قدم الدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، خلال مشاركته في حلقة من برنامج «في رحاب التراويح» في قناة الشاهد، قراءة تاريخية وتربوية لدلالات الملاحم التي عرفها شهر رمضان في مسار الأمة الإسلامية، مبرزا أن استحضار التاريخ ليس ترفا معرفيا ولا مجرد حنين إلى الماضي، بل ضرورة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
غزوة بدر ملحمة تأسيسية فرقت بين مرحلتي الاستضعاف والتمكين
اعتبر أن الوقوف عند الماضي ينبغي أن يكون بنظرة تبحث عن العبر، تربط الماضي بالحاضر، وتقف عند المحطات المفصلية لاستخلاص نقاط القوة من أجل ترسيخها، ونقاط الضعف من أجل تجاوزها. مشيرا إلى أن الأمة التي تجعل تاريخها حاضرا في مناهجها التعليمية وبرامجها الإعلامية وتلقنه للناشئة تكون أقدر على بناء حاضرها والتفاعل معه، بينما الأمة التي تغفل تاريخها تصبح أمة مقطوعة ومبتورة الأصل، عاجزة عن فهم واقعها أو استشراف مستقبلها.
وتوقف الدكتور أمكاسو عند غزوة بدر الكبرى باعتبارها ملحمة تأسيسية ونقطة تحول عميقة في مسار الدعوة الإسلامية، مبرزا أنها سميت بـ«الفرقان» لأنها فرقت بين مرحلتين في تاريخ المسلمين: مرحلة الاستضعاف ومرحلة التمكين. وأوضح أن اختيار وقوعها في شهر رمضان يحمل دلالة واضحة على أن رمضان ليس شهر الكسل والخمول، بل شهر الجهاد والبناء والعطاء، وليس فقط شهر التوبة والقرآن، بل شهر يجمع بين الإيمان والبناء والجهاد.
وأكد عضو مجلس الإرشاد أن النصر من عند الله لا يعني ترك الأسباب، بل يكون مع استفراغ الوسع في التعبئة والتنظيم واتخاذ كل الأسباب البشرية والمادية، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر، ثم الفرار إلى الله بالدعاء والإنابة. وأشار إلى صورة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يدعو حتى سقطت بردته عن كتفيه، في جمع بين استفراغ الجهد في الأسباب وكمال التوجه إلى الله. ومن هنا ربط بين هذا الدرس وبين الواقع، معتبرا أن الأمة كلما أخذت بالأسباب كما يفعل المجاهدون في غزة جاءها النصر من عند الله، أما التقاعس فلا ينتج نصرا.
الحضور القيادي النبوي صنع جيلا فريدا من الصحابة
كما توقف الأستاذ أمكاسو عند القيادة النبوية في بدر، مؤكدا أن الرسول صلى الله عليه وسلم جسد نموذجا فريدا للقيادة الراشدة، لأنه لم يكن يصدر أوامره وهو في برج عاجي، بل كان حاضرا مع أصحابه في كل التفاصيل: يعبئ، ويشجع، ويوزع المهام، ويعيش الحدث معهم، بل كان في الصف الأول من المواجهة.
واعتبر أن هذا الحضور القيادي انعكس على الصحابة الذين قدموا نماذج في الطاعة والبذل والتعاون وتقاسم ما معهم من معونة رغم قلة عددهم، وهو ما جعله يصفهم بالجيل الفريد. وربط ذلك بما تشكل في دار الأرقم من تربية نبوية عميقة، حيث صنعت الصحبة المباركة ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم والتعلق به جيلا قادرا على الجمع بين العبادة والبذل والجهاد. وأكد أن دور الأرقم لا ينبغي أن يبقى حدثا تاريخيا منقطعا، بل معنى تربويا مستمرا، وأن نور الصحبة ماض في الأمة، وأن ما تحقق للصحابة يمكن أن يتحقق لمن تبعهم وسار على أثرهم.
وفي حديثه عن الملاحم الكبرى في رمضان، اعتبر أمكاسو أن رمضان لم يكن في تاريخ المسلمين مجرد شهر صيام وقرآن، بل شهر ملاحم كبرى غيرت مسار التاريخ. فبعد بدر جاء فتح مكة الذي أنهى سلطة قريش والشرك في الكعبة، ثم تبوك التي شكلت أول احتكاك كبير مع الروم، ثم القادسية التي أنهت الإمبراطورية الساسانية، ثم بداية فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد، وما فتحه ذلك من أفق حضاري واسع، ثم الزلاقة بقيادة يوسف بن تاشفين التي أنقذت الوجود الإسلامي في الأندلس، ثم حطين بقيادة صلاح الدين الأيوبي التي انتهت بتحرير القدس، ثم عين جالوت التي أوقفت الزحف المغولي، وصولا إلى حرب رمضان 1973 وما حققته من كسر لخط بارليف، ثم ما يظهر اليوم في طوفان الأقصى من صور الملاحم المعاصرة.
