في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (8).. ما دِّيرْ خير، ما يَطْرى بَـاسْ

Cover Image for في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (8)..  ما دِّيرْ خير، ما يَطْرى بَـاسْ
نشر بتاريخ
المصطفى سنكي
المصطفى سنكي

“ما دِّيــــرْ خير، ما يَـطْـرى بَـاسْ”، مثل شعبيٌّ يُعضده الـمثل العربي “خيراً تفعل شراً تلقى”، تأكيدا لشيوع هذا النمط من التفكير فـي ثقافتنا العربية؛ تفكير غير سليم يربط الإحسان بالإساءة، والخير بالشر. مثلٌ يشخصنُ طبيعة فئة من النفوس البشرية الناكرة للجميل، الجاحدة بالنعم، جلاها الحديث القدسي على اختلاف في صحته، حيث يقول رب العزة: “إني والإنس والجن في نبأ عظيم: أَخلُق ويُعبد غيري، أَرزق ويُشكر سِواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلـيّ صاعد، أتودَّد إليهم بالِّنعم وأنا الغني عنهم، ويتبغَّضون إلـيّ بالـمعاصي…”.

“ما دِّيــــرْ خير، ما يَـطْـرى بَـاسْ”، صوّر جانبا من نوازع النفس للجحود ونكران الجميل، اعتبره الشاعر أبو الطيب الـمتنبي معيارا للتمييـز بين كرم النفس ونبلها، وبين لؤمها وخستها فـي بيته الساري مسار الأمثال: “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ***** وإذا أنت أكرمت اللئيم تمرّدا”، بمعنى أنه يجب تحري الحكمة فـي التعامل مع الناس بما يتناسب وطباعهم، ولذلك قال أحد الحكماء متحدثا عن صهره الذي أساء معاملة ابنته: “عندما عاملناه بأصلنا خان، وعندما عاملناه بأصله صان”. خان ميثاق الزوجية بسبب لؤمه، ولـما عومل بما يتناسب وطبعه اضطُرّ لتكريم زوجه فصان منها العرض وحفظ لها الـمكانـة.

الـمثل وإن أكّد ضمنيا على التعامل مع الناس بما يناسُب طباعهم، لا يُشرعنُ للإساءة إلى الناس بسبب لؤمهم وجحودهم، فالأصل هو الإحسان وتقديم الخدمة والـمساعدة قبل طلبها بصرف النظر عن هُوية الـمحتاج وطبعه وأخلاقه. يقول تعالـى فـي سورة “الإنسان” معددا خصال عباده الأبرار: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا؛ خصالٌ حميدةٌ أُسُّها الوفاء بالعهود وإطعام الـمسكين واليتيم والأسير، وضابطها عدم ربطها بشكر أو مقابل، وحافزها الخوف من الرب يوم لا ينفع الـمال والأهل والعشيرة. خصال رشحت أصحابها الأبرار لعطايا ونِعَمٍ فصلتها السورة وأبدعت في تصويرها تحفيزا على الإحسان وتشويقا لكل خُلق كريم: إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا.

وإذا كان ظاهر الـمثل يربط الإحسان إلـى الـمحتاجين بحسب طباعهم، ويحرم من كان فـي طبعه لؤم أو سوء خلق، فإنه يتعارض وأبجديات ديننا الحنيف الداعية للإحسان؛ أبجديات أكدتها سورة “النور” في سياق حادثة الإفك وتداعياتها، حيث أقسم سيدنا أبو بكر رضي الله علـى ألا يُحسن لـمسطح وهو ابن خالته ومنعه من عطائه لأنه كان ممن خاضوا في حادثة الإفك التي استهدفت عِرض أم الـمؤمنين عائشة رضي الله عنها، فأنزل الله تعالـى فـي النازلة قرآنا يصحح النية ويصوب القصد من العطاء: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولـِي الْقُرْبَى وَالـْمَسَاكِينَ وَالـْمـُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

دعوة صريحة إلـى الإحسان وتقديم الخدمة والـمساعدة لكل محتاج بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو عرقه أو معتقده، تهذيبا للنفس من آفات الأثَـرة والشح والأنانية الصّارفةِ عن تقديم العون والـمساعدة لـمحتاجها، وتبقى قصة حابسة القطة دون إطعامها، وقصة ساقـي الكلب العطشان بخفيه أبلغ ترغيب فـي مساعدة الـملهوف حيوانا كان قبل أن يكون إنسانا. وفـي الحديث الـمتفق عليه: “فـي كل ذي كبد رطبة أجـرٌ”.

الإحسان لا يُثمر إلا إحسانا. يقول الشاعر أبو الفتح السبتي فـي قصيدة ذاع صيتها، وسرت مسرى الحِكم والـمواعظ: 

أحسن إلى الناسِ تَستعبد قلوبهم ***** فطالـما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ

وتحريضا علـى تقديم العون والـمساعدة، قال:

وكـنْ عـلـى الدهــــر مِــــعْواناً لذي أملٍ ***** يـــــرجو نَـــــــداك فـإن الـحُـــــرّ مِـــــعْـــــــوان

وما كان لإحسان أن يجلب مكروها، وما قد يصدر من سوء تقدير للبعض، يجب أن يعتبر اختبارا للنية من إتيان العمل، وتمحيصا للقصد ليرقـى الإحسان وسائر الأعمال إلـى عمل صالح مأجور مشكور عند الله تعالى.

الإحسان جزاؤه الإحسان دنيا وآخرة، جزاءٌ عاجلٌ يُصرفُ به الأذى الـمعنوي قبل الـمادي، وفـي الحديث: “حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وداووا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَأَعِدُّوا لِلْبَلاءِ الدُّعَاءَ”. إذن فالإحسانُ جالبٌ لكل خير، دافعٌ لكل بلاء أو أذى أو مكروه ما عُلم منه وما لم يعلم منه أكثر. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا

والحمد لله رب العالـمين.