في “رجل ومسار”.. ذ. عبادي يحكي عن الحراك العربي والتواصل مع الفرقاء السياسيين

Cover Image for في “رجل ومسار”.. ذ. عبادي يحكي عن الحراك العربي والتواصل مع الفرقاء السياسيين
نشر بتاريخ

بثت قناة الشاهد بودكاست الحلقة 12 من برنامج “رجل ومسار”، الذي يستضيف فيه الدكتور منير الجوري فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، الأستاذ محمد عبادي. وبعد أن تحدث في الحلقات السابقة عن مساره الشخصي، وبعض مواقفه من الأحداث والقضايا التي طرحت خلال حياته، وعن مساره الحركي والدعوي والسياسي، توقف في هذه الحلقة عند الأحداث التي أعقبت الحراك العربي والحراك المغربي، وخاصة ما عرف بالثورات المضادة، وآثارها على العمل السياسي داخل المغرب، ثم انتقل للحديث عن اتفاقية التطبيع والهجوم على القيم، ووجه في الختام رسالة للشباب.

تجربة الإسلاميين في “الحكم”

تساءل مقدم البرنامج عن رأي الأستاذ عبادي في تجربة الإسلاميين، خاصة في الدول التي شاركت في الحكم أو شاركت في الحكومة، في تونس ومصر والمغرب، وتقويمه لهذه التجربة، وعقّب المتحدث بداية عن معاناة العالم الغربي مع الدولة العثمانية، فبعد القضاء عليها فرض هيمنته على العالم العربي والعالم الإسلامي، وأصبح حذرا، يخشى أن تظهر حركة تريد أن تستعيد مجد الأمة وقوتها. لذلك أحكم سيطرته، وعيّن من تغذوا بلبانه وتربوا على يديه لتسيير دواليب الحكم في الأقطار الإسلامية. وقد تيقن أن هذا العالم سيبقى مجرورا إلى الأبد تحت هيمنته وفلسفته وفكره. فلما ظهرت الحركات الإسلامية، كان طبيعيا أن يقف ضدها، وأن يعطي الأوامر لأذنابه حتى يحولوا بينها وبين تسلم زمام الحكم. ففي مصر، مثلا، كانت حركة الإخوان المسلمين قوية، وكان عددهم كبيرا جدا، بل بالملايين، لكن مراكز القوة لم تكن في أيديهم، أو ما يسمى الدولة العميقة، التي تتجسد في الأمن والجيش والقضاء وأصحاب الأموال وغيرها. كان الشعب معهم، لكن بمجرد أن تسلموا الحكم انقلبوا عليهم وأجهضوا تجربتهم، وزجوا بمعظم الشباب في السجون، ولا يزالون يقبعون في السجون. أسأل الله تعالى أن يفرج عنهم. والشيء نفسه حدث في تونس، فالدولة العميقة كانت متجذرة ومتحكمة، والغنوشي، نسأل الله تعالى أن يفرج عنه، حُكم عليه بالمؤبد، بل بالمؤبدات. وهذا جنون وحمق من طرف المسؤولين. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبتليه ليرفع من قدره في الدنيا والآخرة: لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، وكذلك أجهضت تجربة النهضة في تونس.

ثم انتقل المحاور إلى ما لحق جماعة العدل والإحسان من هذه الردة الحقوقية أو السياسية الواسعة التي عاشها العالم العربي بعد الحراك، وأثبت الأستاذ عبادي أن الجماعة منذ نشأتها تربت في أحضان الابتلاءات، وفي أتون الاضطهاد، حيث شاء الله أن يقدر ذلك لأجل حماية هذه الجماعة من أن يتسرب إليها الوصوليون، حتى يبقى الصف لا يلجه إلا من باع نفسه لله سبحانه وتعالى. وأكد أن ما عانته الجماعة وما زالت هو تربية لنا، معتبرا إياه ربطا بالله سبحانه وتعالى. فالمحن هي التي تربي الإنسان، وهي التي تعلمه الرجولة والشهامة والصمود والثبات على المبدأ. لذلك كان التأثير، والحمد لله تعالى، إيجابيا أكثر منه سلبيا.

