في ثاني جلسات الندوة.. باحثون يكشفون أسرار فقه التزكية من خلاص الفرد إلى نهضة الأمة

Cover Image for في ثاني جلسات الندوة.. باحثون يكشفون أسرار فقه التزكية من خلاص الفرد إلى نهضة الأمة
نشر بتاريخ

شهدت الجلسة العلمية الثانية للندوة الدولية “فقه التزكية بين كمال الوظيفة ومحاذير التوظيف”، نقاشا فكريا عميقا استهدف إعادة الاعتبار لمركزية التزكية في المشروع التجديدي للأمة.

هذه الجلسة، التي نظمتها مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين بالتعاون مع الهيئة العامة للتربية والدعوة لجماعة العدل والإحسان يوم الأحد 19 أبريل 2026 بمدينة سلا، وأدار أشغالها الدكتور عبد الإله بلقاري، شارك فيها ثلة من الأكاديميين الذين قاربوا مفهوم التزكية من زوايا اجتماعية، وفلسفية، واقتصادية، وتربوية. وانصبت المداخلات على تفكيك العلاقة بين “خلاص الفرد” و”خلاص الأمة”، معتبرة أن التزكية هي بمثابة وقود لحركة العمران وعملية البناء والاستخلاف.

د. تيزنت: التزكية الإيمانية سر هذا الدين

تناول الدكتور علي تيزنت الباحث في علم الاجتماع، مفهوم التزكية الإيمانية في ضوء المنهاج النبوي، موضحا أن الحديث عنها هو حديث عن “سر هذا الدين وروحه وعن ذلكم الخيط الناظم الذي يصل بين صفاء القلوب وعمارة الأرض وبين طلب وجه الله والقيام بأمره في الناس”. ويرى تيزنت أن هذا المسار يهدف إلى “استئناف صادق لبناء يراد له أن يقوم على أصوله فيجمع بين صفاء الإيمان وحركة العمران”. إنها رؤية تتجاوز القول لتجديد المعنى وتحقيق “الوصال الأمجد بعد الفصام الأنكد” في كيان الأمة بلغة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.

وشخص الباحث الأزمة التاريخية للأمة، مشيرا إلى “الجرح العميق الذي نخر جسد الأمة والكسر العظيم الذي قسم ظهرها، جرح عبر عنه الإمام بعبارة موجزة بليغة؛ الانكسار التاريخي”. وشدد على أن التزكية الحقيقية هي التي ترفض الفصام، حيث “افترق السلطان والقرآن وضاعت الشورى وانكفأ أهل الإحسان ووهنت روح المبادرة، فصار الدين في واقع الناس شتاتا بين تزكية معزولة، وحركة فاقدة لروحها، وعلم لا يسعف العمل”. وبناء عليه، يرى أن المنهاج النبوي يمثل “دعوة إلى الوصل بعد الفصل” وغايته في ذلك أن يعيد للأمة وحدتها عبر “عبور شاق وصعود مجهد واقتحام لكل العقبات”.

د. السرتي: مسارات البناء والإصلاح في زمن الغربة

من جانبه انتقد الدكتور زكريا السرتي المتخصص في تحليل الخطاب، غياب البعد الروحي في المحافل المعاصرة، وقال إن المحافل العلمية والمنتديات والمؤتمرات والجامعات والمؤسسات التعليمية حينما تلقي نظرة عليها لا تجد فيها ذكرا لله عز وجل. وحذر من أن الانشغال بالتقنيات الحديثة جعل الحديث عن الغيب يبدو “خارج السياق تماما”، حيث تنفق أموال ضخمة بينما “لا تشم رائحة – إلا القليل – عن التوبة والاستغفار والإنابة”. ويؤكد أن هذا الواقع يلقي بمسؤولية ثقيلة على العلماء لإحياء قلوب الناس بنور الوحي.

وأكد السرتي حاجة الأمة لنماذج تربوية حية تتجاوز مجرد التنظير الفكري، موضحا أننا “لا نستطيع بلوغ هذه الغاية بدون وجود نموذجية إحسانية حاضرة وسط الأمة الإسلامية قائمة لله شاهدة بالقسط فاعلة مؤثرة”. وخلص إلى أن الأوراق البحثية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بـ”قلب وحال وسلوك يومي” يعيد ربط الإنسان بخالقه وسط ضجيج المادية. فالله تعالى بعث الرسل “نماذج حية تمشي على رجلين”، وهو ما لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الصحبة والمحبة، وما يحتضن الناس ويبني فيهم هذه النموذجية الإحسانية.

د. الإدريسي: وظائف التزكية الإيمانية الإحسانية

أما الدكتور أحمد الإدريسي الباحث في الاقتصاد الإسلامي، فاعتبر التزكية منطلقا لكل مشروع نهضوي حقيقي، فهي “أساس صلاح الفرد وتربيته على مكارم الأخلاق وطلب المعالي، وأساس تربية المجتمع على قيم التراحم والتعاون”. ويرى أن السلوك الإحساني يجب أن يصبح “عملا مصيريا رائده الفردي عبادة الله كأننا نراه ورائده الجماعي إتقان الأعمال الجماعية لتحقيق إسلام العدل في الأرض وعمارتها”. إن هذا التصور يدمج بين تزكية النفس وبين السعي لتقوية إرادة الأمة لتسترد مجدها ونهضتها وقوتها.

