صدر حديثا للأستاذ والباحث الدكتور رشدي بويبري كتابه الجديد “قبسات من فقه الهزيمة والنصر”، في طبعته الأولى لسنة 2026، وهو عمل فكري وتأصيلي يتناول إحدى القضايا المركزية في الفكر الإسلامي المعاصر، وهي قضية الهزيمة والنصر في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية وتجارب الأمة عبر التاريخ.
ينطلق المؤلف من الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الوعي بمعاني النصر والهزيمة، خاصة في ظل التحولات الكبرى والتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم. ويؤكد أن الفهم السليم لهذا الفقه ليس مجرد ترف فكري، بل ضرورة تربوية وحركية وإيمانية تعين المسلمين على الثبات في أوقات المحن، وترسخ اليقين بوعد الله تعالى ونصره لعباده المؤمنين.
ويبرز الكتاب كيف أولى القرآن الكريم عناية خاصة لموضوع النصر والهزيمة، من خلال عرضه لقصص الأنبياء وتجارب الأمم السابقة، مثل قصة طالوت وجالوت، وموسى عليه السلام مع فرعون، إلى جانب الوقائع الكبرى في السيرة النبوية، بما تحمله من دروس وعبر في سنن التدافع بين الحق والباطل.
ويكشف المؤلف أن فكرة الكتاب راودته منذ سنة 2011 عقب محاضرة ألقاها بمدينة مراكش حول الموضوع، قبل أن تتأجل صياغته النهائية لسنوات بسبب انشغالات علمية وفكرية أخرى، ليعود إليه بعد أكثر من خمسة عشر عاما من البحث والتأمل، فيخرج في صورة عمل يجمع بين التأصيل الشرعي والقراءة الواقعية.
وجاء الكتاب في مقدمة وأربعة فصول رئيسة؛ خصص الفصل الأول لتأصيل عوامل الهزيمة وأسباب النصر وبيان مقتضيات كل منهما، بينما تناول الفصل الثاني النموذج النبوي باعتباره مدرسة متكاملة في الإحسان والجهاد والتأييد الغيبي، أما الفصل الثالث فقدّم قراءة في تجربة “طوفان الأقصى” من زاوية دعائم النصر وشروطه، في حين اختُتم الكتاب بفصل تأملي حول الظلم والظالمين وسنن الله في مصائرهم، مؤكدا أن الظلم مهما طال أمده فإن مآله إلى الزوال.
ويُنتظر أن يشكل هذا الإصدار إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية المعاصرة، لما يقدمه من معالجة تجمع بين التأصيل الشرعي، واستحضار التجارب التاريخية، وقراءة الأحداث الراهنة في ضوء السنن الربانية الحاكمة لحركة المجتمعات والأمم.
كتاب يفتح باب التأمل في سنن النصر والهزيمة، ويجدد الثقة في وعد الله، ويذكر بأن التاريخ لا تحكمه موازين القوة المادية وحدها، بل تحكمه كذلك السنن الإلهية التي لا تتخلف ولا تحابي أحدا.