النصر يرتبط بارتفاع منسوب الإيمان والتقوى
ولفت إلى أن الجامع بين هذه الأحداث ليس وقوعها في رمضان فقط، بل كونها معارك مفصلية أحدثت تحولات عميقة في تاريخ المسلمين. واعتبر أن العوامل المشتركة بينها متعددة مثل الإيمان والإعداد ووحدة الصف، غير أن الوعاء الكبير الذي اجتمعت فيه هذه العوامل هو الصيام، لأنه شهر التبتل والتقوى ومجاهدة النفس، وحين يتغلب الإنسان على مطالب جسده يعلو فيه الجانب الإيماني ويصبح أقرب إلى الله وأقوى على البذل.
وفي تفسيره للعلاقة بين الإيمان والنصر، أوضح أن الدرس المستفاد من ملاحم رمضان هو أن النصر يرتبط بارتفاع منسوب الإيمان والتقوى. فكلما عاشت الأمة رمضان بمعانيه العميقة، وأقبلت على الله بالدعاء والإنابة والقرآن، استحقت النصر.
غير أنه شدد على أن رمضان ينبغي أن يكون مدرسة عملية للتقوى لا موسما عابرا، بحيث لا تبقى معانيه محصورة في أيامه ولياليه، بل تمتد بعده كما عاش الصحابة حياتهم كلها على هذا النهج. وأشار إلى امتلاء المساجد بالشباب في رمضان، معتبرا ذلك أمرا مفرحا، لكنه أكد أن القيمة الحقيقية تكمن في استمرار هذه المعاني بعد رمضان، لأن النصر في حياة الأمة يرتبط باستمرار التقوى لا بموسمية العبادة.
الأمة في حاجة إلى ملاحم تربوية تعيد بناء الإنسان
وفي حديثه عن واقع الأمة اليوم، اعتبر الأستاذ أمكاسو أن الأمة ليست محتاجة فقط إلى ملحمة عسكرية، بل إلى ملاحم تربوية تعيد بناء الإنسان. وأوضح أن روح الملاحم ما تزال حاضرة في الأمة، وقد ظهرت في صور المقاومة المعاصرة، غير أن استعادتها على نطاق أوسع مشروطة بالرجوع إلى معاني الصيام والتقوى.
ورأى أن الأمة تعيش اليوم أزمة أخلاق وقيم وتربية وإيمان، وأن تجاوز هذه الاختلالات شرط لاستعادة دورها. وربط ذلك بضرورة الاقتداء بالنموذج النبوي، مؤكدا أن الأمة كلما اقتربت من هذا النموذج واقتدت بالرسول صلى الله عليه وسلم اقتداء كاملا تحقق لها ما تحقق للصحابة، لأن المعادلة واضحة: “كلما اقتربنا من النموذج النبوي حقق الله لنا النصر”. واستحضر في هذا السياق مثال صلاح الدين الأيوبي الذي ظهر في عصر استضعاف شديد، لكنه مع جيل من العلماء والمربين استطاع أن يحقق نصرا تاريخيا ويحرر القدس.
وعند حديثه عن إحياء معاني الجهاد والجندية والنصرة، أكد الأستاذ أمكاسو أن البداية تكون من إحياء الإيمان في النفوس وتربية الأجيال على ابتغاء وجه الله، وهي القضية التي كان يركز عليها الإمام عبد السلام ياسين. موضحا أن الرجال الذين صنعوا ملاحم التاريخ الإسلامي كانوا في الأصل عبادا، وكانت تتجسد فيهم المعادلة التي وصف بها الصحابة: رهبان بالليل فرسان بالنهار.
تاريخ المسلمين ليس مثاليا ولحظات الإخفاق تدرس كما لحظات النجاح
وشدد المتحدث على أن التعامل مع التاريخ ينبغي ألا يكون سردا جافا، بل قراءة تستخرج العبر وتطبقها في الواقع، حتى لا تتحول أحداثه إلى حكايات تروى للنوم، وإنما دروس توقظ الأمة من غفلتها. واستحضر في هذا الباب قصة صلاح الدين حين كان يتفقد المجاهدين ليلا، فإذا وجدهم قائمين قال: من هؤلاء يأتيني النصر.
وأكد الدكتور أمكاسو عند حديثه عن دروس الهزائم أن تاريخ المسلمين ليس تاريخا مثاليا خاليا من الأخطاء، لأن المسلمين بشر يخطئون ويصيبون. ومن ثم ينبغي دراسة لحظات الإخفاق كما تدرس لحظات النجاح. وذكر في هذا السياق ما وقع في أحد حين خالف الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وما وقع في بعض مراحل فتح الأندلس من اختلاف وانشغال بالغنائم.
واعتبر أن غياب وحدة الصف وضعف ابتغاء وجه الله من أسباب الخلل في أي معركة. كما أشار إلى النظرة النقدية التي قدمها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله لتاريخ المسلمين، حيث دعا إلى التمييز بين نقاط القوة ونقاط الضعف، والاعتراف بما وقع من أخطاء تاريخية.