بعد ذلك انتقل الحوار إلى المرحلة التي دبرها الأستاذ عبادي على رأس جماعة العدل والإحسان في هذه الفترة التي كانت صعبة على كل أحرار العالم العربي والإسلامي، وعلى رأسهم الإسلاميون الذين يحملون مشروع التغيير، وأكد المتحدث أن الجماعة، ولله الحمد، لم تحد عن منهجها رغم الظروف القاسية التي مرت بها، والمضايقات التي تطالها في كل وقت وحين. وبين كذلك أن الجماعة تتحرك في الأمة والمجتمع لأجل نشر ما تؤمن به من مبادئ الحرية والعدالة، وتحرير الإنسان، وإسعاد الإنسان، وربطه بالله سبحانه وتعالى. فالشيء الذي ثبتنا وأعطانا قوة، والحمد لله تعالى، يقول المتحدث، هو الارتباط بالله سبحانه وتعالى، وهو صمام الأمان الذي يضمن السير الطبيعي إلى الله سبحانه وتعالى.

وبعد الحديث عن ما أصله الأستاذ عبد السلام ياسين ودافع عنه وتبناه في مسألة الحوار مع الفضلاء والأحرار، حيث كتب في الموضوع، وباشر الحوار بنفسه، وكانت للجماعة جولات من هذه الحوارات، طرح السؤال حول التقارب الذي لوحظ بعد حراك 20 فبراير، والذي لم يكن من قبل بين الجماعة وبعض الرموز من تيارات فكرية وسياسية أخرى، فهل هناك تياران داخل الجماعة؛ تيار يساند هذه العلاقة وهذا التواصل، وتيار آخر يرفضه تساءل المحاور، فأجاب الأستاذ عبادي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذو الوجهين لا يكون وجيها عند الله سبحانه وتعالى، والجماعة لها وجه واحد، فلا فصل بين الدعوة والسياسة، وفي حواراتنا، نفاتح الجميع ونتحاور مع الجميع، وندعو الجميع إلى أن نتوحد على ميثاق واحد، لأجل النهوض بمجتمعنا أولا، وبمغربنا، ثم بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأجل توحيد صفوف الأمة على ما يرضي الله سبحانه وتعالى.

وطرح موضوع مآلات خيار الجماعة بمقاطعة الانتخابات، خاصة وهي تتحدث عن أن خيار المشاركة من الداخل لم يحقق شيئا للمغرب في التغيير، وكذلك يقال أيضا عن خيار الجماعة. وأبدى المتحدث رفض الجماعة للتصدي لهذا الأمر انفرادا، مؤكدا دعوة الجماعة الدائمة للشرائح الأخرى، والمكونات الأخرى، وذوي الفضل، إلى أن نتحرك جميعا، وأن ننشئ فيما بيننا ميثاقا وعهدا، وأن نوسع دائرة المتعاطفين ودائرة المشاركين، حتى تكون نهضتنا نهضة جماعية يشارك فيها معظم الفئات الشعبية، ولا تنحصر في جماعة معينة، رغم ما لهذه الجماعة ورغم كثرة عددها، فنحن لا نراهن على أننا بقوتنا وحدنا، ودون أن نشارك غيرنا، يمكن أن نحقق شيئا لبلدنا في ظل هذا الوضع السياسي.

