساء يعني الفقر والحرمان والقلة والنقص، وهذا يتعلق بالمادة، وفي الضراء يعني السقم والوجع والمرض والضعف، وهذا يتعلق بالجسد، وحين البأس يعني القتال والشدة والجهاد بمعناه العام، وهذا يتعلق بالمادة والجسد والروح. وفي هذا تربية للنفوس على الثبات في جميع المواقف، وعلى جميع الحالات، وعلى الثقة بالله والاعتماد عليه ورجائه وتفويض الأمر له.

– أولئك الذين صدقوا ربهم في إسلامهم وإيمانهم واعتقادهم، وأولئك هم المتقون الذين يخشون ربهم ويؤدون واجبهم، وأولئك هم الأبرار الذين يتسابقون في الخيرات فتكون لهم الجنات، عرضها كعرض الأرض والسماوات.

وجماع القول يرشدنا إلى معرفة وجوه البر لندخل في زمرة الأبرار، فالبر ليس صلاة وذكراً وصياماً وقياماً فقط وإنما البر حسن الخلق والإحسان إلى الخلق.

اللهم إنا نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار. آمين.