التربية والجهاد وتلازم العدل والإحسان
وفي محور التربية والجهاد وتلازم العدل والإحسان، أوضح أمكاسو أن الجهاد في التصور الإسلامي لا يقتصر على المعنى العسكري، بل يشمل أحد عشر بابا من أبواب الجهاد، وفي مقدمتها جهاد النفس ومجاهدة الشهوات وبناء الأخلاق. وأكد أن النجاح في هذا الجهاد الأكبر هو الذي يهيئ الأمة للجهاد في مجالات الحياة الأخرى.
وأكد أهمية تلازم العدل والإحسان، موضحا أن العدل إذا انفصل عن الإحسان يصبح عملا أرضيا مجردا، بينما الإحسان هو الذي يمنح العمل روحه الإيمانية. وأوضح أن الإمام عبد السلام ياسين كان يتحدث عن تربية متوازنة لا تنغلق في الدروشة، ولا تنغمس في الفكر المجرد، ولا تذوب في الحركية السياسية، بل تنطلق من الإيمان أساسا لكل عمل.
المنهاج النبوي ثمرة اجتهاد الإمام في التربية
وفي سياق حديثه عن المنهاج النبوي، اعتبر أمكاسو أن سؤال «الكيف» في بناء جيل يجمع بين العبادة الفردية والعمل الجماعي ظل سؤالا استراتيجيا كبيرا للأمة، وأن اجتهاد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله حاول أن يقارب هذا السؤال من خلال صياغة «المنهاج النبوي»، أي الطريقة التي تمكن من تنزيل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الواقع المعاصر.
وأوضح أن المنهاج عنده ليس مجرد معرفة نظرية بالسيرة، فالسيرة كتبت فيها مجلدات ضخمة، ولكن الإشكال هو كيف ينقل ذلك الخير من الكتب إلى الواقع. ومن هنا تحدث عن التربية اليومية، وحضور مجالس الإيمان، والتنظيم، والتخطيط، ووضع الأهداف والاستراتيجيات، باعتبارها قنطرة عملية تنقل السيرة النبوية من الأسفار إلى الحياة.
وأشار إلى أن العلاقة بالمربي أو بعضو الجماعة ليست علاقة موسمية أو أسبوعية، بل هي تربية يومية تنطلق من «يوم المؤمن وليلته»، أي أن ينخرط الإنسان في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في يومه وليلته، في عبادته، وقيامه، وذكره، وقراءته، ومعاملته لأهله وللناس.
واعتبر أن هذا هو المدخل العملي لصناعة الإنسان القادر على حمل المشروع، وأن غيرهم من فصائل الحركة الإسلامية لهم أيضا اجتهاداتهم، لكن الجامع المطلوب هو توحيد الجهود حتى تكون ثمرتها شبابا ينشؤون في طاعة الله.
الشباب وصية رسول الله
وعندما تحدث عن الشباب، أكد أمكاسو أنهم كانوا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم أكثر من حضر معه في مراحل الدعوة الأولى، وحملوا معه عبء البناء، ونالوا الحظ الأوفر من صحبته القريبة الملتصقة به. ومن ثم دعا إلى توجيه طاقاتهم نحو البناء والعطاء، وإعانتهم على تجاوز فتن الواقع، حتى يأخذوا بأيدي بعضهم للنهوض بأنفسهم وبالأمة، ويسيروا على طريق أولئك الشباب الذين وقفوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وبنوا معه وتحملوا معه.
كما شدد على أن التربية الإسلامية الحقيقية للشباب لا ينبغي أن تختزل في تلقين المعلومات أو حفظ المتون فقط، وإن كان لذلك قيمته، بل يجب أن تجمع بين الرحمة والقوة، وبين العبادة والمسؤولية، وبين الحضور الإيماني والوعي بالعالم والسياسة والاجتماع، حتى يتشكل الشباب المحمدي القادر على أن يحقق في حياته ملاحم في حفظ القرآن، وذكر الله، وطلب العلم، وبناء الأسرة الصالحة، وخدمة المجتمع.
ترقب الفرج عبادة
وفي هذا الحوار أكد الأستاذ أمكاسو أن ترقب الفرج من تمام العبادة، وأن اليقين في مستقبل الأمة لا ينبغي أن يتزعزع تحت ضغط الأزمات والاختلالات، لأن الله سبحانه وتعالى وعد بتمكين عباده المؤمنين، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذا الأمر سيعود كما بدأ.
لكنه شدد في الآن نفسه على ضرورة ألا تنخدع الأمة بشعارات الأمل المجردة، بل عليها أن تواجه أسباب التراجع مواجهة صريحة، وفي مقدمتها التفريط في التربية النبوية، وتسلط حكام الجبر، والاستبداد، والفساد، والتبعية، وبيع مقدرات الأمة للأعداء.
ودعا إلى توبة جماعية شاملة، وتنظيم الجهود، وتوحيد الصفوف، والوقوف مع الفضلاء في الوطن وفي الأمة في جبهة واحدة لمواجهة الظلم والطغيان، مع تجديد الثقة في أن ما تحقق في تاريخ الأمة من انتصارات في رمضان يمكن أن يتحقق من جديد متى توفرت شروطه، وأن الأمة ما دامت مؤمنة بالله، متبعة لرسوله، مجتهدة في طاعته، فإن الله لن يخيبها.