وعلق فضيلة الأمين العام على تدبير أمور الجماعة رغم اشتداد الحصار عليها، من تشميع وإعفاءات، ومنع من السفر، بأننا نحمد الله سبحانه وتعالى على ما ابتلانا به، ونعتبر، كما يقول الإمام المرشد رحمه الله تعالى، أن محننا منح إلهية. فهي تربية لنا لأجل أن نصمد وأن نثبت على الطريق السوي. الجماعة، والحمد لله تعالى، ليست غايتها أن تتسلم مقاليد الحكم، يقول، وإنما غايتها أن تربط الناس بالله سبحانه وتعالى. وندعو، كما ورد على لسان الإمام المرشد رحمه الله تعالى، إلى أننا جماعة نتوب إلى الله وندعو الناس أن يتوبوا معنا إلى الله. هذا هو مدخل التغيير، ومدخل الإصلاح، ومدخل النهوض بالأمة: أن نعلنها توبة صادقة تفصل بين مرحلتين؛ مرحلة كنا فيها تائهين وغافلين عن الله سبحانه وتعالى، ومرحلة نجدد فيها صلحنا مع الله سبحانه وتعالى وإقبالنا عليه، فهو الحاكم، وهو المدبر، وبيده الأمر كله.

التطبيع مع الكيان الصهيوني

وفي محور آخر طرح موضوع الأسس التي بنت عليها الجماعة رفضها لتوقيع المغرب اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني، وذكر عبادي أولا بأن الموقف ضد التطبيع لم يكن من خصوصيات الجماعة، بل هو شأن الأمة. فنحن نرى، ولا نزال نرى، في مناسبات كثيرة، أنه تقريبا لا يمر أسبوع دون أن تكون هناك وقفات ومسيرات وغيرها تأييدا لإخواننا في فلسطين ومناهضة لسياسة التطبيع مع الصهاينة. خاصة وأن التطبيع بدأ في المغرب، لعل ذلك منذ محمد الخامس والحسن الثاني، لكن تحت الطاولة، أما الآن، فما كان تحت الطاولة أصبح يعلن به على مرأى ومسمع من الناس.

واعتبر المتحدث أن التطبيع في المغرب تجاوز مفهوم التطبيع نفسه، فالصهاينة اخترقوا بلدنا ومجتمعنا في المجال الأمني، وفي المجال الفلاحي، وفي المجال العلمي، وفي المجال التربوي. وهذا يعني أن المجتمع أصبح مهددا بأن تطغى عليه فلسفة الصهاينة، فيذوب في هذا التيار إن لم يهب المجتمع بأسره لأجل إيقاف هذا السرطان الخبيث الذي ينتشر بسرعة فائقة في مجتمعنا.

وأكد أيضا أن التردي القيمي وتراجعه الكبير، سواء داخل المجتمع أو داخل الأسرة أو داخل المؤسسات الاجتماعية بشكل عام، سياسة عالمية يقودها الدجال ومن معه، لأجل مسخ فطرة الإنسان وإبعاده عن الله سبحانه وتعالى، ولكنها، إن شاء الله تعالى، لن تفلح، لأن الله سبحانه وتعالى وعد الأمة بأن تبقى محفوظة بحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. فرغم هذه الحملة الشرسة التي اكتسحت معظم المجالات التعليمية والفنية والثقافية وغيرها لأجل مسخ الفطرة، فإن الجماعة تحاول، بما لديها من إمكانات بسيطة جدا، أن تحافظ على هذه القيم عن طريق تربية الشباب الذين يلتحقون بها، وعن طريق بعض الوسائل الإعلامية، لأجل التحذير من هذا التيار الذي يجر، ليس المغرب فقط، ولكن البشرية كلها إلى الهاوية. فإذا كان هذا التيار يحاول جر الإنسان إلى فقدان بشريته وفقدان كرامته الآدمية، فينبغي أن تظهر في الأمة حركة مناهضة تدعو إلى الحفاظ على فطرة الإنسان. وهذا ما نشتغل عليه.