وفي تعريفه المنهاجي لمفهوم التزكية، أكد الإدريسي أنها “تربط بين إصلاح النفس؛ تربية الفرد، وبين إصلاح المجتمع؛ السلوك الجهادي”. وأوضح أن التزكية الإيمانية الإحسانية هي “عملية تطهير النفس وتهذيبها بناء على أركان الإيمان الراسخة للوصول إلى مقام الإحسان”، وذلك عبر وسائل عملية مثل الصبر على الطاعة، وحفظ اللسان والبصر، وذكر الله تعالى. وتهدف إلى “التغيير الجذري لسلوك الفرد ليكون محسنا في كل أفعاله”. مشيرا إلى مقاصد هذه التزكية الإيمانية التي منها التطهير والتخلية والتحلية والتنمية والوصول إلى مراتب الإحسان…

د. قويدر: التكامل بين خلاص الفرد ونهضة الأمة

بدوره الدكتور مجدي قويدر الكاتب الفلسطيني وأستاذ الفقه وأصوله، اعتبر ضمن مشروع الإمام عبد السلام ياسين، أن “خلاص الفرد لا يتحقق إلا بالتزكية الفردية من خلال الارتقاء في مراتب الدين: إسلام، إيمان، إحسان”. وأكد في مداخلته أن تجديد العمل الإسلامي مرهون بـ”اندراج الخلاص الفردي في الجهاد الجماعي”، حيث تمثل التزكية في جوهرها “الجسر الواصل بين الإيمان والعمران وبين الروح والجسد وبين الفرد والجماعة”. وبهذا التكامل يتشكل الإنسان القادر على حمل الأمانة وتحقيق الاستخلاف بوصفه عمرانا راشدا لا فوضى فيه ولا انحراف.

وحذر قويدر من الانكفاء على الذات بعيدا عن هم الأمة كما جاء في مشروع الإمام، مشيرا إلى أن “الخلاص الفردي يظل محدود الأثر في ميزان الرسالة، فالإسلام في جوهره دين جماعة وحركة بناء لا دين عزلة وسكون وانزواء”. وشدد على أن الأمة ينهض بـها “رجال ونساء جمعوا بين صفاء المجاهدة الباطنية وجرأة المجاهدة الميدانية حيث يتحول صفاء الباطن إلى قوة فعل في الخارج”. موضحا أن معنى العبادة يكتمل بحمل هم الأمة ومقاومة الظلم.

د. الفراك: حب الله والحب في الله روح التزكية

الدكتور أحمد الفراك أستاذ الفلسفة والمنطق، في مداخلته، جعل من المحبة قطب الرحى في عملية التزكية، مؤكدا أن “حب الله والحب في الله لا يفترقان؛ فمن أحب الله أحب في الله، ومن أحب في الله أحب الله”. ووصف هذا الربط بأنه “من أجَل موضوعات فقه التزكية ومناصحة الأنفس ومكاشفة القلوب”. فالمحبة في رؤيته هي “أعز ما يطلب ويرغب في حق المؤمن السالك” وفي حق الجماعة والأمة المسلمة.

وفصل الباحث في آثار هذا التحاب، موضحا أن المحبة في الله والتحاب في الله تتزكى بها الأنفس وتصلح بها النيات والأعمال. واعتبر أن هذه الولاية هي “ناظمة لبناء الأمة، لا تبنى الأمة بالقوانين وحدها بل بالتربية القلبية والنفسية والعاطفية والعقلية الشاملة والمتوازنة”. واسترسل موضحا أن المحبة هي رابطة ولائية تجمع كلمة المؤمنين وتقوي صفهم، وجعلها شرطا للتجديد والعمران، إذ لا قيمة لأي تمكين دون ولاية وتحاب.

دة. الحيلة: المرأة الفلسطينية مربية جيل الطوفان

وفي مسك ختام هذه المداخلات، أبرزت الباحثة الفلسطينية، الدكتورة نور الحيلة دور المرأة الفلسطينية في تربية جيل الثبات، واصفة إياها بأنها صاحبة الدور المحوري في عملية التربية، وقالت إنها “تجمع بين أدوار متعددة؛ الأم والمعلمة والمرشدة والداعمة، وهي التي أنجبت جيل الطوفان الذي أعاد الله به العزة للأمة”. وأكدت أن سر هذا الصمود يكمن في “عمق التربية القرآنية التي أعادت تشكيل الجيل القرآني في واقع حي”. مشيرة إلى أن هذه العملية تتم عبر ملازمة القرآن حفظا وتدبرا، لتتحول التربية القرآنية بقيادة المرأة إلى أداة إعداد إيماني متكامل.

وأشارت الحيلة إلى أن “المرأة في غزة عندما تحمد الله وتحتسب ليست أما ذات قلب جامد، إنما هي تحزن على أبنائها ولكنها تعلم أن هذا الدين قام على التضحيات”. وخلصت إلى أن هذه التربية تنتج “جيلا واعيا ثابتا قادرا على حمل المسؤولية ومواجهة التحديات”، حيث تتحول “المعاناة إلى فعل وبناء”. موضحة أن تجربة غزة كشفت عن نماذج حية تؤكد أن “العمل التربوي يمكن أن يتحول إلى عنصر مقاومة وثبات”.