وعلّق المتحدث على حدث طوفان الأقصى الذي أجراه الله سبحانه وتعالى على يد إخواننا في غزة، فقد كانت القضية الفلسطينية تكاد تصبح نسيا منسيا، من العالم والعرب والمسلمين، فبرزت هذه القضية إلى السطح، وأصبح العالم الآن يعرف ما هي فلسطين، وما المعاناة التي يعيشونها، وما تاريخ فلسطين. ورغم أن الأثمان باهظة، وباهظة جدا، على مستوى الأنفس والعمران، وعلى مستويات أخرى، ولكن نرجو الله تعالى أن يكون لها أثر إيجابي في المستقبل، لأنها حركت مشاعر من بقيت في نفسه غيرة ومروءة وبشرية. رأينا الشباب في الجامعات في أمريكا كيف كانوا يضحون لأجل الدفاع عن فلسطين، وكذلك في أوروبا وفي كل العالم. وهذا سيكون له شأن في المستقبل، إن شاء الله تعالى، في نشر دعوة الله سبحانه وتعالى، وفي دخول الناس أفواجا في دين الله سبحانه وتعالى. ف”إسرائيل” ما زالت في طور التسلط في الفساد والإفساد، كما أخبر الله سبحانه وتعالى، ولم تستكمل بعد مرحلة علوها الكبير. فإذا استكملت هذه المرحلة، فهي علامة على خرابها واندثارها. وهذا وعد الله سبحانه وتعالى لا بد أن يتحقق عندما ينهض في الأمة رجال سماهم الله سبحانه وتعالى عبادا لنا، يخلصون العبادة لله سبحانه وتعالى. فالقضية الفلسطينية قضية إنسانية، ولكن الثقل يحمله المسلمون.

واعتبر المتحدث أن هذا الحدث، حدث 7 أكتوبر، نخاف على أنفسنا أن نكون ممن لم يحققوا فيه الولاء لله سبحانه وتعالى، فالعالم الغربي كله تضافرت جهوده لأجل الوقوف إلى جانب الكيان الصهيوني، بالسلاح والمال والخبرة وبكل شيء. أما العالم الإسلامي، فليس له قيادة موحدة، وقد أعطى الولاء المطلق لأمريكا. لذلك نجد في دول الخليج، ما من دولة إلا وفيها قواعد عسكرية لأمريكا، ومنها تنطلق الطائرات وغيرها والصواريخ. ولعل هذا درس يجب أن يأخذه العرب. فإيران، رغم المدة القصيرة، استطاعت أن توظف إمكاناتها المادية لأجل بناء ذاتها، والاكتفاء الذاتي في مجالات متعددة، وأن تعد العدة، وأن يكون لها سلاح فتاك تخشى منه أمريكا ويخشى منه الاحتلال. في حين أن أموال العرب، وهي لا حصر لها، مخزونة في بنوك الدول العالمية.

مستقبل الأمة في يد شبابها

وفي نهاية الحلقة أكد المتحدث أن مستقبل الأمة في شبابها، فرغم السيل الجارف من الفلسفات التي تجر الشباب إلى الهاوية، فإن الله سبحانه وتعالى ينبت من بين هذا الشباب من يتشبث بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يحتمي بحماية دعوة الله سبحانه وتعالى. ووعد الله سبحانه وتعالى أن دينه سينصره. فهو سبحانه وتعالى يهيئ من يحمل هذه الدعوة ومن يدافع عنها. وهذا ما يفسر إقبال الشباب على دين الله سبحانه وتعالى. فالمرجو من هؤلاء الشباب أن يتمسكوا بدين الله سبحانه وتعالى، وأن يعلموا أن قوتهم ومجدهم وسعادتهم تكمن في التعلق بالله سبحانه وتعالى، وفي الاصطلاح مع الله سبحانه وتعالى. أما هذه التيارات الجارفة الهدامة، فلا تنفعهم في شيء، وإنما تجر عليهم النقمة والتفاهة التي تنشر على نطاق واسع، وتلهيهم وتغرهم عن مصدر قوتهم.